يوم سعيد الجزء الثالث
نبوءة العجوز ووشاية الغائب
بقلم وليد المرح
كانت السماء فوق قصر آل الزهيري تمطر بغزارة، قطرات ماء تتساقط على أغصان الياسمين المرتعشة، وترسم لوحة حزينة تعكس ما يعتمل في صدور أهل القصر. في الداخل، كانت الأضواء خافتة، ترحم العيون من قسوة النهار، لكنها لم تستطع أن تخفت وهج القلق الذي انتشر كالنار في الهشيم. مجلس العائلة، الذي كان عادةً ما يعج بالضحكات وهمسات الأحاديث الدافئة، أصبح الآن مسرحاً للصمت الثقيل والكلمات المقتضبة.
جلست السيدة فاطمة، أمينة البيت وسيدة القصر، وقد بدا عليها الإرهاق والوهن. عيناها واسعتان، تتابعان كل حركة وكل تعبير على وجوه أحبائها، كأنها تبحث عن خيط أمل في نسيج التشاؤم. بجانبها، جلس الشيخ عبد الرحمن، رب الأسرة، وقد اختفت ملامح الهدوء المعهودة عن وجهه، واستبدلت بتجاعيد عميقة تعبر عن عاصفة داخلية. ابنه الأكبر، المهندس خالد، كان يقف عند النافذة، يراقب المطر وكأنما يود أن يغسل به غبار الهموم المتراكمة. ابنته الصغرى، ليلى، كانت تحتضن نفسها، وقد تجمعت الدموع في عينيها، لكنها كانت تحاول جاهدة أن تتماسك أمام الجميع.
لم تكن الأزمة مجرد أزمة مالية، بل كانت أزمة ثقة، أزمة سمعة، كادت أن تدمر كل ما بناه آل الزهيري عبر أجيال. وشاية غامضة، اتهامات مبطنة، كلها صبت على رأس المهندس خالد، المالك الجديد لشركته التي كان يحلم بها. تلك الشركة التي كادت أن تكون جنة له، أصبحت الآن برزخاً بين المجد والفشل.
فجأة، دخلت خادمة العائلة، أمينة، وهي تحمل صينية بها كوب من الشاي الساخن للسيدة فاطمة. لكنها توقفت عند مدخل المجلس، ووجهها شاحب، وقالت بصوت مرتعش: "سيدي، هناك ضيف بالباب، لم أتعرف عليه، ويصر على مقابلتكم حالاً."
التفت الجميع نحوها، رفع الشيخ عبد الرحمن حاجبه، وقال بصوت حازم: "من هو؟ وما اسمه؟"
"لا يعرف باسم، سيدي، لكنه يرتدي ملابس غريبة، ويحمل حقيبة قديمة. يقول إنه جاء من بعيد."
تداولت النظرات بين أفراد العائلة. في مثل هذه الظروف، كان أي زائر غير متوقع مدعاة للقلق. لكن الشيخ عبد الرحمن، الذي طالما آمن بأن الأرزاق والابتلاءات تأتي من عند الله، أشار بيده وقال: "أدخليه يا أمينة. لا نرد سائلاً أو ضيفاً."
بعد لحظات، دخل رجل عجوز، ملابسه بالية ولكنها نظيفة، ولحيته البيضاء الطويلة تصل إلى صدره. في عينيه بريق غريب، مزيج من الحكمة القديمة والحزن العميق. لم يكن يحمل معه شيئاً سوى تلك الحقيبة الجلدية البالية، التي بدت وكأنها تحمل أسراراً لا حصر لها.
جلس العجوز في المكان الذي أشار إليه الشيخ عبد الرحمن، وهو يلقي نظرة فاحصة على وجوه الحاضرين. لم يتكلم، بل كان يصمت، وكأنه يقرأ ما تخفيه القلوب.
بعد صمت طويل، كسر الشيخ عبد الرحمن الحاجز قائلاً: "تفضل يا سيدي. ما الذي أتى بك إلينا في هذه الليلة الممطرة؟"
ابتسم العجوز ابتسامة خافتة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل صدى قوياً: "جئت لأذكركم بأمور قد غفلتم عنها، ولأحمل بشارة قد تنسونها."
نظرت السيدة فاطمة إلى العجوز باستغراب، وقالت: "بشارة؟ ونحن في أمس الحاجة إليها."
"كل بيت فيه خير، فيه نور، وإن غطاه دخان الأزمة. أعرف ما أصابكم، وأعرف مصدر هذا البلاء."
اشتعلت شرارة فضول في قلوب الجميع. المهندس خالد اقترب خطوة، وسأل بلهفة: "تُعرف مصدر البلاء؟ من هو؟"
أغمض العجوز عينيه لبرهة، ثم فتحهما ونظر إلى خالد مباشرة: "البلاء ليس من خارجكم، بل من داخلكم. من يدٍ كنتم تظنونها وفية، ومن لسان كنتم تظنونه صادقاً."
ارتعش جسد المهندس خالد. لم يكن هناك سوى شخص واحد كان يثير لديه هذا الشك العميق: مدير مكتبه القديم، السيد جمال، الذي غادر الشركة فجأة قبل أسابيع، مدعياً أسباباً شخصية.
"هل تقصد السيد جمال؟" سأل خالد بتردد.
أومأ العجوز برأسه: "إنه من سعى لإشعال الفتنة. استغل ثقتك، وحوّل طيبتك إلى ضعف. لم يكن مجرد موظف، بل كان عين الحاقدين، وسهمهم المسموم."
انفجرت السيدة فاطمة في بكاء خافت، بينما شد الشيخ عبد الرحمن قبضته، وكأنما أراد أن يكسر حاجز الصمت بيده.
"ولكن كيف عرفت؟ ومن أنت؟" سأل الشيخ عبد الرحمن.
"أنا؟ أنا لا اسم لي يذكر. أنا مجرد نذير، أتحرك حيث تهب رياح الظلم. رأيت الظل الأسود يلف قصركم، وسمعت همسات الخيانة. وقد رأيت أيضاً في عينيك يا بني (مشيراً إلى خالد) إصراراً على الحق، وعزيمة على النهوض."
ثم رفع العجوز الحقيبة الجلدية البالية، وفتحها ببطء. لم تكن مليئة بالأوراق أو النقود، بل كانت تحتوي على مجموعة من المخطوطات القديمة، واللفائف الموشومة برموز غريبة.
"هذه ليست مجرد أوراق." قال العجوز. "هذه سجلات، شواهد. والدليل الذي سيكشف زيف الاتهامات، ويفضح كذب الوشاة."
مد العجوز يده نحو خالد، وقدم له مخطوطة قديمة، مرصعة بأحجار كريمة باهتة. "في هذه المخطوطة، توجد أدلة دامغة تثبت براءة شركة آل الزهيري، وتفضح مؤامرة السيد جمال. لقد جمعت هذه الأدلة، وحافظت عليها، حتى يأتي الوقت المناسب لكشفها."
أخذ خالد المخطوطة بيد مرتعشة. كانت الأوراق صفراء، وخطها قديم، لكنه شعر بأن بين يديه كنزا. "ولكن كيف يمكننا قراءة هذه الكتابات؟"
"لا تقلق." قال العجوز. "هذه اللغة قريبة من جذور لغتكم. وهناك في هذه المدينة، شخص يستطيع أن يقرأها. شخص يعرف أسرار الماضي، ويرفض أن تداس الحقوق."
ثم تناول العجوز لفافة أخرى، وكتب عليها بيده خطاً عربياً جميلاً: "قابلوا خبير الأثر والتاريخ، الأستاذ الدكتور إبراهيم الغانم، في مكتبه بالجامعة القديمة. قولوا له إن العجوز الباحث عن الحق قد أرسلكم."
ثم أغلق الحقيبة، وقف بهدوء. "لقد أديت واجبي. النور دائماً أقوى من الظلام، والصبر هو مفتاح الفرج. تذكروا، الشجرة العظيمة ينمو من تحتها الكثير من العشب الصغير."
خرج العجوز بنفس الهدوء الذي دخل به، تاركاً وراءه عاصفة من الأسئلة، وخيطاً رفيعاً من الأمل. لم يكن لديهم سوى هذه المخطوطة، واسم رجل غريب، ودليل قاطع على مؤامرة كانت على وشك أن تطيح بهم.
نظر الشيخ عبد الرحمن إلى ولده خالد، وقال بصوت يملؤه الأمل والحزم: "هذه هي فرصتنا يا بني. لا تتركها تفوت. سنستعيد مجد عائلتنا، وسنثبت للعالم أن آل الزهيري لا ينهزمون."
أومأ خالد برأسه، وقد امتزجت في عينيه الدموع والعزيمة. لم يعد الأمر يتعلق بالمال فقط، بل بالشرف، بالسمعة، ببراءة رجل يحبه.
في تلك الليلة، لم ينم أحد في قصر آل الزهيري. كانت الغيوم قد انقشعت قليلاً، وبدأت النجوم تطل من خلفها، كأنها تمنحهم وعداً بغدٍ أفضل. لكن رحلة استعادة الحق لم تكن قد بدأت بعد، وكان الطريق لا يزال طويلاً، محفوفاً بالمخاطر، ومليئاً بالمفاجآت.