الصديق المضحك الجزء الثاني

ثمن الأوهام

بقلم وليد المرح

في غمرة صراع سالم الداخلي، في ليلته التي لم تنم فيها عين، كان القرار يتجذر في أعماقه كسم بطيء. لم يكن الأمر مجرد خسارة مالية، بل كان تداعيًا لكل ما يؤمن به. كان الذهب الذي ورثه عن جدته، قطعة من تاريخ عائلته، رمزًا لدموعها، وضحكاتها، وحياتها البسيطة المليئة بالبركة. كان تفريطه فيه بمثابة تدنيس لذكرى غالية، وخيانة لأمانة لم يعد قادرًا على حفظها.

في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد ارتفعت، لكن سماء الرياض كانت رمادية، كأنها تشارك سالم حزنه. ارتدى سالم ملابسه، وكان يشعر بثقل لا يوصف. كان عليه أن يواجه طارق، وأن يتخذ القرار النهائي.

عندما وصل إلى المقهى الذي اعتادوا اللقاء فيه، كان طارق ينتظره، يجلس على طاولة في الزاوية، يرتشف قهوته بابتسامة عريضة. بدت الابتسامة وكأنها تخفي وراءها شيئًا ما، شيئًا أعمق من مجرد صداقة.

"صباح الخير يا صديقي!" نادى طارق، وحاول أن يخفي ما في عينيه من ترقب. "هل اتخذت قرارك؟"

كان سالم مترددًا. نظر حوله، وكأن كل الأنظار مسلطة عليه. كان يشعر بالخجل، وبالذنب، وبالخوف. "طارق... أنا لا أعتقد أنني أستطيع. هذا الذهب... إنه كل ما تبقى لي."

ظهرت خيبة أمل سريعة على وجه طارق، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "يا سالم، أنا أعرف أن الأمر صعب. ولكن انظر إلى صورتك. هل أنت راضٍ عن هذا الوضع؟ هل تريد أن ترى نورا حزينة؟ هل تريد أن ترى والدك يائسًا؟ هذه فرصتك الوحيدة."

كان طارق بارعًا في توجيه الضربة القاضية. كان يستغل أضعف نقاط سالم، ويحولها إلى وقود لإدمانه.

"ولكن... ماذا لو خسرت؟" سأل سالم بصوت مرتعش.

"لن تخسر. إذا لعبنا بالطريقة الصحيحة. أنا سأوجهك. فقط ثق بي." قال طارق، وكأنها كلمة السر.

بعد صراع طويل، استسلم سالم. لم يعد لديه القوة لمقاومة إغراء "استعادة" ما فقده، والخوف من مواجهة العواقب. ذهب إلى المنزل، وبحذر، فتح الصندوق القديم الذي كانت جدته تحتفظ فيه بمجوهراتها. كانت الأساور الذهبية، والعقد الجميل، تتلألأ تحت الضوء الخافت. كانت تحمل عبق الماضي، ورائحة حب جدته.

"أنا آسف يا جدتي." همس سالم، والدموع تنهمر على وجهه.

أخذ الذهب، وبيدين مرتعشتين، وضعه في حقيبة صغيرة. كان يشعر وكأن قلبه قد انكسر.

عاد سالم إلى المقهى، وقدم الذهب لطارق. "هذا كل شيء."

نظر طارق إلى الذهب، وارتسمت على وجهه ابتسامة نصر. "هذا هو يا سالم! الآن سنريك كيف تلعب اللعبة. انسَ الماضي، ركز على المستقبل."

بدأت "اللعبة" الحقيقية. وضع طارق الذهب كضمان، وبدأ يراهن بمبالغ ضخمة. كان سالم يتابعه، وقلبه يخفق بشدة. كان يشعر ببرودة قاتلة تسري في عروقه.

في البداية، بدت الأمور تسير على ما يرام. حقق طارق بعض المكاسب، وبدأت الأرقام في الارتفاع. شعر سالم ببارقة أمل. ربما لم يكن كل شيء ضائعًا.

لكن سرعان ما تغيرت الأمور. بدأت الخسائر تتوالى. كانت كل خسارة بمثابة ضربة قوية، تزيد من يأس سالم. كان يشعر بأن طارق قد خانه، وأن هذه "الاستراتيجيات" لم تكن سوى وهم.

"ماذا يحدث يا طارق؟" سأل سالم بصوت يملؤه الذعر.

"لا تقلق، هذه تقلبات طبيعية. المهم هو أن نستمر." قال طارق، وبدا عليه بعض التوتر.

لكن سالم لم يعد يصدق. رأى في عين طارق شيئًا لم يره من قبل. لم يكن مجرد صديق، بل كان مفترسًا.

"لقد أخذت كل شيء يا طارق!" صرخ سالم، والدموع تنهمر على وجهه. "لقد أخذت ذهب جدتي، وأخذت مستقبلي!"

نظر طارق إليه ببرود، ثم قال: "منذ البداية، كنت أعلم أن هذه الألعاب مدمرة. ولكنني رأيت فيك شيئًا... ضعفًا. ولم أستطع أن أقاوم. ربما لم تكن أنت الضحية الوحيدة، يا سالم."

كانت كلماته كالصاعقة. شعر سالم وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته. لم يكن يتوقع أن يعترف طارق بما فعله.

"لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟" سأل سالم بصوت متكسر.

"لأنني كنت مثلك في يوم من الأيام. ثم وجدت هذه الطريقة لأنتقم من العالم. والآن... أنت جزء من قصتي." قال طارق، وكأنها نهاية مفجعة.

خرج سالم من المقهى، وكأن روحه قد انتزعت منه. كان يشعر بالبرد، وبالوحدة، وبالانهيار التام. لم يعد لديه شيء. لا مال، لا ذهب، لا مستقبل.

عندما عاد إلى المنزل، وجد والده يجلس في الصالة، ينتظره. كانت عيناه تحملان حزنًا عميقًا، وكأنه يعلم بما حدث.

"أين ذهب الذهب يا سالم؟" سأل عبد الرحمن بهدوء، ولكن صوته كان يحمل قوة صامتة.

نظر سالم إلى والده، ولم يستطع الكلام. كانت الدموع تنهمر على وجهه، وكان يشعر بالعجز التام.

"لقد... لقد خسرته كله يا أبي." قال سالم بصوت بالكاد يُسمع. "لقد خسرته كله."

ساد الصمت في الغرفة. كان الصمت أبلغ من أي كلمة. كان يعبر عن خيبة الأمل، والحزن، والندم.

في تلك اللحظة، شعر سالم بثقل الدنيا كله على كتفيه. لقد دفع ثمن أوهامه، وثمن إدمانه، وثمن ثقته في الشخص الخطأ. لقد أدرك أنه لم يعد سالم الذي عرفه والده، ولا سالم الذي وعد نورا بمستقبل مشرق. لقد أصبح شخصًا آخر، شخصًا تائهًا في ظلمات الندم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%