الصديق المضحك الجزء الثاني
مفاجأة في سوق العطارين
بقلم وليد المرح
كانت رائحة البخور والبهارات تمتزج في سوق العطارين العريق، تشق عبيرها الأنوف وتدغدغ الحواس. الشمس تلقي خيوطها الذهبية على البضائع المعروضة، من الأعشاب الطبية النادرة إلى الأطياب الفواحة. في قلب هذا المشهد المفعم بالحياة، وقف "أبو سعيد"، بائع العطارة الذي اشتهر بابتسامته الصادقة وحكمته الهادئة، يراقب صخب الحياة حوله. كان يومًا عاديًا، لكن القدر كان يخفي بين أروقة هذه السوق القديمة مفاجأة ستعيد ترتيب أوراق الكثيرين.
اقترب منه شاب يبدو عليه الارتباك، شعره الأسود الفاحم ينسدل على جبينه، وعيناه الواسعتان تتفحصان وجوه المارة بتردد. لم يكن هذا الشاب غريباً عن "أبو سعيد"، فقد رآه عدة مرات في الماضي، كان يبدو دائماً كمن يبحث عن شيء لا يجده. "السلام عليكم يا عمي أبو سعيد"، قال الشاب بصوت خافت. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بني. تفضل، بماذا أخدمك؟" رد "أبو سعيد" بترحيب دافئ، مدركاً أن هناك قصة خلف هذا المجيء. "أنا... أنا أبحث عن شيء معين"، تلعثم الشاب. "شيء يساعد على... تصفية الذهن. وصفاء الروح." ابتسم "أبو سعيد" بحكمة. "هذه طلبات عظيمة يا بني. هل تشكو هماً ثقيلاً أم أنك تبحث عن سكينة؟" تردد الشاب للحظة، ثم قال بصوت أكثر ثقة: "لست أدري تماماً. أشعر أن عقلي مليء بالضجيج، وأن قلبي يعيش اضطراباً لا أفهمه." "هذا قد يكون بداية رحلة استكشاف للنفس يا ولدي"، قال "أبو سعيد" وهو يمد يده نحو رف يعرض فيه مزيجاً من الأعشاب المهدئة. "لدينا هنا زهرة البابونج، وبعض أوراق المليسة. لكن أخشى أن هذه الأمور الطبيعية لن تعالج جوهر ما تعانيه. يبدو أنك تبحث عن معنى أعمق." "أتمنى ذلك يا عمي. أتمنى أن أجد ما يريحني." "وما اسمك يا بني؟" سأل "أبو سعيد" بلطف. "اسمي... مراد." "أهلاً بك يا مراد. اسم جميل. هل لي أن أسألك، ما الذي أتى بك إلى سوق العطارين اليوم تحديداً؟ هل حدث شيء جديد؟" تنهد مراد بعمق. "لقد... لقد رأيت شيئاً بالأمس، شيئاً جعلني أقف أمام المرآة وأسأل نفسي: من أنا حقاً؟" "ما هذا الشيء الذي رأيته؟" "رأيت... رأيت قصة. قصة حب. قصة بين شاب وفتاة. كانت بسيطة، لكنها بدت صادقة جداً. وتذكرت... تذكرت حياتي. كيف أصبحت فارغة. كيف أن كل ما أفعله يبدو بلا معنى." فهم "أبو سعيد" أن مراد لم يكن يبحث عن أعشاب، بل عن إلهام. كان يبحث عن شعور، عن هدف. "يا بني، أحياناً نرى في الآخرين ما نفتقده في أنفسنا. وهذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. بل قد يكون دافعاً للتغيير. هذه القصة التي رأيتها، هل كانت لشخص تعرفه؟" "لا. لم أعرفه. لكن... لكنني شعرت بها. شعرت بصدق مشاعرهما. وكان فيها... كان فيها شاب صديق، يبدو أنه كان يدعم هذه القصة، يدعم هذا الحب. كان طيباً. وكان يجعل الآخرين يضحكون. تذكرت... تذكرت صديقاً قديماً، كان هكذا." "الصديق المضحك؟" سأل "أبو سعيد" بلمحة خاطفة من المعرفة في عينيه. ارتبك مراد. "نعم... نعم، تقريباً. كان يجعلنا نشعر بالسعادة، حتى في الأوقات الصعبة." "وهل فقدت هذا الصديق؟" "لا. لكننا... تباعدنا. أصبح كل منا في طريقه. وأنا... أنا لم أعد أجد تلك البهجة التي كان يزرعها فينا." "ربما لم تفقدها يا مراد، ربما فقط نسيت كيف تجدها. أحياناً، السعادة ليست في ما نملكه، بل في ما نقدره. أحياناً، نكون مشغولين جداً بالبحث عن شيء بعيد، فنغفل عن كنوز قريبة." في تلك اللحظة، مرت بالقرب منهما فتاة ترتدي حجاباً ملوناً، تحمل سلة مليئة بالورود. كان وجهها مشرقاً، وعيناها تلمعان ببريق خفي. توقف مراد عن الكلام، ينظر إليها بانبهار. "من هذه؟" سأل "أبو سعيد" بفضول. "لا أدري. لم أرها من قبل." "ربما هي جزء من القصة التي رأيتها؟" نظر مراد إلى "أبو سعيد"، ثم إلى الفتاة التي ابتعدت، ثم عاد ينظر إلى "أبو سعيد" بتردد. "ربما. لا أعرف. لكن... شعرت بشيء غريب." "الغريب هو ما يدفعنا للبحث يا مراد. أما الطبيعي، فهو ما يجعلنا نستمر. اذهب يا بني. ابحث عن هذا الشعور. ابحث عن هذا الصديق. ولكن لا تنسَ أن تبحث عن نفسك أيضاً." أعطى "أبو سعيد" لمراد كيساً صغيراً فيه بعض الأعشاب. "هذه لتهدئة أعصابك. وفي طريق عودتك، توقف عند مكتبة "الفكر النير". ستجد هناك كتباً قد تساعدك في رحلتك." شكر مراد "أبو سعيد" وعاد يمشي بين الممرات المزدحمة، لكن خطاه كانت الآن أكثر ثباتاً، وعيناه تحملان بريقاً من الأمل. لم يكن يعلم أن لقاءه بـ"أبو سعيد" كان مجرد بداية. وأن تلك الفتاة التي مرت كطيف، ربما كانت مفتاحاً لفك شفرة حياته.
في مكان آخر من المدينة، كانت "ليلى" تعود إلى منزلها بعد أن أتمت زيارتها لسوق العطارين. كانت تشعر بالرضا، فقد اشترت كل ما تحتاجه لترتيب حفل خطبة أخيها "عامر". كانت سعيدة لرؤية "عامر" وقد وجد شريكة حياته، "سارة". كانت "سارة" فتاة رائعة، خلوقة، وذات روح مرحة. كانت "ليلى" تتمنى أن تكون علاقتهما قوية ومستمرة.
بينما كانت تسير، لمحها "زياد"، الشاب الذي تعرفه "ليلى" من بعيد. كان واقفاً أمام متجر للتحف القديمة، يتفحص شيئاً في يده. شعر "زياد" بالدهشة لرؤيتها. كانت "ليلى" لا تزال تحتل جزءاً كبيراً من تفكيره، رغم محاولاته الجادة للتخلص من تلك المشاعر.
"ليلى؟" ناداها بصوت متردد. توقفت "ليلى" واستدارت. رأت "زياد" واقفاً هناك، وبدا عليه بعض الارتباك. "أهلاً بك يا زياد"، قالت "ليلى" بابتسامة مجاملة. "ماذا تفعلين هنا؟" سأل "زياد". "لم أتوقع رؤيتك في هذا الجزء من المدينة." "كنت في سوق العطارين. أشتري بعض الأشياء لعائلتي." "أتمنى أن تكون قد وجدت ما تبحثين عنه." "الحمد لله، نعم." صمت "زياد" قليلاً، محاولاً إيجاد الكلمات المناسبة. "ليلى... هل يمكن أن أتحدث معكِ قليلاً؟ لدي أمر أرغب في إطلاعك عليه." ترددت "ليلى". لم تكن متأكدة من رغبتها في الحديث مع "زياد". كانت علاقتها به قد تطورت بشكل غريب في الفترة الأخيرة. في البداية، كانت مجرد معرفة عابرة، ثم تحولت إلى لقاءات عفوية، وشعور متزايد بالانجذاب المتبادل. لكن شيئاً ما كان يجعلها تتوقف. ربما خوفها من أن تكون مشاعرها موجهة بشكل خاطئ، أو ربما شعورها بأن "زياد" يخفي عنها شيئاً.
"حسناً يا زياد. لكن لا أريد أن أطيل عليك. أنا على وشك الذهاب." "شكراً لكِ. الأمر لا يستغرق طويلاً." قادها "زياد" إلى مقهى قريب، حيث الجو هادئ ومريح. جلسا على طاولة صغيرة، وبدأت "ليلى" تشعر ببعض القلق. "ما هو الأمر الذي تريد إطلاعي عليه؟" سألت. تنهد "زياد". "ليلى، منذ أن عرفتكِ، وأنا أشعر بشيء غريب. شيء يجعلني أرغب في أن أكون قريباً منكِ. في البداية، كنت أظنها مجرد إعجاب عابر، لكن مع مرور الوقت، أدركت أن الأمر أعمق من ذلك." نظرت "ليلى" إليه، وقلبها يخفق بقوة. كانت تتوقع شيئاً كهذا، لكنها لم تكن متأكدة من ردة فعلها. "أنا... أنا معجب بكِ يا ليلى. معجب بكِ حقاً. وبأخلاقكِ، وطيبتكِ، وروحكِ المرحة. وأنا... أرغب في التقدم لخطبتكِ." ارتسمت الدهشة على وجه "ليلى". لم تكن تتخيل أن "زياد" سيقوم بخطوة كهذه. كانت تفكر فيه كصديق، ربما أكثر من صديق، لكنها لم تفكر في زواج. "زياد... أنا... لا أعرف ماذا أقول. هذا مفاجئ." "أعلم أنه مفاجئ. لكني أردت أن أكون صريحاً معكِ. لا أريد أن أضيع وقتكِ، ولا وقتي. مشاعري صادقة. وأنا مستعد لتقديم كل ما هو مطلوب لطلب يدكِ من والدكِ، إذا كنتِ ترين في ذلك مستقبلاً لنا." كانت "ليلى" في حيرة من أمرها. من جهة، كانت ترى في "زياد" شاباً طيباً، ومحترماً، ويتمتع بصفات حسنة. ومن جهة أخرى، كانت تشعر بشيء غير مكتمل، بشيء ناقص في هذه العلاقة. ربما كان ذلك بسبب عدم معرفتها بـ"زياد" بشكل كامل، أو ربما كانت تفكر في قصة أخرى، قصة مختلفة تماماً.
"زياد... أنت تعلم أنني أقدرك. وأقدر صراحتك. لكنني... أحتاج لبعض الوقت لأفكر في الأمر. هذه خطوة كبيرة." "أتفهم ذلك تماماً يا ليلى. خذي وقتكِ. ولكن أردت أن أكون واضحاً معكِ. لا أرغب في أن ألعب بمشاعركِ، ولا أريد أن تلعبي بمشاعري. حياتي... حياة خالية من الضجيج، لكنها تحتاج إلى شريك يشاركني هذا الهدوء." "حياتي ليست خالية من الضجيج يا زياد. بل هي مليئة بالكثير من الأمور." "هذا جيد. ربما أستطيع أن أساعدكِ في تهدئته. أو ربما نجد طريقة للتعايش مع هذا الضجيج معاً." نظرت "ليلى" إلى "زياد" بتفكر. كانت تفكر في "عامر" وأخته "سارة"، وفي قصة حبهما البسيطة والصادقة. هل كانت قصة حبها مع "زياد" ستكون كذلك؟ هل كان بإمكانها أن تبني حياة سعيدة معه؟ "سأفكر في الأمر يا زياد. وسأخبركِ بردي في أقرب وقت ممكن." "شكراً لكِ يا ليلى. هذا كل ما أطلبه." وقفت "ليلى"، وشعرت بعبء ثقيل على كتفيها. كانت تعلم أن هذا اللقاء قد غير شيئاً. ربما كان "زياد" هو فرصة للسعادة، أو ربما كان مجرد عقبة في طريق البحث عن شيء آخر. كان يجب عليها أن تعرف ماذا تريد حقاً، قبل أن تتخذ قراراً قد يغير حياتها إلى الأبد.