الصديق المضحك الجزء الثاني
بين الوعد والشك
بقلم وليد المرح
كانت "ليلى" تعود إلى منزلها، تحمل في قلبها مزيجاً من المشاعر المتضاربة. عرض "زياد" للزواج كان كالصاعقة، أربك حساباتها وتركها في حيرة شديدة. هل كانت مستعدة لهذه الخطوة؟ هل كانت مشاعرها تجاه "زياد" كافية لتأسيس حياة زوجية؟ كانت تفكر في ابتسامة "زياد" الصادقة، وفي احترامه الواضح لها، وفي حديثه الهادئ عن مستقبل مشترك. كل ذلك كان مغرياً. لكن في أعماقها، كان هناك شعور غامض بالتردد.
وصلت إلى المنزل، حيث استقبلتها والدتها بابتسامتها الدافئة. "أهلاً بكِ يا ابنتي. هل انتهيتِ من تسوقك؟" "نعم يا أمي. كل شيء على ما يرام." "ممتاز. أخوكِ "عامر" كان يسأل عنكِ. يبدو أنه متحمس جداً لترتيبات الخطبة." "بالتأكيد. "سارة" فتاة رائعة، وأنا سعيدة لهما." جلست "ليلى" على الأريكة، ووضعت السلة بجانبها. حاولت جاهدة ألا تظهر ما يعتمل في صدرها. كانت تعلم أن والدتها ستلاحظ أي تغيير في حالتها. "ماذا بكِ يا ليلى؟ تبدين شاردة الذهن. هل حدث شيء؟" سألت والدتها بقلق. "لا شيء يا أمي. فقط... أفكر في أمور كثيرة." "أمور متعلقة بالخطبة؟" "لا. أمر آخر." ترددت "ليلى" للحظة، ثم قررت أن تشارك والدتها جزءاً مما حصل. "زياد... لقد تحدث معي اليوم. و... وطلب مني الزواج." فتحت عينا الأم على اتساعهما. "ماذا؟ زياد؟ هذا خبر مفاجئ حقاً!" "نعم. قال إنه معجب بي حقاً ويرغب في التقدم لخطبتي." "وهل وافقتِ؟" "لم أوافق بعد يا أمي. أنا... أنا في حيرة." جلست والدتها بجانبها، ووضعت يدها على يدها. "يا ابنتي، الزواج قرار كبير. ويجب أن يكون مبنياً على أسس قوية. ما الذي يجعلكِ في حيرة؟ هل هناك شيء لا يعجبكِ في زياد؟" "لا، ليس بالمعنى الحرفي. زياد شاب طيب، محترم، وأظن أنه يحمل لي مشاعر صادقة. لكنني... أشعر أن هناك شيئاً ناقصاً. لا أعرف ما هو بالضبط. ربما لأنني لم أعرفه جيداً؟ أو ربما لأنني... أفكر في شيء آخر." "ما هو الشيء الآخر الذي تفكرين فيه؟" سألت الأم بفضول. نظرت "ليلى" إلى والدتها، وشعرت بالحاجة إلى التنفيس. "يا أمي، تذكرين الصديق القديم لـ"عامر"، الذي كان دائماً مرحاً ويجعلنا نضحك؟" "أقصد "خالد"؟ بالطبع أتذكره. كان شاباً لطيفاً ومرحاً." "نعم. هو. في الفترة الأخيرة، كنت أفكر فيه كثيراً. كنت أفكر كيف اختفى من حياتنا فجأة. وكيف أن روحه المرحة كانت تترك أثراً جميلاً فينا. ولا أعرف لماذا، لكنني أشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً في حياتي، شيئاً يذكرني به." ابتسمت الأم بحنان. "يا ابنتي، الجميع يمر بفترات من الشك والبحث عن شيء مفقود. ربما هو مجرد حنين للماضي. أو ربما هو شعور بأن حياتكِ تحتاج إلى تغيير. أما بالنسبة لـ"زياد"، فهو فرصة للسعادة. إذا كان رجلاً صالحاً، فلا تضيعي هذه الفرصة بسهولة." "لكن يا أمي، هل يمكن أن أحب شخصاً لم أشعر نحوه بنفس الشغف الذي سمعت عنه في القصص؟ هل يمكن أن أبني حياة سعيدة مع شخص لا أشعر تجاهه بذلك الانجذاب العميق؟" "يا ليلى، الحب ليس دائماً شغفاً وهيجاناً. أحياناً، يكون حباً مبنياً على الاحترام، والتفاهم، والمودة. أحياناً، يتطور هذا الحب بمرور الوقت. والأهم، هو أن يكون الشخص شريكاً صالحاً، يقدرك، ويشاركك حياتك." "أخشى أن أتسرع في قرار. أخشى أن أندم لاحقاً." "ولذلك، يجب أن تأخذي وقتكِ. تحدثي مع "زياد" مرة أخرى، وحاولي أن تفهميه بشكل أفضل. وإذا كنتِ لا تزالين في حيرة، فلنفكر في الأمر معاً. "عامر" أيضاً قد يكون لديه رأي. هو يعرف "زياد" أكثر منكِ."
في مكان آخر، كان "مراد" يتجول في المدينة، يتأمل في كل شيء حوله. كان ما قاله له "أبو سعيد" عن البحث عن النفس يتردد في أذنيه. كان يشعر وكأن حياته كانت أشبه بقطعة قماش لم تُخاط بعد، مليئة بالخيوط المتشابكة التي تحتاج إلى ترتيب. فكرة "الصديق المضحك" الذي ذكره لـ"أبو سعيد" جعلته يفكر بعمق في "خالد". كيف كان "خالد" قادراً على إضفاء البهجة على كل من حوله؟ كيف كان يرى الحياة بمنظور مختلف؟
مر "مراد" أمام مكتبة "الفكر النير". تذكر نصيحة "أبو سعيد". دخل المكتبة، وبدأ يتجول بين الرفوف. كانت رائحة الورق القديم تفوح في المكان، ممزوجة بعبق المعرفة. بدأ يقرأ عناوين الكتب، ثم سحب كتاباً بعنوان "فن الحياة السعيدة". فتح الكتاب، وبدأ يقر قصة عن رجل وجد السعادة في أبسط الأشياء. شعر "مراد" بأن هذه الكلمات تلامس قلبه.
بينما كان يقرأ، لمح من بعيد شاباً يجلس في زاوية المكتبة، منهمكاً في قراءة كتاب. كان الشاب يتمتع بملامح جذابة، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. شعر "مراد" بنوع من الألفة تجاهه، رغم أنه لم يره من قبل.
اقترب "مراد" بحذر. "السلام عليكم"، قال بصوت خافت. رفع الشاب رأسه، وابتسم. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل." "هل تسمح لي بالجلوس هنا؟" "بالتأكيد. تفضل." جلس "مراد"، ثم سأل: "هل تقرأ شيئاً ممتعاً؟" "نعم، كتاب عن التاريخ الإسلامي. يبدو أن فيه الكثير من الدروس التي يمكن أن نتعلمها." "هذا جيد. أنا أيضاً أحاول البحث عن شيء ما. شيء يمنحني بعض الإلهام." "كلنا نبحث عن الإلهام يا أخي. فالحياة بلا إلهام أشبه بسفينة بلا شراع." "هذا صحيح. بالمناسبة، اسمي مراد." "أنا خالد." توقف "مراد" عن التنفس للحظة. هل هذا هو؟ هل هذا هو "الصديق المضحك" الذي كان يبحث عنه؟ لكن كيف؟ متى؟ لم يكن يتوقع أن يجده هنا، في هذه المكتبة، بهذه الطريقة. "خالد؟ خالد نفسه؟" سأل "مراد" بصوت يكاد لا يُسمع. نظر إليه "خالد" بتعجب. "نعم. هل تعرفني؟" "أنا... أنا مراد. صديق قديم لـ"عامر"." اتسعت عينا "خالد". "مراد؟ يا إلهي! أنت مراد؟ لا أصدق! كيف حالك؟ لقد اختفيت منذ سنوات! أين كنت؟" كانت لحظة سريعة، لكنها حملت كل أثر للفرحة المدهشة. عاد "مراد" ليبتسم، ابتسامة حقيقية هذه المرة. "كنت أبحث عنك يا خالد. أبحث عنك وعن الأيام الجميلة التي مضت." "وأنا أيضاً يا مراد. كنت أتساءل أين ذهبت. يبدو أن الحياة أعادتنا لبعضنا البعض." "بالتأكيد. ولكن كيف؟" "دعنا نخرج من هنا. لدي قصة أريد أن أرويها لك. قصة قد تغير نظرتك للأمور." شعر "مراد" بأن قلبه يخفق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا تخبئ له الأيام القادمة، لكنه كان يعلم شيئاً واحداً: لقاء "خالد" كان بداية لتغير حقيقي.