يوم سعيد الجزء الثالث
لقاءٌ مشوّق ومفاجآتٌ مدبّرة
بقلم وليد المرح
تزايدت حدة الترقب في بيت العم إبراهيم. كانت السيدة زهرة، والدة وليد، قد وافقت على لقاء رسمي مع العائلة، لتحديد موعد الخطبة بشكل نهائي. اختارت العائلة أن يكون اللقاء في منزلهم، ليعكسوا فيه أصالة وكرم ضيافتهم العربية. تم ترتيب الاستقبال بأفضل صورة، وزين المنزل بالزهور العطرة، وأعدت وليمة فاخرة تعبر عن تقديرهم للضيوف.
دخلت السيدة زهرة ومعها ابنها وليد، وبدت عليها علامات الهدوء والثقة. كانت امرأة في منتصف العمر، أنيقة المظهر، وعيناها تحملان ذكاءً حاداً. رحب بها العم إبراهيم بحرارة، وقام بتقديم أفراد العائلة لها. كانت ليلى تراقب كل شيء بانتباه، تحاول أن تقرأ ما يدور في ذهن السيدة زهرة.
بعد تبادل التحيات الأولية، والجلوس حول طاولة الضيافة، بدأ العم إبراهيم بالحديث عن تفاصيل الخطبة. "نحن سعداء جداً بهذه الخطوة المباركة، ونشكركم على حسن تقديركم لابنتنا سلمى. نتمنى أن يكون هذا الزواج بداية لسعادة دائمة لكلا العائلتين."
ابتسمت السيدة زهرة ابتسامة رقيقة، وقالت بصوت ناعم: "ونحن أيضاً، يا سيدي. إن سلمى فتاة رائعة، نرى فيها كل الصفات التي نتمنى أن تكون في زوجة وليد. ولكن، كما تعلمون، الزواج ليس مجرد ارتباط شخصي، بل هو اندماج عائلتين. ونحن، كعائلتين، يجب أن نتأكد من أننا على نفس الموجة، وأننا قادرون على دعم بعضنا البعض."
بدأ العم إبراهيم يشعر بأن النقاش يأخذ منحى مختلفاً عن ما كان يتوقعه. "بالطبع، هذا ما نتمناه. نحن نؤمن بأهمية التعاون والتفاهم بين العائلات."
"بالضبط،" قالت السيدة زهرة، وهي تدير نظرها نحو سلمى التي كانت تجلس بهدوء، وقد شحب وجهها قليلاً. "ولهذا السبب، أود أن أطرح بعض النقاط التي رأيت أنها ضرورية لضمان مستقبل سعيد لابنتنا سلمى وابننا وليد."
نظرت ليلى إلى سلمى، ولاحظت أنها كانت تمسك بيدها بشدة. شعرت ليلى بأن شيئاً ما سيحدث.
"نحن نؤمن بأن المرأة، في ظل زواج ناجح، يجب أن تكون قادرة على المساهمة في استقرار الأسرة، وأن تكون داعمة لزوجها. ولهذا، رأيت أن نتفق على بعض الأمور المتعلقة بمستقبل سلمى المهني."
"مستقبل سلمى المهني؟" سأل العم إبراهيم، وعلامات الدهشة على وجهه. "سلمى فتاة مجتهدة، ولها طموحاتها. نحن ندعمها في كل ما تقوم به."
"ونحن نقدر ذلك،" قالت السيدة زهرة، وهي تخاطب سلمى مباشرة الآن. "ولكن، يا سلمى، هل أنتِ مستعدة للتخلي عن بعض طموحاتك المهنية من أجل بيتك؟ هل أنتِ مستعدة لأن يكون لكِ دور أكبر في شؤون الأسرة، وأن تقللي من انخراطك في العمل؟"
شحب وجه سلمى أكثر. كانت تتوقع شيئاً كهذا، ولكنها لم تكن مستعدة لمواجهته بهذه الطريقة المباشرة. رفعت رأسها، ونظرت إلى والدتها، ثم إلى العم إبراهيم.
"يا والدتي،" قالت سلمى بصوت مرتعش قليلاً، "أنا أحب عملي، وأرى فيه جزءاً من هويتي. ولكني أيضاً أؤمن بالأسرة، وأرى أنني قادرة على التوفيق بين الأمرين."
"ولكن، يا ابنتي،" قالت السيدة زهرة بصوت أكثر حزماً، "زواجك من وليد يعني أن تكوني جزءاً من عائلة لها مسؤولياتها. وليد رجل أعمال ناجح، ونحن نعتمد عليه. سيكون دوركِ، كزوجة له، أن تدعميه، وأن تكوني له السند. وهذا يتطلب منكِ وقتاً وجهداً لا يمكن أن توفريهما للعمل."
تدخل العم عبد الرحمن، بصوته الهادئ: "سيدتي زهرة، نحن نحترم وجهة نظرك، ولكننا نؤمن بأن كل شخص لديه اختياراته. سلمى فتاة واعية، وقادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها. إن كانت ترغب في الاستمرار في عملها، فنحن ندعمها، وإن كانت ترغب في تغيير مسارها، فنحن ندعمها أيضاً. الأمر يعود لها."
نظرت السيدة زهرة إلى العم عبد الرحمن بنظرة تحمل شيئاً من عدم الرضا. "إنها مسألة تقدير، وليست مسألة حرية شخصية فقط. الزواج الناجح يتطلب تضحيات. ونحن نريد أن نتأكد أن سلمى مستعدة لهذه التضحيات."
شعرت ليلى بالاستياء يتصاعد في داخلها. كانت ترى في كلام السيدة زهرة نوعاً من الإكراه، ونوعاً من محاولة فرض القيود على سلمى. "يا سيدة زهرة،" قالت ليلى، مخاطبة إياها مباشرة، "إن كنتم تبحثون عن زوجة لابنكم، فقد وجدتم فتاة ذات قلب طيب، وروح محبة. ولكن، لا يمكنكم أن تطلبوا منها أن تتخلى عن أحلامها وطموحاتها. الحب الحقيقي يدعم، ولا يقيد."
نظرت السيدة زهرة إلى ليلى بحدة، ثم عادت بنظرها إلى العم إبراهيم. "يبدو أن هناك بعض الاختلاف في وجهات النظر. ولكن، بالنسبة لي، هذا الأمر ضروري. إذا كانت سلمى غير مستعدة لتقليل انخراطها في عملها، فإنني أرى أن هذا الزواج قد لا يكون ناجحاً على المدى الطويل."
صمت العم إبراهيم للحظة، وهو يزن كلماته بعناية. "سيدتي زهرة، نحن نقدر اهتمامكم بمستقبل سلمى، ولكن لا يمكننا أن نملي عليها ما يجب أن تفعله. سلمى جزء منا، وقراراتها هي قراراتنا. إذا كانت هناك شروط بهذا الشكل، فإننا نحتاج إلى وقت للتفكير."
شعر وليد، الذي كان صامتاً طوال الوقت، ببعض الارتباك. نظر إلى والدته، ثم إلى سلمى. "أمي، أعتقد أننا يمكننا التوصل إلى حل وسط. سلمى تحب عملها، وأنا أحترم ذلك. يمكننا أن نجد طريقة لتدعم بعضنا البعض، دون أن نضطر للتخلي عن أحلامنا."
نظرت السيدة زهرة إلى ابنها بنظرة تحمل شيئاً من الاستغراب، ثم قالت: "أنا أفعل هذا من أجلكم، يا وليد. أريد أن أضمن لك حياة مستقرة وسعيدة."
"وأنا متأكد أن سلمى ستكون زوجة رائعة، بغض النظر عن عملها،" قال وليد، وهو ينظر إلى سلمى بعطف.
كانت ليلى تشعر بأن الوضع يزداد تعقيداً. لم تكن تتوقع أن تكون هذه هي العقبة. كانت تتوقع مشاكل مالية، أو اجتماعية، ولكن ليس أمراً يتعلق بحقوق المرأة في الاختيار.
"سيدتي زهرة،" قالت ليلى، وهي تحاول أن تهدئ من حدة الموقف، "ربما يمكننا أن نترك هذا الأمر لسلمى ولوليد ليقررا بأنفسهما؟ إن كان هناك حب وتفاهم، فسيجدان حتماً طريقة للتوفيق."
نظرت السيدة زهرة إلى ليلى نظرة طويلة، وكأنها تقيمها. "أنا أقدر اقتراحك، ولكنني أريد أن أكون صريحة. أنا لا أريد لابني أن يتزوج من امرأة لا تستطيع أن تخصص وقتاً كافياً لبيتها وأسرتها. هذه هي شروطي. وإن لم تكن سلمى مستعدة، فلن يتم هذا الزواج."
شعرت ليلى بأن الأرض تدور بها. لقد كانت هذه نقطة اللا عودة. إما أن تخضع سلمى لطلبات السيدة زهرة، أو أن يضيع هذا الزواج.
انتهى اللقاء بجو متوتر. ودعت العائلتان بعضهما البعض ببرود، وبقيت ليلى والعائلة في حالة من الصدمة. كانت سلمى تبكي بصمت، ولا تعرف ماذا تفعل.
"يا ليلى،" قالت سلمى لوالدتها، بصوت مكسور، "أنا لا أعرف ماذا أفعل. أنا أحب وليد، وأريد أن أتزوجه. ولكني لا أستطيع أن أتخلى عن عملي. إنه جزء مني."
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالت ليلى، وهي تحتضنها، "سنجد حلاً. يجب أن تجدي حلاً."
نظرت ليلى إلى العم إبراهيم، الذي كان يبدو متعباً جداً. "يا عمي، هذا وضع صعب. يبدو أن السيدة زهرة تفرض شروطاً لا يمكن قبولها."
"نعم، يا ابنتي،" قال العم إبراهيم، وهو ينظر إلى سلمى بحنان، "ولكننا يجب أن نحترم رغبتها. سلمى لها الحق في أن تقرر ما يناسبها. يجب أن نمنحها المساحة لتقرر، وأن ندعمها مهما كان قرارها."
بقيت ليلى تلك الليلة تفكر في هذه المشكلة. كانت ترى في السيدة زهرة امرأة قوية، ولكنها كانت ترى أيضاً في سلمى فتاة ذات شخصية مستقلة. تساءلت: هل يمكن للحب أن يتغلب على هذه الشروط التعسفية؟ أم أن هذه الشروط هي نذير بأن هذا الزواج لن يكون سعيداً؟