الصديق المضحك الجزء الثاني

وهج الغواية

بقلم وليد المرح

كانت سماء الرياض تتوشح بلون الغروب الأرجواني، وقد ألقت بأشعتها الذهبية على واجهات المباني الشاهقة، لتنسج قصصًا صامتة عن يوم مضى. في شقة "سالم"، كان الصمت ثقيلًا، يخترقه صوت أنفاسه المتسارعة. كان يجلس في مكتبه، محاطًا بأوراق العمل المتناثرة، والعينان زائغتان، تحملان براءة قد شابها قلق عميق. كان "سالم"، الشاب العشريني الذي وهبه الله ذكاءً لامعًا وطموحًا جامحًا، يعيش صراعًا داخليًا قد يهدد كل ما بناه.

لم يكن الأمر مجرد ضغط عمل، ولا إرهاق مؤقت. كان شيئًا أعمق، شرارة بدأت تنمو لتصبح نارًا تأكله من الداخل. كانت "لعبة الحظ" تلك، تلك المنصة الإلكترونية التي وُصفت له كمتنفس من ضغوط الحياة، قد تحولت إلى قيود أشد وطأة. في البداية، كانت مجرد تسلية، بعض النقود الإضافية تعوضه عن أيام الدراسة الطويلة. لكن سرعان ما تحول الأمر إلى روتين، ثم إلى ضرورة.

تذكر كلماته الأولى لـ "نورا"، خطيبته، تلك الفتاة التي تجسدت فيها كل صفات الحياء والصلاح. همس لها يومًا: "حبيبتي، وجدت طريقة بسيطة لزيادة مدخولنا، لنجعل مستقبلنا أكثر أمانًا". كانت نورا، بعينيها الواسعتين الصادقتين، قد ابتسمت له ابتسامة مطمئنة، وقالت: "أنا أثق بك يا سالم، وأعلم أنك ستفعل ما هو خير لنا". كيف كانت لتصدق أن خلف تلك الابتسامة، كانت تتسلل خيوط الوهم، وأن وراء تلك الكلمات البريئة، كان يتجذر مرض خفي؟

الآن، وبينما يحدق في شاشة الحاسوب المضيئة، تتراقص أمام عينيه أرقام لم يعد يفهم دلالاتها الحقيقية. الأرباح والخسائر، المكاسب والنكسات، كلها تحولت إلى مجرد إثارة، إلى شعور زائف بالقوة والسيطرة. لم يعد الأمر متعلقًا بالمال بقدر ما هو متعلق بالانتصار، باللحظة التي يضغط فيها على الزر، وتأتي النتيجة كما يريد. ولكن الحقيقة كانت أشد قسوة: لم يكن هو المسيطر، بل كانت هي التي تسيطر عليه.

استدعى في ذهنه وجه والده، الرجل الصامت الوقور، الذي بنى سمعته على الأمانة والاجتهاد. كان دائمًا يقول له: "المال الحلال يبارك الله فيه، أما ما يأتي بسهولة، فيذهب كذلك وأكثر". كانت كلمات الأب ترن في أذنيه، لكن وهاج الغواية كان أقوى. كلما حاول الابتعاد، كلما وجد نفسه ينجذب إليها مجددًا، كالفراشة التي تنجذب إلى النار.

نادى على نفسه بصوت مرتجف: "سالم! ما الذي تفعله بنفسك؟" كانت كلماته تائهة في صمت الغرفة، وكأنها تلقي بظلالها على كل ركن. بدأت الأوهام تتسلل إلى عقله. ماذا لو خسر كل شيء؟ ماذا لو لم يستطع شراء منزل الزوجية الذي وعد به نورا؟ ماذا لو خذل والده؟ كانت تلك الأفكار كالسياط، تلسعه وتدفعه إلى مزيد من الانغماس، عله يجد في "اللعبة" الحل.

ثم جاءت المكالمة. صوت "طارق"، صديقه المقرب، يكسر حاجز الصمت. طارق، الشاب المرح، دائم الضحك، الذي لطالما كان سندًا لسالم في الأوقات الصعبة. "كيف حالك يا أبا يوسف؟ هل أنت مستعد لتلك الصفقة الجديدة؟ يقولون إنها ستغير حياتنا للأفضل!"

كان سالم يتردد. كيف له أن يشرح لطارق ما يعيشه؟ كيف له أن يعترف بأنه أسير لعادة قد تدمره؟ قال بصوت خافت: "لا أدري يا طارق. أشعر ببعض الإرهاق اليوم."

ضحك طارق: "إرهاق؟ يا صديقي، أنت تحتاج فقط إلى قليل من الإثارة! تعال، لنذهب ونجرب حظنا، لنسلي أنفسنا قليلًا. لقد استثمرت مبلغًا جيدًا، وأنا واثق أننا سنخرج بأرباح تغطي ديونك الجديدة."

ديون جديدة! كانت الكلمة كالصاعقة. كيف عرف طارق؟ هل كان يراقبه؟ هل انتشر خبر إدمانه؟ بدأ الخوف يساوره. "ديون؟ أي ديون يا طارق؟"

توقف طارق قليلًا، بدا وكأنه يعدل من نبرة صوته: "لا تقلق يا سالم. إنها مجرد رهانات بسيطة، يمكن تعويضها بسرعة. المهم الآن هو أن نستعيد قوتنا، أن نثبت لأنفسنا أننا قادرون على النجاح. ألا تتذكر كيف كنا نخطط لمستقبلنا؟ كيف سنبني عائلاتنا ونصبح رجال أعمال ناجحين؟"

كان طارق بارعًا في استدرار العواطف، في زرع بذور الأمل المشوبة بالكذب. كانت كلمات طارق أشبه بالسم السائل، يصب في أذن سالم، يطفئ صوت ضميره، ويزيد من لهيب رغبته في "الفوز".

"حسناً يا طارق. سآتي. لكن دعنا نحدد مبلغًا صغيرًا، ولن نبالغ." قال سالم، والصوت يخرج منه بصعوبة، كأن لسان حاله يصرخ: "لا تفعل هذا!"

خلع سالم قميصه، وبدأ يرتدي ملابسه. كان يشعر ببرودة غريبة تسري في عروقه، رغم حرارة الغرفة. نظر إلى صورته في المرآة، فإذا به يرى وجهًا شاحبًا، وعينين غائرتين، تحملان مزيجًا من التحدي واليأس. كانت هذه هي بداية النهاية، أم نهاية البداية؟ كان يعلم أنه يسير نحو المجهول، لكن وهج الغواية كان قد أعمى بصيرته، وجعل الطريق يبدو كمنقذ لا كمهلك.

في تلك اللحظة، شعر بوجود نورا في المكان، وكأن روحها الطيبة تراقبه، تهمس له بالتحذير. كان يعرف أن كل لحظة يقضيها في هذا الوحل، هي لحظة يبتعد فيها عن عالمها النقي، عن مستقبله الذي لطالما حلم به. لكن لم يكن لديه القوة الكافية لرفض دعوة طارق، لم يكن لديه القوة الكافية لمواجهة نفسه. كان الإدمان قد استولى على روحه، وسحبه إلى أعماق لم يكن يتخيلها.

لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستكون بداية تحول أكبر، وأن الأوراق التي ستتطاير من مكتبه، ليست مجرد أوراق عمل، بل هي قطع من أحلامه تتناثر مع كل رهان جديد. كان يظن أنه يلعب، بينما كان هو الملعب، واللعبة كانت تتلاعب به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%