يوم سعيد الجزء الثالث

العصفور الذي اختلس الضحكة

بقلم وليد المرح

كان الهواء ثقيلاً، محملاً برائحة التراب الندية بعد مطر غادر. الشمس، وإن كانت خجولة خلف غطاء من السحب المتفرقة، كانت قد بدأت في مد خيوطها الذهبية على أسطح البيوت القديمة في حي "الياسمين". في هذا الصباح الذي بدا تقليدياً لأهالي الحي، كان "عادل" يتسلق جداراً شاهقاً، لا طلباً للقوت ولا بحثاً عن كنز، بل في مهمة غريبة الأطوار، مهمة أصبحت روتينه الممتع، وإن كان محفوفاً بالمخاطر.

قفز ببراعة من أعلى الجدار إلى الشرفة الخلفية لبيت الشيخ "فياض"، شيخ الحي المعروف بحكمته وصلابته، وشخصيته التي لا تعرف المزاح. كان عادل، ذو الثلاثين ربيعاً، يعمل في مكتب الشيخ مستشاراً صغيراً، لكنه في الخفاء كان "العصفور"، وهو لقب أطلقه على نفسه، لمهارته في التسلل والتنقل خلسة. لم يكن عادلاً سارقاً، بل كان سارقاً للضحكات. نعم، سارقاً للضحكات، بتعريف غريب يخصه وحده.

كانت مهمته اليوم هي استعادة "ضحكة" الجدة "سارة"، أرملة الشيخ فياض، التي افتقدها أهل البيت منذ أسابيع. الجدة سارة، التي كانت حياتها دوماً مليئة بالحيوية والتفاؤل، بدت كزهرة ذابلة. تدهورت حالتها النفسية عقب وفاة قطتها "لوزة"، التي كانت رفيقتها الوحيدة. لم تفقد الجدة سارة قطتها فحسب، بل فقدت معها جزءاً من روحها، ابتسامتها، وضحكتها المعدية.

فتح عادل النافذة ببطء، متجنباً أي صوت قد ينبه الحراس. كانت الغرفة هادئة، الإضاءة خافتة. رأى الجدة سارة جالسة في كرسيها الوثير، تحدق في الفراغ، وعلى وجهها علامات حزن عميق. بجانبها، كانت صورة صغيرة للقطة لوزة، موضوعة بعناية على طاولة صغيرة.

همس عادل لنفسه: "ها هي المهمة الصعبة. كيف أعيد بسمة لشفتين فقدتا معناها؟"

لم يكن عادل مجرد موظف عادي. كان يمتلك موهبة فريدة في ملاحظة التفاصيل الصغيرة، وفهم دوافع الناس. كان يرى في الحزن فراغاً، وفي الضحك عملاً فنياً. وكان يعتقد أن لكل شخص في هذا الحي، وفي هذا العالم، "ضحكة" خاصة به، تتفرد بها روحه، وتختفي أحياناً بسبب ظروف الحياة. مهمته كانت استعادتها، مهما كان الثمن.

أخرج من جيبه صندوقاً صغيراً مزخرفاً. بداخله، لم يكن هناك شيء مادي، بل كان يحمل "ذكريات". كان عادل قد قضى أياماً في مراقبة الجدة سارة، يستمع إلى قصصها، يتحدث مع حفيدتها "ليلى" التي كانت تشاركه همها. استقى من ليلى معلومات عن الأيام الجميلة التي قضتها جدتها مع قطتها.

فتح عادل صندوق الذكريات. بدأ يتذكر. كان الشيخ فياض قد وصف له مهمته بأنه "إعادة إحياء روح"، وأن استعادة ضحكة الجدة سارة هي بداية لإعادة إحياء الفرح في هذا البيت الذي غلّفه الحزن.

اقترب عادل من النافذة، وأخرج من الصندوق شيئاً قماشياً صغيراً، محشوّاً بالقطن، على شكل فأر. لكن هذا الفأر لم يكن عادياً. كان عادل قد نسجه بنفسه، وخيط فيه خيطاً رفيعاً من خيوط القلوب، متذكراً كيف كانت لوزة تهرب بالفئران المحشوة التي كانت الجدة تصنعها لها.

وضعه على طاولة بجوار صورة لوزة. ثم، مد يده إلى الكمبيوتر اللوحي الصغير الذي كان يحمله. لم يكن لديه كاميرا مراقبة، بل كان يملك جهازاً خاصاً طوره بنفسه، اسمه "منبه الروح". كان هذا الجهاز يلتقط اهتزازات المشاعر، ويحولها إلى موجات صوتية خفيفة، غير مسموعة للأذن البشرية، لكنها قادرة على التأثير في الحالة النفسية.

بدأ بتشغيل تسجيل قصير. كان صوت ضحكات الجدة سارة القديمة، التي جمعها سراً من تسجيلات قديمة وجدها في علب ذكريات قديمة للبيت. صوتها وهي تلعب مع لوزة، وهي تحكي قصصاً مضحكة، وهي تتلقى مفاجأة من أحفادها. كانت هذه الضحكات، وإن كانت مسجلة، تحمل طاقة إيجابية هائلة.

مع بداية تشغيل التسجيل، بدا كأن الهواء في الغرفة قد تحرك. شعر عادل بارتفاع طفيف في درجة حرارة الغرفة. لم يكن الأمر مجرد خيال. كان "منبه الروح" يعمل.

بدأت الجدة سارة، التي كانت غارقة في حزنها، برفع رأسها ببطء. عيناها، اللتان كانتا تحدقان في الفراغ، بدأتا تتحركان نحو طاولة لوزة. رأت الفأر القماشي. في البداية، لم تعره اهتماماً، ثم، وكأنها تذكرت شيئاً، رفعت يدها المرتعشة ولمسته.

فجأة، انبعث صوت غريب من داخل الفأر. لم يكن صوتاً عادياً. كان أشبه بـ "مواء" خافت، ثم "خرخرة" لطيفة. عادل، ببراعته، قد زرع داخل الفأر جهازاً صغيراً يصدر أصواتاً تحاكي أصوات القطط، لكنها بصوت ناعم جداً، لا يزعج.

ذهلت الجدة سارة. لمعت عيناها ببريق خافت. أمسكت بالفأر، ثم نظرت إلى صورة لوزة. بدت وكأنها تتحدث إلى الصورة: "هل أنتِ هنا يا لوزة؟ هل أتيتِ لتلعبي معي؟"

استمر التسجيل الصوتي للضحكات القديمة. بدأت الجدة تتذكر. انحنت قليلاً، أمسكت بالفأر، وحاولت أن تحركه. لم تكن تدرك أنها تفعل ما كانت تفعله مع قطتها.

وبينما كانت تفعل ذلك، أخرج عادل من جيبه ورقة صغيرة، عليها عبارة كتبها بخط جميل: "الضحكات لا تموت، بل تنتظر من يعيد إيقاظها".

وضع الورقة برفق على الطاولة، بالقرب من الفأر.

عند هذه النقطة، بدأ التأثير الأكبر. الموجات الصوتية الصادرة من "منبه الروح" بدأت تتفاعل مع ذكريات الجدة. رأى عادل، من خلال نافذة الغرفة، علامات اهتزاز طفيفة في وجه الجدة. ثم، بدأت شفتاها ترتعشان.

ثم، خرجت منها.

ضحكة.

لم تكن ضحكة عالية، بل كانت همساً خافتاً، يشبه حفيف الأوراق في الريح. لكنها كانت ضحكة. كانت عودة.

اتسعت عينا عادل. لم يكن متأكداً مما إذا كان ما يراه حقيقياً. لم يكن سارقاً تقليدياً. كان مبدعاً. كان صانعاً للفرح.

سارعت الجدة سارة، وهي تمسك بالفأر، نحو نافذة الغرفة. فتحتها. نظرت إلى الخارج. لم تر أحداً. لكنها شعرت بوجود.

"شكراً لكِ يا لوزة..." همست، وابتسامة خجولة ارتسمت على وجهها.

وقف عادل خلف الجدار، قلبه يخفق بشدة. رأى الأمل يعود إلى عين الجدة. رأى الشرارة تعود إلى روحها. لقد نجح.

عاد عادل إلى مخبئه السري، في علية منزل قديم. كان مكان العمل هذا، المليء بالأدوات الغريبة، والخرائط، والملفات، هو عالمه الخاص. كان المكان الذي يخطط فيه لمغامراته.

نظر إلى "يوم سعيد الجزء الثالث" مطبوعة على غلاف دفتر ملاحظاته. كان هذا الجزء الثالث من مغامراته، وهو الجزء الذي قرر فيه أن يكرس جهوده لإعادة الضحكات المفقودة في حي الياسمين.

فكر في الجدة سارة، وفي ضحكتها التي استعادها. شعر برضا عميق. لكنه كان يعلم أن هذه مجرد البداية. ففي حي الياسمين، هناك الكثير من الأرواح التي تحتاج إلى استعادة ضحكاتها.

وهناك أيضاً "أسرار". أسرار قديمة، وأسرار جديدة، تنتظر من يكشفها.

ثم، سمع صوتاً. صوت طرق خافت على الباب.

"من هناك؟" سأل عادل، وعيناه تضيقان.

لم يرد أحد.

عاد الصوت مرة أخرى. هذه المرة، كان أقوى.

"يا عادل! افتح الباب! أعرف أنك بالداخل!"

كان الصوت مألوفاً. صوت "نور"، ابنة عم الشيخ فياض، وصديقة طفولته. نور، الفتاة الذكية والشجاعة، التي كانت تعرف عن أسرار عادل أكثر مما كان يتخيل.

تساءل عادل في قرارة نفسه: "هل عرفت نور بمهمتي؟ هل جاءت لتوبخني؟ أم جاءت لتساعدني؟"

كان يوماً سعيداً، بالتأكيد. لكنه كان أيضاً يوماً مليئاً بالتشويق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%