الصديق المضحك الجزء الثاني
خيطٌ رفيعٌ من الذهب
بقلم وليد المرح
لم تكنْ "ليلى" تتوقعُ أنَّ لقاءَها الأولَ مع "بدر" سيتركُ فيها هذا الأثر. في كلِّ يومٍ بعدَ ذلك، كانتْ تجدُ نفسَها تسرعُ في إنهاءِ عملِها في متجرِ الخياطةِ، لتتجهَ نحو سوقِ "الجوهرة". لم يكنْ الأمرُ مجردَ فضول، بل كانَ هناكَ شيءٌ يجذبها بقوةٍ إلى بساطةِ "بدر" وروحهِ المرحة. كانتْ تُحبُّ كيفَ أنهُ يتعاملُ معَ زبائنهِ، وكيفَ ينجحُ في إدخالِ البهجةِ على قلوبهمْ حتى في أكثرِ الأيامِ كآبة.
في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ "ليلى" تقفُ على مقربةٍ من بساتينِ "بدر"، رأتْ رجلاً عجوزًا يُعاني من صعوبةٍ في حملِ سلةٍ ثقيلةٍ من الخضروات. كانَ وجههُ يُظهرُ عليهِ الإرهاقُ والتعب. قبلَ أن تتمكنَ "ليلى" من مدِّ يدِ المساعدة، كانَ "بدر" قد انحنى بسرعةٍ، وأخذَ السلةَ من يدِ الرجلِ، وقالَ لهُ بابتسامةٍ دافئة: "لا تقلقْ يا عمي. هذهِ الأوزانُ ليستْ إلا أفكارًا ثقيلة، سأُساعدكَ على حملِها إلى بابِ بيتك."
ضحكَ الرجلُ العجوزُ بصوتٍ خافت، وهو يُراقبُ "بدر" يمشي بجوارهِ بخفةٍ وكأنهُ لا يحملُ شيئًا. "بارككَ اللهُ يا بني. أنتَ لستَ بائعَ خضرواتٍ فحسب، بل أنتَ طبيبُ القلوبِ أيضًا."
شعرتْ "ليلى" بفخرٍ غريبٍ وهي ترى هذهِ اللفتةَ الإنسانية. كانتْ تتأكدُ كلَّ يومٍ أكثرَ أنَّ "بدر" ليسَ مجردَ رجلٍ عادي.
بعدَ أن أتمَّ "بدر" خدمةَ الرجلِ العجوز، التفتَ ورآها. ابتسمَ لها بحرارةٍ واقتربَ منها.
"صباحُ الخيرِ يا ليلى. هل رأيتِ؟ حتى البطيخُ يُشاركُ في الأعمالِ الخيريةِ اليوم." قالَ وهو يُشيرُ إلى سلةٍ كانتْ تحملُ بعضَ حباتِ البطيخ.
"صباحُ النور، بدر. لقد رأيتُ. إنَّكَ تُبهِرُني دائمًا." أجابتْ "ليلى" بصدق.
"الجمالُ الحقيقيُّ ليسَ في البهر، بل في القلبِ الذي يُشرقُ بالنور. وأنا أرى هذا النورَ في عينيكِ." قالَ "بدر" بهدوء، نظرتُهُ تحملُ شيئًا من الجديةِ لم تعهدها فيهِ من قبل.
صمتتْ "ليلى" قليلًا، وقلبها يدقُّ بسرعة. كانتْ هذهِ الكلماتُ تُثيرُ فيها مشاعرَ مختلطة. أحستْ بنعومةٍ غريبةٍ تسري في عروقها.
"ولكنْ، هل أنتِ دائمًا هكذا؟ صامتةٌ ومُراقبة؟" سألَ "بدر" بنبرةٍ مرحةٍ مُحاولةً كسرَ الصمت.
"أنا فقط... أستمتعُ بالمنظر. وبصوتكَ." قالتْ "ليلى" بخجل، ثم أدركتْ أنها قالتْ شيئًا قد يبدو جرأةً زائدة.
ابتسمَ "بدر" ابتسامةً واسعة. "وصوتكَ أيضًا جميلٌ، ولكنهُ يحتاجُ إلى المزيدِ من الضحكات. ربما يجبُ أن أُعلمكَ بعضَ فنونِ الفكاهة."
"ربما..." قالتْ "ليلى" وهي تتخيلُ نفسها تضحكُ بصوتٍ عالٍ مع "بدر".
كانَ "بدر" في الواقعِ يُعاني من ضغوطٍ لم تظهرْ في وجههِ المرح. فقد كانَ يواجهُ صعوباتٍ ماليةٍ كبيرة. كانتْ تجارةُ الخضرواتِ موسميةً، وكانَ الدخلُ يتأرجحُ بينَ الصعودِ والهبوط. بالإضافةِ إلى ذلك، كانَ لديهِ أختٌ صغيرةٌ مريضةٌ تحتاجُ إلى علاجٍ مُستمر. كانَ "بدر" يُخفي كلَّ هذهِ الهمومِ خلفَ ابتسامتهِ المعهودة، خوفًا من أن يُثقلَ على قلوبِ الآخرين.
وفي هذا اليوم، بينما كانَ "بدر" يُحاولُ بيعَ بعضِ الكمياتِ من التفاحِ، اقتربَ منهُ "سليم العبدلي" مرةً أخرى. هذهِ المرة، لم يكنْ غاضبًا، بل كانَ يحملُ وجهًا يبدو فيهِ شيءٌ من السخريةِ والتعجرف.
"إذًا، يا بائعَ الضحكات، كيفَ حالُ بضاعتكَ اليوم؟ هل أصبحتْ تبيعُ الأحلامَ معَ الخضروات؟" قالَ "سليم" بنبرةٍ ساخرة.
توقفَ "بدر" عن ترتيبِ صناديقِ التفاح، ونظرَ إلى "سليم" ببرود. "أبيعُ ما يُريدهُ الناس، يا سيد سليم. رزقٌ من الله. أما الأحلام، فهيَ لمنْ يستطيعُ شرائها، أو لمنْ يستطيعُ أن يحلمَ بها."
"وهل أنتَ ممنْ يحلمونَ؟" سألَ "سليم" وهو يُديرُ بيدهِ حبةَ تفاحٍ فاخرة.
"أحلمُ بأنْ أرى كلَّ الوجوهِ التي أبيعُ لها سعيدة. هذا هوَ حلمي." أجابَ "بدر" بصدق.
"تفكيرٌ بسيطٌ لرجلٍ بسيط." قالَ "سليم" وهو يُلقي حبةَ التفاحِ مرةً أخرى في السلة. "ولكنْ، هل تعلمُ يا بدر، أنَّ السوقَ الذي تعملُ فيهِ على وشكِ أن يتغير؟"
ارتبكَ "بدر" قليلًا. "ماذا تقصد؟"
"أقصدُ أنَّ هناكَ مستثمرًا كبيرًا، يُريدُ أن يُحوّلَ هذا السوقَ القديمَ إلى مركزٍ تجاريٍّ ضخم. سيُبنى على أنقاضِ هذهِ البساتينِ والأزقة. ستُزالُ كلُّ هذهِ الأكشاخُ البالية." قالَ "سليم" بلهجةٍ تبدو وكأنها تحملُ أخبارًا سارةً له.
شعرَ "بدر" ببرودةٍ تسري في جسده. لم يكنْ يتخيلُ هذا الأمر. هذا السوقُ لم يكنْ مجردَ مكانٍ للبيعِ والشراء، بل كانَ عالمًا كاملاً، يضمُّ قصصَ مئاتِ العائلات.
"هذا غيرُ ممكن. هذا السوقُ تاريخٌ، وذكريات." قالَ "بدر" بصوتٍ مختنق.
"التاريخُ والذكرياتُ لا تُطعمُ الناس، يا صديقي. المالُ هوَ الذي يُطعم. وهذهِ ستكونُ فرصةً ذهبيةً للكثيرين. بالنسبةِ لي، أنا منْ سأُشرفُ على عمليةِ التطوير." قالَ "سليم" بابتسامةٍ انتصار.
"ولكنْ، ماذا عنْ أصحابِ الأكشاكِ؟ عنْ العمال؟ عنْ هؤلاءِ الذينَ يعيشونَ على هذا الرزقِ البسيط؟" سألَ "بدر" بصوتٍ يرتفعُ قليلًا.
"سيحصلونَ على تعويضاتٍ. وسيجدونَ فرصًا جديدة. العالمُ يتطور، يا بدر. لا يمكنكَ البقاءُ عالقًا في الماضي." قالَ "سليم" وهو ينظرُ إلى "بدر" بنظرةٍ تحملُ مزيجًا من الشفقةِ والازدراء. "على كلِّ حال، هذهِ مجردُ أخبار. لنُعدْ إلى حديثِ البطيخ. هل وجدتَ لهُ مشترينَ أمْ أنَّهُ سيظلُّ مجردَ سماءٍ زرقاءَ في قشرةٍ خضراء؟"
ابتسمَ "بدر" ابتسامةً باهتة. "سأجدُ لهُ مشترين. دائمًا ما أجدُ. ولكنْ، معلومةٌ أخيرةٌ لكَ يا سيد سليم: بعضُ السماءِ الزرقاءِ أجملُ من كلِّ مراكزِ التسوقِ في العالم."
تركَ "سليم" المكانَ وهو يهزُّ رأسه، بينما وقفَ "بدر" مُحاطًا بضجيجِ السوق، ولكنَّه يشعرُ بصمتٍ رهيبٍ يُخيمُ على روحه. لقد اصطدمَ عالمُهُ الهشُّ بواقعٍ قاسٍ، بواقعٍ يُهددُ بزوالِ كلِّ ما يُحبه.
عادتْ "ليلى" في ذلكَ اليوم، ورأتْ "بدر" يجلسُ وحدهُ على مقعدٍ خشبيٍّ بالقربِ من بساتينهِ. لم يكنْ يبتسمُ. كانَ ينظرُ إلى الأفقِ بعينينِ تحملانِ ثقلَ الدنيا. اقتربتْ منهُ بحذر.
"بدر؟ هل أنتَ بخير؟" سألتْ بصوتٍ خافت.
رفعَ "بدر" رأسهُ، ورأى "ليلى" واقفةً أمامهُ. حاولَ أن يرسمَ ابتسامةً على وجههِ، ولكنها كانتْ ابتسامةً مُتعثرة.
"أهلاً يا ليلى. نعم، بخير. فقط... أفكرُ في بعضِ الأمور." قالَ بصوتٍ مُرهق.
"أرى أنَّ هناكَ شيئًا يُزعجكَ. إذا أردتَ أن تتحدثَ، فأنا أُصغي." قالتْ "ليلى" وهي تجلسُ بجانبه.
نظرتْ "ليلى" إلى "بدر"، وشعرتْ بأسىً عميقٍ عليه. فقد كانَ وجههُ الذي اعتادتهُ مُشرقًا بالبهجةِ، يبدو الآنَ مُنطفئًا. وبدونِ وعيٍ منها، مدتْ يدها ووضعتْها بلطفٍ على يدهِ.
شعرَ "بدر" بلمسةِ "ليلى" الدافئة. كانتْ كخيطٍ رفيعٍ من الذهبِ ينسابُ في عتمةِ روحه. رفعَ يدهُ ببطءٍ، وقبضَ على يدها بلطف.
"أخبرني، بدر. ما الذي يُثقلُ قلبكَ؟" كررتْ "ليلى" بصوتٍ حنون.
نظرَ "بدر" إلى وجهِ "ليلى" الصادق، إلى عينيها التي تعكسانِ اهتمامًا حقيقيًا. ولأولِ مرةٍ منذُ وقتٍ طويل، شعرَ بأنَّه ليسَ وحيدًا.
"هناك أخبارٌ سيئةٌ تدورُ في السوق، يا ليلى. أخبارٌ قد تُغيرُ كلَّ شيء." قالَ "بدر" بصوتٍ مُرتعشٍ قليلًا.
"ما هيَ؟" سألتْ "ليلى" بلهفة.
"يُقالُ أنَّ هناكَ من يُريدُ بناءَ مركزٍ تجاريٍّ ضخمٍ هنا. وأنَّ هذا السوقَ، بكلِّ ما فيهِ من ذكرياتٍ وقصص، سيُزال." قالَ "بدر" وهو يُحكمُ قبضتهُ على يدِ "ليلى".
ارتسمَ على وجهِ "ليلى" تعبيرٌ من الصدمةِ والأسى. لقد شعرتْ وكأنَّها سمعتْ نبأً سيئًا يتعلقُ بشيءٍ عزيزٍ عليها.
"ولكنْ... كيفَ؟ هذا مستحيل! هذا السوقُ هوَ روحُ هذهِ المدينة." قالتْ "ليلى" بصوتٍ مُنكسر.
"هذهِ هيَ الحقيقة، يا ليلى. الحقيقةُ التي تُحاولُ أن تُحطمَ كلَّ شيءٍ جميل." قالَ "بدر" وهو يُشعرُ بيدِ "ليلى" بالدفءِ الذي بثتهُ فيها.
نظرتْ "ليلى" إلى "بدر"، ورأتْ في عينيهِ تصميمًا غريبًا، تصميمًا يولدُ من رحمِ اليأس.
"لن نسمحَ بهذا، بدر. لن نسمحَ لهمْ بتحطيمِ هذا المكان." قالتْ "ليلى" بحزم.
ابتسمَ "بدر" ابتسامةً خفيفةً هذهِ المرة، ابتسامةً لم ترسمها شفتاهُ بل عيناه. "ما الذي نستطيعُ فعلهُ، يا ليلى؟ نحنُ مجردُ بائعِ خضرواتٍ و... وفتاةٍ تعملُ في الخياطة."
"نحنُ نحملُ قلوبًا، بدر. وقلوبٌ مثلَ هذهِ لا تستسلمُ بسهولة. وسنُقاتلُ من أجلِ هذا المكان. سأُقاتلُ معك." قالتْ "ليلى" بحماسٍ صادق.
في تلكَ اللحظة، شعرَ "بدر" بأنَّ خيطًا رفيعًا من الذهبِ قد نسجَ نفسه بينَ قلوبهما. خيطٌ من الأملِ، خيطٌ من التحدي، وخيطٌ من مشاعرٍ بدأتْ تتشكلُ ببطءٍ وعمق.