الصديق المضحك الجزء الثاني

شفرة الخسارة

بقلم وليد المرح

كانت شاشة الحاسوب تعكس وهجًا قاتمًا على وجه "سالم"، وهو يحدق في الأرقام المتراقصة. كان الهواء في الغرفة مشبعًا بالتوتر، والرائحة الخفيفة للعرق تختلط بعبق القهوة الباردة. لم يكن الأمر مجرد لعبة، بل كان سباقًا مع الزمن، وسباقًا ضد نفسه. كل نقرة، كل صفقة، كانت تزيد من حدة الصراع الداخلي.

"فقط جولة أخرى،" همس سالم لنفسه، وكأنها تعويذة سحرية ستنجيه من الغرق. كان قد فقد مبلغًا كبيرًا في جولات سابقة، مبلغًا كان مخصصًا لتجهيز شقة الزوجية. كان ذلك يمثل له كابوسًا يطارد أحلامه. كيف سيواجه نورا؟ كيف سيواجه والده؟

كان "طارق" يتابعه عن كثب، يجلس بجانبه، يدخن سيجارته بتأنٍ، ويصدر ضحكات خافتة بين الحين والآخر. لم يكن طارق يراهن كثيرًا، بل كان يستمتع بمشاهدة سالم وهو يغرق. كان يستمتع بقوته الظاهرية، وبالتأثير الذي يملكه عليه.

"اهدأ يا سالم،" قال طارق بنبرة متهكمة، "إنها مجرد أرقام. استجمع تركيزك، ستربحها بالتأكيد. تذكر أيام الجامعة، عندما كنا نتسابق على كل شيء، وكنت دائمًا تفوز."

كان طارق يتقن فن استدعاء الماضي، وتذكير سالم بأمجاده المزعومة. كان يعلم أن سالم يحمل في داخله شعورًا بالدونية، وأن هذه اللعبة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالقوة والفوقية.

"أنا أحاول يا طارق. لكن الأمور لا تسير كما أريد." قال سالم، والصوت بالكاد يخرج منه.

"الأمر لا يتعلق بما تريد، يا صديقي. الأمر يتعلق بمن يستطيع أن يتحمل الضغط. أنت لديك الإمكانيات، ولكن أعصابك تلعب بك. دعني أريك شيئًا."

فتح طارق هاتفه، وبدأ يعرض على سالم مقاطع فيديو لأشخاص يدّعون أنهم خبراء في "اللعبة". كانوا يتحدثون عن استراتيجيات، عن نقاط ضعف في النظام، وعن "أسرار" لا يعرفها إلا قلة. كان سالم يتابع بتركيز، وكأنها الوصفة السحرية للخلاص.

"هل هذا صحيح يا طارق؟ هل هذه الأسرار حقيقية؟" سأل سالم بلهفة.

"بالطبع يا رجل! هؤلاء هم أصحاب الخبرة. إنهم لا يكشفون عن كل شيء، لكن ما يقولونه كافٍ ليفتح عينيك. المشكلة لديك، أنك تلعب بعواطفك. يجب أن تلعب بالعقل. أن تكون باردًا، وأن تعرف متى تنسحب، ومتى تزيد الرهان."

بدأت كلمات طارق تتغلغل في عقل سالم. كان يرى فيها مخرجًا من ورطته. بدأ يصدق أن المشكلة في طريقته في اللعب، وليس في اللعبة نفسها. بدأ يشعر بأن هناك "علمًا" وراء هذه اللعبة، علمًا يمكنه إتقانه.

"لكن... ما يقترحونه يتطلب مبلغًا كبيرًا. لدي مبلغ محدود الآن." قال سالم بتردد.

ضحك طارق: "وهنا تكمن القوة يا سالم! يجب أن تكون جريئًا. تذكر كل ما قلته لك عن أهدافنا. شقة، سيارة، مستقبل مشرق. كل هذا يتطلب جرأة. هل تريد أن تبقى عالقًا في مكانك؟"

كان طارق يضرب على وتر حساس. طموح سالم، ورغبته في إثبات نفسه، كانت هي الوقود الذي يشعل نار إدمانه.

"حسناً. سأحاول. ربما أحتاج إلى بعض المال الإضافي." قال سالم، والصوت خافت.

"هذا هو الكلام! لا تقلق، أعرف شخصًا يمكن أن يساعدك. لكن يجب أن تكون حريصًا. هذه الأمور سرية."

في تلك اللحظة، شعر سالم ببرد قارس في قلبه. لم يعد الأمر مجرد إدمان، بل أصبح ديونًا، و"شخصًا" يساعده على الدخول في عالم الظلام. أدرك أنه فقد السيطرة تمامًا.

بدأ سالم يلعب بطريقة مختلفة. كان يحاول تطبيق "الاستراتيجيات" التي سمعها من طارق. كان يضاعف رهانه بعد كل خسارة، ويعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة ما فقده. كانت النتيجة وخيمة. كلما زاد من رهانه، زادت خسارته.

كانت أرقام حساباته تتناقص بشكل مخيف. كان يشعر بأن العالم ينهار من حوله، وأن كل ما بناه مهدد بالسقوط. بدأ يتصبب عرقًا غزيرًا، وارتجفت يداه.

"لقد خسرت كل شيء، يا طارق!" صرخ سالم بصوت يملؤه اليأس. "لقد خسرت كل شيء!"

نظر طارق إليه ببرود. "لا تيأس يا سالم. هذه مجرد بداية. هناك دائمًا فرصة أخرى. ولكن... أنت تحتاج إلى مبلغ أكبر الآن، لتستعيد كل ما خسرته."

أخذ سالم نفسًا عميقًا. كان يشعر وكأنه يسقط في بئر لا قاع له. كان شبح ماضي وليد، خاله، يطوف أمام عينيه. هل كان هو نفسه يسير في نفس الطريق؟

"لا أستطيع. لقد استنفدت كل ما لدي." قال سالم، والصوت يكاد لا يُسمع.

"لا تقل هذا. هناك دائمًا حل. فقط يجب أن تكون قويًا." قال طارق، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. "هل تذكر الذهب الذي ورثته عن جدتك؟"

تجمد سالم في مكانه. الذهب! كان ذلك الذهب هو كل ما تبقى له من جدته، كنز عائلي، رمزه الأخير للحب والوفاء. لم يكن يجرؤ على التفكير في التفريط فيه.

"لا يا طارق! مستحيل! هذا ذهب جدتي!" صرخ سالم، وقلبه يخفق بعنف.

"فكر يا سالم. هذه هي فرصتك الأخيرة. إما أن تستعيد كل شيء، أو أن تخسر كل شيء، بما في ذلك سمعتك. هل تريد أن تعيش حياتك كلها تحت وطأة الديون؟"

كان طارق يمارس أقصى درجات الضغط النفسي. كان يعرف نقاط ضعف سالم، وكان يستغلها ببراعة.

"أنا... أنا لا أدري ماذا أفعل." تمتم سالم، وقد غلبه اليأس.

"إذا كنت تريد أن تعرف ماذا تفعل، فافعل ما أقول لك. أحضر الذهب. الرهان الأخير، إما أن نصبح أغنياء، أو أن نعود إلى الصفر. لكن في حالتنا، سنعود إلى الصفر... معك، ومع كل ما تملكه."

كانت كلماته سهمًا يخترق قلب سالم. كان يعلم أن طارق ماكر، ولكنه كان يائسًا. كان يشعر بأنه في مفترق طرق، وأن أحد الطريقين سيؤدي به إلى الدمار.

"سأفكر في الأمر." قال سالم، وهو يحاول استجماع قواه.

غادر طارق، تاركًا سالم وحيدًا مع أفكاره المظلمة. كان ينظر إلى شاشة الحاسوب، والأرقام التي كانت تبدو له يومًا ما أملًا، أصبحت الآن سجنًا. كان يدرك أن هذه اللعبة لم تكن مجرد وهج، بل كانت شفرة خسارة، شفرة بدأت تكتب نهايته.

نور القمر الذي تسلل من النافذة، ألقى بظلاله على وجه سالم الشاحب. كان يعلم أن قراره سيكون حاسمًا، وأن اختيار الذهب سيكون بداية النهاية، أو نهاية مؤلمة لبداية جديدة. لكن الرغبة في استعادة ما فقده، والخوف من مواجهة نورا ووالده، كانا أقوى من كل صوت عقل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%