الصديق المضحك الجزء الثاني
فخ الثعلب ورمح الحقيقة
بقلم وليد المرح
تضاعفت جهود أحمد وأبيه بعدما تكشفت لهم الصورة الأوضح لمؤامرة "أبو الشام". لم يعد الأمر مجرد نزاعٍ على أرضٍ، بل تحول إلى صراعٍ مريرٍ ضد فسادٍ وطمعٍ لا يعرف حدودًا. أدرك أبو أحمد أن الاعتماد على الإجراءات القانونية وحدها سيكون أشبه بمن يواجه وحشًا مسلحًا بالسيف، وهو يحمل عود ثقاب.
"علي،" قال أبو أحمد لأحمد، وهو يحتسي فنجان قهوته الصباحي، "يجب أن نتأكد من أن علي ليس مجرد أداةٍ في يد أبو الشام. لقد بدا صادقًا في خوفه، ولكن الخوف قد يدفع الإنسان إلى التظاهر."
"أتفق معك يا أبي،" أجاب أحمد. "لقد اقترحت عليه أن نطلب منه إثباتًا لما قاله، شيئًا يمكن أن يساعدنا في بناء قضيتنا. ربما لديه تسجيلٌ، أو مستندٌ، أو حتى إشارةٌ إلى معلوماتٍ يمكننا التحقق منها."
"هذا حكيم،" أثنى أبو أحمد. "ولكن علينا أن نكون حذرين. إذا كان أبو الشام يعلم أن علي قد يخذله، فقد يكون قد نصب له فخًا. وعلينا أن نتأكد من أننا لسنا جزءًا من هذا الفخ."
اتصل أحمد بعلي مرةً أخرى، وتحدث معه بهدوءٍ وحذر. "يا علي، نحن نقدر ما فعلته. ولكننا نحتاج إلى المزيد. نحتاج إلى شيءٍ ملموسٍ يمكن أن يساعدنا في مواجهة هذا الرجل. هل لديك أي شيءٍ يمكن أن يثبت ادعاءاتك؟"
تردد علي قليلًا، ثم أجاب بصوتٍ خافت: "لقد... لقد حاول أن يعطيني شيئًا. لقد قدم لي بعض المستندات. قال إنها تخص صفقةً تجاريةً قديمة، ولكني عندما نظرت إليها، بدت غريبة. لم أفهم كل شيء. ولكني أخذتها. ربما فيها ما يفيدكم."
"أين أنت الآن؟" سأل أحمد بحماس.
"أنا في منزلي. أحاول ترتيب بعض الأمور."
"ابقَ في مكانك. سآتي إليك حالًا."
وصل أحمد إلى منزل علي، الذي كان يقع في حيٍ متواضعٍ ولكنه نظيف. استقبله علي بوجهٍ شاحبٍ أكثر من المعتاد.
"أحمد،" قال علي، وهو يسلمه مظروفًا سميكًا. "هذه هي المستندات التي أعطوني إياها. لم أفهم كل شيء. ولكن هناك أسماءٌ وأرقامٌ تبدو مشبوهة."
فتح أحمد المظروف، وبدأ يتصفح الأوراق. كانت تتضمن عقودًا، وكشوفاتٍ مالية، ومراسلاتٍ تبدو رسميةً ولكنها تحمل توقيعاتٍ غريبة. كان هناك اسم "أبو الشام" يظهر بشكلٍ متكرر، ولكنه كان مرتبطًا بشركاتٍ وهميةٍ وجنسياتٍ متعددة.
"هذا... هذا أكبر مما تخيلت،" تمتم أحمد. "يبدو أنها شبكةٌ ماليةٌ معقدة. تستر على عملياتٍ مشبوهة."
"لقد أخبرني الرجل الذي يعمل معه، أنهم يستخدمون هذه الشركات لغسل الأموال، ولتمويل صفقاتٍ غير قانونية،" قال علي. "وأنهم يريدون الأرض لأنها قريبةٌ من موقعٍ استراتيجيٍ يخططون لاستخدامه لاحقًا."
"وهل لديهم أي مستنداتٍ تثبت نواياهم تجاه أرضنا؟" سأل أحمد.
"لقد حاولوا إقناعي بأن أساعدهم في الحصول على بعض المعلومات عن تاريخ الأرض، وعن أي نزاعاتٍ سابقة،" قال علي. "ولكنهم لم يمنحوني أي شيءٍ ملموسٍ يدل على خططهم المحددة. ربما لأنهم لم يثقوا بي تمامًا."
"هذه المستندات وحدها قد تكون كافيةً لفتح تحقيق،" قال أحمد، وهو يشعر ببصيصٍ من الأمل. "إذا تمكنا من إثبات تورط أبو الشام في عملياتٍ مشبوهة، قد يكون ذلك ضغطًا عليه للتراجع عن قضيته."
"ولكن،" تابع علي، بتردد، "لقد قالوا لي إنهم سيبدأون تحركاتٍ سريعةً خلال الأيام القادمة. وأنهم سيحاولون استكمال كل شيءٍ قبل أن نتمكن من التحرك."
"ما هي هذه التحركات؟" سأل أحمد بقلق.
"لا أعرف. ولكنهم كانوا يتحدثون عن "إنهاء الأمر بسرعة". وأنا أخشى أن يكون المقصود هو... هو شيءٌ خطير."
عاد أحمد إلى والده، ووضع الأوراق أمامه. قرأ أبو أحمد المستندات بعنايةٍ فائقة، وكانت عيناه تتسع كلما تعمق في التفاصيل.
"يا بني،" قال أبو أحمد، بصوتٍ يعلوه الإصرار. "هذه ليست مجرد أموالٍ قذرة. هذه شبكةٌ تمتد إلى ما هو أبعد مما نتخيل. وهذه الأرض، قد تكون مجرد بدايةٍ لأهدافهم. علينا أن نفضحهم. قبل فوات الأوان."
"ولكن كيف؟" سأل أحمد. "إذا تحركنا الآن، فقد يكشفوننا، ويصبحون أكثر شراسة."
"سنستخدم هذه المستندات كسلاح،" قال أبو أحمد. "ولكن ليس بطريقةٍ مباشرة. علينا أن نزرع الشك، ونفتح باب التحقيق.علينا أن نوصل هذه المعلومات إلى الجهات الصحيحة، دون أن نكشف أنفسنا."
قضى أبو أحمد وأحمد الساعات التالية في وضع خطةٍ جريئة. قررا إرسال نسخةٍ من المستندات، مع رسالةٍ مجهولة المصدر، إلى صحفيٍ معروفٍ بنزاهته وحرصه على كشف الفساد. كما قررا الاتصال بشيخٍ جليلٍ في المدينة، رجلٍ ذي نفوذٍ أخلاقيٍ كبير، ليشرحوا له الوضع، ويطلبوا منه التدخل.
"يا أبي،" قال أحمد، وهو يشعر بالخوف يتسلل إلى قلبه. "ما نفعله قد يكون خطيرًا. أبو الشام رجلٌ لا يرحم."
"الحق أقوى من أي رجلٍ ظالم، يا بني،" رد أبو أحمد. "وقد قال الله تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وسنصبر، وسنجاهد، وسنرى ما سيحدث."
في هذه الأثناء، كان علي يراقب الوضع بحذر. كان يشعر بالتوتر الشديد، ولكنه في نفس الوقت، كان يشعر بنوعٍ من الراحة لأنه بدأ يتخذ موقفًا. كان يدرك أنه قد وضع نفسه في خطرٍ داهم، ولكن كانت لديه قناعةٌ بأن ما يفعله هو الصواب.
"يا رب،" دعا علي في سجدته. "لقد بدأت المسار الصحيح. ساعدني لأتجاوزه بسلام. واحفظ عائلتي."
كانت الأيام القادمة حبلى بالترقب. كل صوتٍ يسمعونه، كل حركةٍ يرونها، كانت تثير فيهم القلق. كانوا يعلمون أنهم قد أشعلوا فتيل معركةٍ قد تكون شرسة، وأن أبو الشام لن يظل صامتًا. ولكنهم كانوا مستعدين. لقد ألقوا رمح الحقيقة، متسلحين ببصيصٍ من الأمل، في وجه فخ الثعلب الماكر.