يوم سعيد الجزء الثالث
ضجيج الشكوك وهمسات الأمل
بقلم وليد المرح
اجتمعت العائلة كعادتها في ساحة المنزل الواسعة، تتناثر بين ظلال أشجار الليمون المورقة، ورائحة الياسمين الفواحة تعبق الأجواء. كانت الشمس بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة توحي بسكون المساء الذي لطالما اعتادوا فيه تبادل الأحاديث والأخبار. لكن هذا المساء، كان هناك شيء مختلف يلف الأجواء. لم يكن مجرد سكون، بل كان سكوناً مشوباً بتوتر خفي، كأن الأرض تحت أقدامهم تترقب هزة أرضية قادمة.
كان العم إبراهيم، شيخ العائلة وجوهرتها، قد دعاهم جميعاً. جلست جدة فاطمة، بوقارها المعهود، تحت ظل الأرجوحة القديمة التي شهدت أجيالاً من ضحكات أحفادها. بجانبها، كان عبد الرحمن، الابن الأكبر، يدير بفنجان قهوته ببطء، وعيناه تتبعان حركة الغبار المتصاعد من قدم طفلة تلعب بعيداً. أما ليلى، ابنة العم إبراهيم الوحيدة، فكانت تجلس في طرف الجلسة، تنظر إلى حديقة المنزل بشغف، تحاول استيعاب المشهد الذي يحيط بها.
بدأ العم إبراهيم كلامه بعبارة دافئة، لطالما كانت مفتاح كل نقاش عائلي: "يا أبنائي، ويا أحفادي، جئتكم اليوم بقلب يشوبه بعض الهم، ولكن أيضاً بفسحة واسعة من الأمل. لا شك أنكم لاحظتم الأيام الأخيرة، وما فيها من أحاديث متفرقة، وشبهات بدأت تتسلل كأنها ثعابين الظلام بين أركان بيتنا العامر."
صمت للحظة، ثم استأنف بنبرة حانية: "نعلم جميعاً أن أمراً مهماً يلوح في الأفق، يخص مستقبل أحد أفراد أسرتنا. ولكن، ومنذ زمن، وخاصة مع تزايد المسؤوليات، بدأنا نفقد بعض الوضوح في مساراتنا. سمعت كلاماً، ورأيت إشارات، أشعر أنني لا بد أن أضع حداً لهذا اللغط، وأن نعود إلى صوابنا."
كان الجميع ينصتون بانتباه بالغ. كان العم إبراهيم معروفاً بحكمته وهدوئه، ولم يسبق له أن أثار قلقاً دون سبب.
تكلم عبد الرحمن، بلهجته الهادئة والصادقة: "يا عمي، نحن معك في كل ما تقوله. نحن أبناؤك، نسمع منك، ونطيع أمرك. إن كان هناك ما يزعجك، فلك الحق الكامل في أن تبوح به."
أومأ العم إبراهيم برأسه، وشكر له وفاءه. ثم نظر إلى ليلى، التي كانت تبدو وكأنها تراقب تعابير وجهه بشدة. "أما أنتِ يا ليلى، فقد سمعتِ من همسات، ورأيتِ من أحداث، ربما أكثر من غيرك. أعرف أنكِ ذات قلب طيب، وعقل راجح، وأنكِ تحبين هذه العائلة أكثر من أي شيء."
تورد وجه ليلى قليلاً، لكنها حافظت على رباطة جأشها. "يا عمي، أنا أسمع وأرى، وأتمنى أن أكون دائماً في خدمة مصلحة عائلتنا. إن كان هناك أمر، ففضل أن توضح لنا."
تنهد العم إبراهيم تنهيدة عميقة، وكأنها تحمل ثقل سنين. "الأمر يتعلق بالزواج. زواج مبارك، نسعى جميعاً لتحقيقه. ولكن، هناك بعض التعقيدات التي لا أستطيع تجاهلها. الأمر يتعلق بالمال، وبالتقدير، وبالشروط. لقد جاءت عائلة السيد وليد، وأبدت رغبتها الطيبة في الارتباط بابنتنا الغالية، سلمى."
ذكر اسم سلمى، وكأنها الشعلة التي أضاءت المكان. كانت سلمى، الفتاة الجميلة الهادئة، التي تتميز بأخلاقها العالية وروحها المرحة. الجميع كان يحبها، وكان زواجها حلماً يراود قلب كل فرد في العائلة.
"ولكن،" تابع العم إبراهيم، "سمعت همسات عن بعض الشروط التي تضعها عائلة وليد. شروط فيها شيء من المبالغة، فيها شيء من التمييز، فيها شيء من عدم المساواة. سمعت أنهم يطلبون مهراً أكثر مما هو معتاد، وأنهم يصرون على بعض الترتيبات التي تبدو وكأنها تقلل من قيمة عائلتنا. وهذا ما لا أستطيع قبوله."
شعرت ليلى بقلبها يخفق بقوة. كانت تعلم ببعض ما يدور، لكنها لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد. كانت تحاول جاهدة أن تفصل بين ما تراه وبين ما تسمعه، وأن تحكم عقلها في كل شيء.
"يا عمي،" قالت ليلى بحذر، "ربما تكون هذه مجرد أقاويل. أحياناً، تكون الشائعات أسرع وأكثر تأثيراً من الحقائق. ألا ترى أننا يجب أن نتحدث مع السيد وليد نفسه، أو مع والدته، لنفهم الأمور بشكل مباشر؟"
ابتسم العم إبراهيم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الإعجاب بجرأة ليلى. "أحسنتِ يا ابنتي، هذا هو عين العقل. ولكن، قبل أن نتحدث، أريد أن أضعكم جميعاً في الصورة. أنا أخشى أن يكون هناك شيء خلف هذه المطالب. أخشى أن تكون هناك محاولة، عن قصد أو عن غير قصد، لتقليل من شأننا. وهذا، يا أبنائي، ما لا أرضاه لأي فرد في هذه العائلة."
نظرت جدة فاطمة إلى العم إبراهيم بعينين تفيضان بالحنان والألم. "يا أبا أحمد، إنما الزواج رباط مقدس، لا يجب أن تتسلل إليه الأطماع. سلمى ابنتنا، ومن حقها أن تتزوج رجلاً يحترمها ويقدرها. وبقدر ما نحبها، لا يمكننا أن نبيعها لغير أهلها."
استمرت النقاشات، وتداخلت الهمسات مع الأصوات المرتفعة. كان عبد الرحمن يحاول تهدئة الوضع، مذكراً بأهمية الحفاظ على العلاقات الطيبة. بينما كان بعض أفراد العائلة الآخرين يعبرون عن غضبهم واستيائهم من التصرفات المنسوبة لعائلة وليد.
شعرت ليلى بأنها عالقة في دوامة من المشاعر المتضاربة. كانت ترى في زواج سلمى فرصة سعيدة، فرصة لبداية حياة جديدة. لكنها كانت أيضاً ترى في ردود فعل البعض استياءً غير مبرر، ربما كان سببه الغيرة أو الحسد. كانت تعلم أن السيدة زهرة، والدة وليد، امرأة ذات أصول طيبة، ولكنها كانت أيضاً قوية الشخصية.
"يا عمي،" قالت ليلى بصوت أشد قوة، "إن كانت عائلة وليد قد بادرت بالخطبة، فهذا يعني أنها ترى في سلمى ما لا يرونه في غيرها. إن كانت هناك مطالب، فربما هي تعبر عن تقديرهم، وعن رغبتهم في تقديم الأفضل. دعونا نمنحهم فرصة، دعونا نثق في حسن نيتهم، حتى يثبت لنا العكس."
رمقها العم إبراهيم بنظرة حادة، لكنها لم تكن نظرة غضب، بل نظرة فحص. "حسن النية، يا ليلى، شعار جميل. ولكن، أحياناً، خلف حسن النية، يكمن خبث غير متوقع. سأعطي الأمر بعض الوقت. سأحاول أن أتواصل مع بعض الأصدقاء الموثوقين في عائلة السيد وليد، لأعرف منهم ما يدور حقاً. وفي هذه الأثناء، أريد منكم جميعاً أن تتخلوا عن كل ما هو سلبي، وأن تفكروا في مصلحة سلمى أولاً وأخيراً."
ارتفعت الشمس قليلاً، وبدأت السماء تتوشح بوشاح الشفق. عادت العائلة إلى منازلها، تحمل كل منها همومها وأفكارها. أما ليلى، فكانت تشعر بأن ثقل العالم قد ألقي على كتفيها. كانت تعلم أن هذا الصراع الخفي، وبين الشكوك والأمل، سيؤدي إلى شيء ما. شيء قد يغير مسار حياتهم جميعاً. تساءلت في نفسها: هل كانت حقاً مجرد شائعات؟ أم أن هناك حقيقة مرة تكمن خلف هذه المظاهر؟