الصديق المضحك الجزء الثاني
ثقل الاعترافات ومرارة الخيارات
بقلم وليد المرح
عاد أحمد إلى الداخل، ووجهه يحمل تعابير لم تعهدها والدته من قبل. كان صمتُ والده ما زال يخيم على المكان، ولكن صمت أحمد كان أثقل، محملاً بثقل اعترافٍ مؤلمٍ وصادم. جلس في مكانه، ينظر إلى أبو أحمد، الذي رفع عينيه نحوه ببطء، مترقبًا.
"لقد تحدثت مع علي، يا أبي،" قال أحمد، وصوته متذبذبٌ قليلًا، ولكن الحزم بدأ يتسلل إليه.
تأمل أبو أحمد وجه ابنه، رأى فيه اضطرابًا لم يعهده. "وماذا قال؟" سأل بهدوءٍ، يدرك أن شيئًا قد تغير.
"لقد... لقد اعترف. اعترف بأنه التقى بشقيق الرجل الذي يرفع علينا القضية،" قال أحمد، وهو يتجنب النظر إلى والدته، التي استمعت بصمتٍ، وقلبها يخفق خوفًا. "لقد عرض عليه المال، ووعده بالمزيد، مقابل الحصول على معلوماتٍ عنا."
اتسعت عينا أبو أحمد. لم يكن يتوقع أبدًا أن يأتيه الأذى من شخصٍ يعرفونه، ومن صديقٍ مقربٍ لابنه. "معلومات؟ عن ماذا؟"
"عن وضعنا المالي، وعن تفاصيل الملكية،" أجاب أحمد. "وحتى عن... عن محاولاتنا للدفاع عن أنفسنا."
شعرت أم أحمد بغصةٍ في حلقها. شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. كيف يمكن لصديقٍ أن يفعل ذلك؟ كيف يمكن لقلبٍ أن يسود إلى هذا الحد؟
"وهل... هل أعطاه شيئًا؟" سأل أبو أحمد، بصوتٍ حاول أن يحافظ فيه على هدوئه.
"نعم،" أجاب أحمد، بتعب. "لقد أخذ مالًا. و... لقد اعترف بأنه استخدمه في سداد بعض ديونه وتكاليف علاج والده. ولكنه قال إنه لم يوافق على أي شيءٍ آخر يضر بنا."
"لم يوافق؟" تمتم أبو أحمد، وهو يفرك جبهته. "هذا يعني أنه كان يفكر في الموافقة. هذا يعني أنه كان مستعدًا للتضحية بنا من أجل مصلحته."
"لقد قال إنه ورط نفسه، وإنه في حاجةٍ ماسةٍ للمساعدة للخروج من هذا المأزق،" قال أحمد، محاولًا أن يفسر موقف علي، ولكن الكلمات كانت تبدو ضعيفةً في مواجهة حجم الخيانة. "لقد جاء إليّ ليصارحني، وليطلب مني السماح."
ساد صمتٌ ثقيل. الصمت الذي يسبق العاصفة، أو الصمت الذي يتبعها. أبو أحمد، الرجل الذي اعتاد على مواجهة الحياة بشجاعةٍ وصبر، شعر بوطأةٍ جديدةٍ تثقل كاهله. لم تكن المشكلة فقط في خصمه الخارجي، بل في وجود ثغرةٍ داخلية.
"علي... علي الشاب الطيب،" قالت أم أحمد بصوتٍ خفيض، وهي لا تزال تحاول استيعاب الحقيقة. "لم أتوقع منه هذا أبدًا. ولكن... الظروف قد تدفع الإنسان إلى ما لا يحمد عقباه."
"الظروف لا تبرر الخيانة، يا أم أحمد،" قال أبو أحمد، بنبرةٍ حازمة. "ولكننا الآن أمام واقعٍ لا يمكن تجاهله. لقد اختار طريقه. والآن، علينا أن نختار طريقنا."
"وما هو طريقنا يا أبي؟" سأل أحمد، وهو يشعر بأن كل الخيارات تبدو مريرة.
"علينا أن نحمي ما بقي لنا،" قال أبو أحمد، وهو ينهض من مكانه. "وأن نحافظ على سمعة العائلة، وعلى كرامتنا. لقد كشف علي لنا عن جزءٍ من المؤامرة، وهذا قد يكون فرصةً لنا. فرصةً لأن نضع الأمور في نصابها الصحيح."
"ولكن ماذا عن علي؟" سأل أحمد. "لقد اعترف، وطلب المساعدة."
"سننظر في أمره،" قال أبو أحمد. "ولكن ليس على حساب حماية عائلتنا. هذه الأرض ليست مجرد أرض، إنها إرثٌ، وتاريخ. ولا يمكننا التفريط فيها لأي شخصٍ مهما كان. ولقد أصبحت القضية الآن أبعد من مجرد نزاعٍ على ملكية. إنها معركةٌ لكشف المفسدين، ولحماية الحق."
تحدث أبو أحمد عن ضرورة جمع الأدلة، عن التواصل مع محامٍ آخر، وعن الاستعداد للمواجهة. كان يشعر بأن لديه الآن سلاحًا جديدًا، وهو معرفة جزءٍ من نوايا خصمه. ولكن هذه المعرفة كانت مؤلمة، ومحمّلة بمشاعر الغدر.
"علي،" قال أبو أحمد، وهو ينظر إلى أحمد. "هل تعتقد أنه يمكننا الوثوق به في أي شيءٍ آخر؟ هل يمكن أن يكون قد كشف لنا كل شيء؟"
"لا أعرف يا أبي،" أجاب أحمد بصدق. "لقد بدا صادقًا في اعترافه. ولكنه... لقد تغير. ولم يعد هو علي الذي أعرفه."
"هذا طبيعي. لقد سلك طريقًا خطيرًا،" قال أبو أحمد. "علينا أن نكون حذرين. ولكن، في نفس الوقت، قد تكون لديه معلوماتٌ أخرى يمكن أن تفيدنا. يجب أن نفكر في كيفية استغلال هذا الوضع، دون أن نقع في فخاخٍ جديدة."
قضى أبو أحمد وأحمد بقية الليل في التخطيط. رسموا خريطةً للأحداث القادمة، وحددوا المخاطر المحتملة. كان أبو أحمد يشعر بثقل المسؤولية، ولكن عزيمته كانت تزداد قوة. كان يدرك أن هذه المعركة لن تكون سهلة، وأن الثمن قد يكون غاليًا.
في هذه الأثناء، كان علي يجلس وحيدًا في غرفته، يشعر بمرارةٍ لا توصف. لقد أخطأ، وها هو يدفع الثمن. شعر بالخزي والعار، ولكنه في نفس الوقت، شعر ببعض الراحة لأنه صارع مع نفسه، واختار أن يكون صادقًا. كان يعلم أن أحمد لن ينسى بسهولة، وأن عائلته لن تنسى. ولكن، هل يمكن أن تفتح هذه الصراحة بابًا لإصلاح ما أفسده؟
فكر في والده المريض، وفي الحاجة الماسة للمال. كان قد رأى في وجه الرجل الذي قابله الطمع، والقسوة. كان يعرف أن هذا الرجل لا يتورع عن أي شيءٍ لتحقيق أهدافه. وكان خائفًا من أن يجد نفسه في موقفٍ لا يستطيع فيه حماية نفسه، أو حماية عائلته.
"يا رب،" تمتم علي، وهو يرفع يديه بالدعاء. "إني أخطأت. ولكنني أريد أن أتوب. أريد أن أصلح ما أفسدت. أرجوك، لا تتركني وحدي في هذا المأزق."
كانت ليلةً مليئةً بالاعترافات المريرة، والخيارات الصعبة. كانت بداية كشفٍ لمؤامرةٍ أعمق مما كانوا يتصورون، وبداية معركةٍ لن تنتهي إلا بانتصار الحق، أو بزوال كل شيء. لم يكن لديهم وقتٌ كثير. كان يجب عليهم التحرك بسرعة، وحذر، قبل أن تسوء الأمور أكثر.