الصديق المضحك الجزء الثاني
عطرُ الماضي ووشوشاتُ المستقبل
بقلم وليد المرح
تسللَ خيطُ الأملِ الذي نسجتهُ "ليلى" في روحِ "بدر"، ليُزيحَ بعضَ غبارِ اليأس. لم يكنْ مجردَ وعدٍ عابر، بل كانَ دعوةً للوقوفِ في وجهِ الرياحِ العاتية. في الأيامِ التالية، كانتْ "ليلى" تُمضي وقتًا أطولَ في سوقِ "الجوهرة"، لم تعدْ تكتفي بالمرورِ السريع، بل أصبحتْ تُراقبُ وتُفكرُ وتُشاركُ "بدر" في أفكاره.
"بدر، هل فكرتَ فيمنْ يقفُ وراءَ هذا المشروع؟ هل هوَ شخصٌ واحدٌ أمْ شركةٌ كبيرة؟" سألتْ "ليلى" ذاتَ يومٍ وهي تُساعدهُ في ترتيبِ بعضِ حباتِ الرمان.
"يُقالُ أنَّهُ رجلُ أعمالٍ ثري، يُدعى "سالم الغانم". سمعتُ أنَّ لهُ يدًا في العديدِ من المشاريعِ الكبرى في المدينة. أما "سليم العبدلي"، فيبدو أنَّهُ الوسيطُ الذي يُشرفُ على التفاصيلِ هنا." أجابَ "بدر" وهو يُعطيها إحدى الرمانِ الناضجة.
"سالم الغانم... لم أسمعْ بهذا الاسمِ من قبل." قالتْ "ليلى" وهي تُقلبُ حبةَ الرمانِ في يدها. "ولكنْ، "سليم العبدلي" يبدو متورطًا بشدة. رأيتهُ اليومَ وهو يتحدثُ معَ بعضِ التجارِ الذينَ كانوا يبدون قلقين."
"نعم، "سليم" يُحاولُ بثَّ اليأسِ في قلوبِ الناس، ليُسهلَ عليهمْ قبولَ العروض. ولكنْ، لا يُمكنُنا أن نُسلمَ هذا المكانَ هكذا." قالَ "بدر" وهو ينظرُ إلى بساتينِ الخضرواتِ بكلِّ حُب. "هذهِ الأرضُ شهدتْ قصصَ أجيال. جدّي كانَ يبيعُ هنا، ووالدي من بعدهِ. وهيَ أيضًا شاهدةٌ على قصصِ الكثيرينَ من أصحابِ الأكشاكِ، أناسٌ طيبونَ يعيشونَ بكرامةٍ وبساطة."
"ولكنْ، ما هوَ الحل؟ كيفَ نُقنعُ هؤلاءِ الناس؟" سألتْ "ليلى" وهي تشعرُ بالإحباط.
"يجبُ أن نُظهرَ لهمْ أنَّ هذا السوقَ لهُ قيمةٌ لا تُقدرُ بالمال. يجبُ أن نُذكرهمْ بتاريخِهِ، وبأرواحِهِ التي تسكنهُ. ربما... ربما يجبُ أن نُقيمَ احتفالًا هنا. احتفالًا يُعيدُ الحياةَ إلى هذا المكان، ويُظهرُ للجميعِ أنَّهُ ليسَ مجردَ أراضٍ وحجارة." اقترحَ "بدر" بعينينِ تلمعانِ بفكرةٍ جديدة.
"احتفال؟ فكرةٌ رائعة! يمكننا أن ندعو الفنانينَ المحليين، الشعراء، الكتاب. يمكننا أن نعرضَ منتجاتِ أصحابِ الأكشاكِ بأفضلِ شكل. يمكننا أن نجعلَ من هذا السوقِ لوحةً فنيةً حية." قالتْ "ليلى" بحماسٍ شديد، وقد لمعتْ عيناها بروحِ الإبداعِ التي تمتلكها.
"بالضبط! أنتِ دائمًا ما تجدينَ الحلولَ البديعة، يا ليلى. أنتِ كالنسمةِ التي تُنعشُ الصحراء." قالَ "بدر" بتقديرٍ صادق.
بدأَ "بدر" و"ليلى" بالعملِ على خطتهما. كانتْ "ليلى" تُصممُ الملصقاتِ الإعلانيةَ البسيطةَ والأنيقة، وتُشجعُ أصحابَ الأكشاكِ على المشاركة. أما "بدر"، فكانَ يتحدثُ إلى الجميع، يُشعلُ فيهمُ روحَ الأملِ والتحدي، ويُقنعُ الفنانينَ والمبدعينَ بالانضمامِ إلى قضيتهم.
في غضونِ أيامٍ قليلة، بدأتْ أخبارُ "مهرجانِ سوقِ الجوهرة" تنتشرُ في المدينة. كانَ الإقبالُ كبيرًا، وشعورُ الوحدةِ الذي كانَ يُسيطرُ على التجارِ قد بدأَ يتلاشى، ليحلَّ محلَّهُ شعورٌ بالتعاونِ والتكاتف.
خلالَ هذهِ الفترة، كانَ لقاءُ "بدر" و"ليلى" يتكررُ باستمرار. كانا يقضيانِ ساعاتٍ في التخطيطِ والعمل. في كلِّ مرةٍ يلتقيانِ فيها، كانتْ مشاعرهما تنمو وتتعمق. كانَ "بدر" يرى في "ليلى" شريكةَ روح، فتاةً لا تُشبهُ أيَّ فتاةٍ عرفها. كانتْ تمتلكُ ذكاءً حادًا، قلبًا رحيمًا، وروحًا مُبدعة. أما "ليلى"، فقد وجدتْ في "بدر" الرجلَ الذي لطالما حلمتْ به. رجلٌ يُحاربُ من أجلِ الحق، ويُعطي الأملَ لمنْ حولهُ، ويُدافعُ عن قيمِ الخيرِ والبساطة.
ذاتَ مساءٍ، بعدَ أن انتهيا من تصميمِ إحدى الملصقات، كانا يجلسانِ تحتَ ضوءِ القمرِ المتسللِ عبرَ أزقةِ السوق.
"أنا سعيدةٌ جدًا يا بدر. أشعرُ بأننا نفعلُ شيئًا مهمًا." قالتْ "ليلى" بصدق.
"بفضلكِ، يا ليلى. أنتِ منْ أعدتِ إليَّ الأمل. أنتِ كالشمسِ التي تُضيءُ دروبي." قالَ "بدر" وهو ينظرُ إلى وجهها المُضيء.
"وأنتَ كالقمرِ الذي يُنيرُ ليالي. أنتَ تُلهمني بالكثير." أجابتْ "ليلى" وهي تشعرُ بأنَّ قلبها يفيضُ بالحب.
نظرا إلى بعضهما البعضِ لبرهة. كانَ الصمتُ بينهما يحملُ الكثير. كانَ صمتًا مُشبعًا بالمشاعرِ الرقيقة، بالكلماتِ التي لم تُقال، وبالوعودِ التي لم تُصاغ.
"ليلى..." بدأَ "بدر" بصوتٍ مُرتعش. "أنا... لا أعرفُ كيفَ أقولُها. ولكنّي أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ينمو بيننا. شيئًا جميلًا."
"وأنا أيضًا أشعرُ بذلك، بدر." قالتْ "ليلى" وهي تُخفضُ بصرها بخجل.
"هل... هل تسمحينَ لي بأنْ أخطو خطوةً نحو هذا الشعور؟ أنْ أخطبَ يدكِ رسميًا، لأسألها عنْ مستقبلٍ نبنيهِ سويًا؟" سألَ "بدر" بجرأةٍ مفاجئة، ولكنَّ قلبهُ كانَ ينبضُ بعنف.
لم تتوقعْ "ليلى" هذا السؤالَ بهذهِ السرعة، ولكنَّها لم تشعرْ بأيِّ تردد. لقد عرفتْ قلبَ "بدر" جيدًا، وعرفَ قلبُها أنهُ ملكٌ له.
"نعم، بدر. أسمحُ لكَ. نعم، أريدُ أن أخطوَ هذهِ الخطوةَ معك." قالتْ "ليلى" بابتسامةٍ تُزهرُ على وجهها.
احتضنَ "بدر" "ليلى" بلطفٍ وعميق. كانَ احتضانًا بريئًا، مليئًا بالاحترامِ والسعادة. شعرتْ "ليلى" بأنَّها في عالمٍ آخر، عالمٍ جميلٍ ومُضيء.
ولكنْ، في تلكَ اللحظةِ عينها، بينما كانتْ الفرحةُ تملأُ قلوبهما، ظهرَ "سليم العبدلي" في نهايةِ الزقاق، وكانَ يُراقبُ المشهدَ بنظرةٍ باردة. لم يكنْ سعيدًا بما يراه. كانَ يرى في هذا المهرجانِ تهديدًا لمخططاته، ويرى في حبِّ "بدر" و"ليلى" عقبةً يجبُ التغلبُ عليها.
"يبدو أنَّ الأمورَ تسيرُ بشكلٍ مُختلفٍ عما خططتُ له." تمتمَ "سليم" لنفسهِ بضيق. "ولكنْ، ليسَ بعد. لم تنتهِ اللعبةُ بعد."
كانَ صوتُ "سليم" بمثابةِ الهمسِ المُزعجِ في أذنِ "بدر" و"ليلى"، يُذكرهمْ بأنَّ الطريقَ لم يكنْ مفروشًا بالورودِ فقط.