يوم سعيد الجزء الثالث
بوصلة الماضي في متاهة الحاضر
بقلم وليد المرح
في صباح اليوم التالي، بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تنساب عبر نوافذ قصر آل الزهيري، ملقية بظلال متراقصة على السجاد العجمي الفاخر، كان قصر آل الزهيري يعج بنشاط مغاير. لم تعد الأجواء المثقلة بالهم، بل تبدلت بحركة سريعة، وإصرار لا يلين.
حمل المهندس خالد المخطوطة الثمينة بين يديه، وبدت وكأنها أثقل من وزنها الحقيقي، تحمل ثقل التاريخ، وثقل المستقبل. نظر إلى والده، الشيخ عبد الرحمن، الذي كان يقف بجانبه، وقد ارتسمت على وجهه علامات الترقب والقلق، ولكنه كان يمنح ابنه قوة لا توصف.
"سأتجه إلى الجامعة فوراً يا أبي." قال خالد بصوت ثابت. "الوقت ثمين، ولا يمكننا الانتظار."
"كن حذراً يا بني." رد الشيخ عبد الرحمن. "تذكر أن العدو قد يكون أقرب مما تظن، وأن كشف الحق قد يجلب معه المزيد من المتاعب. لكن ثق بالله، وبقوة الحق الذي تحمله."
ابتسم خالد ابتسامة خفيفة، متذكراً كلمة العجوز: "النور دائماً أقوى من الظلام."
ارتدى خالد معطفه، وغادر القصر، تاركاً وراءه دعوات أمه الصادقة، ونظرات والده الحازمة. كان الهواء لا يزال يحمل بقايا رطوبة المطر، لكنه كان منتعشاً، وكأنه يغسل معه غبار الأمس.
كانت الجامعة القديمة، بمبانيها الحجرية العريقة، وشرفاتها المزينة بالنقوش الأندلسية، تحمل عبق التاريخ. بين أروقتها، عاشت أجيال من العلماء والباحثين. وصل خالد إلى مكتب الأستاذ الدكتور إبراهيم الغانم، وكان يحمل في قلبه مزيجاً من الأمل والرهبة.
قادته أمينة، إحدى الطالبات المتطوعات للمساعدة، إلى مكتب الأستاذ. كان المكتب أشبه بكهف أثري، مليئاً بالكتب القديمة، والقطع الأثرية، والمخطوطات التي تفوح منها رائحة الماضي. في قلب هذا العالم، جلس رجل في منتصف العمر، ذو لحية رمادية أنيقة، ونظارة طبية تجعل عينيه تبدوان أعمق وأكثر حكمة. كان الأستاذ الدكتور إبراهيم الغانم.
"صباح الخير." قال الدكتور إبراهيم بابتسامة دافئة. "تفضل بالجلوس. كيف يمكنني مساعدتك؟"
قدم خالد نفسه، وشرح له سبب زيارته. مد يده بالمخطوطة، ووضعها بحذر على المكتب. "لقد أرسلني رجل عجوز، لم يعرفني باسمه، لكنه قال إنك الوحيد القادر على قراءة هذه الكتابات. وأنها قد تكون مفتاحاً لحل مشكلتي."
نظر الدكتور إبراهيم إلى المخطوطة بعين الخبير. تناولت يداه المخطوطة بلطف، كما لو كان يتعامل مع طفل رضيع. بدأت عيناه تتفحصان الصفحات، والرموز، ثم ظهرت على وجهه علامات الدهشة والإعجاب.
"هذه ليست مجرد مخطوطة." قال الدكتور إبراهيم بصوت هامس، وكأنه يتحدث إلى نفسه. "هذه قطع أثرية نادرة. لغة قديمة جداً، لم يعثر لها الكثيرون على ترجمة. ولكن... أين وجدت هذه؟"
شرح خالد قصة العجوز، وكيف جاء إلى قصرهم، وكيف ترك لهم هذه المخطوطة كدليل. استمع الدكتور إبراهيم بانتباه شديد، ثم هز رأسه.
"العجوز الذي تتحدث عنه... قد يكون لديه معرفة عميقة بالتاريخ والآثار. هذه المخطوطات تحتوي على وثائق تجارية قديمة، تتحدث عن صفقات كبيرة، وعقود شراكة. وبعضها يبدو أنه يشير إلى تلاعبات قديمة، وتزوير في سجلات. إذا كانت هذه الوثائق تتعلق بقضيتك، فإنها بالفعل قد تكون مفتاح الحل."
عمل الدكتور إبراهيم بحماس. وبمساعدة أمينة، بدأ في فك رموز اللغة القديمة، ومقارنتها بالسجلات الحديثة. مرت ساعات طويلة، امتلأت بتركيز عميق، وأصوات تقليب الصفحات، وهمسات الترجمة.
خلال هذا الوقت، لم يكن المهندس خالد يقف مكتوف الأيدي. في الشركة، كان الأجواء مشحونة. الاتهامات تزايدت، والضغوط أصبحت لا تطاق. كان زملاؤه الذين وثق بهم، والذين كانوا يرون فيه قدوة، يبتعدون عنه تدريجياً، ويشكون في نزاهته.
عاد خالد إلى الشركة، فوجد أمام مكتبه السيد جمال، مدير مكتبه السابق. كان وجهه يبتسم ابتسامة زائفة، وعيناه تلمعان بالكبرياء.
"أهلاً بك يا مهندس خالد." قال جمال بصوت فيه شيء من السخرية. "سمعت عن المشاكل التي تواجهها. أردت أن أطمئن عليك. هل تحتاج إلى مساعدة؟"
شعر خالد بالاشمئزاز. "لا أحتاج إلى مساعدتك يا سيد جمال. لقد كنت السبب في هذه المشاكل."
ضحك جمال بصوت عالٍ، وبدأ في التحرك نحو الباب. "لا أعرف ما الذي تتحدث عنه. أنا مجرد موظف سابق، لا علاقة لي بما يحدث الآن."
"لقد اتهمتني بالسرقة والتلاعب." قال خالد بحزم. "وهذا ليس صحيحاً. أنا أعرف أنك من فعل ذلك."
"أنت تتوهم يا مهندس خالد." قال جمال وهو يفتح الباب. "ربما تحتاج إلى بعض الراحة. فكر ملياً في كل شيء، قبل أن تتهم الناس ظلماً. وإلا، ستجد نفسك وحيداً."
أغلق جمال الباب خلفه، تاركاً خالد في حالة غضب شديد. لكن الغضب لم يكن الحل. كان بحاجة إلى دليل، إلى حقيقة قاطعة.
عاد خالد إلى الجامعة، وهو يحمل معه تقريراً سريعاً عن لقائه بجمال. وجد الدكتور إبراهيم لا يزال منهمكاً في العمل، وقد اصطحب معه زميلاً له، خبيراً في علم الخطوط.
"لقد توصلنا إلى شيء مهم يا مهندس خالد." قال الدكتور إبراهيم وهو ينهض من كرسيه. "هذه المخطوطة تتحدث عن صفقة قديمة جداً، تمت قبل عقود. وقد وجدنا فيها بعض التفاصيل التي تتعلق بملكية الأرض التي تقوم عليها شركتك حالياً. ويبدو أن هناك تلاعباً في سجلات قديمة، وحقوقاً تم تجاهلها."
"وما علاقة هذا بجمال؟" سأل خالد.
"في الحقيقة، هذا التلاعب تم في الماضي. ولكن... يبدو أن هناك شخصاً ما لديه علم بهذا التلاعب، وقد استغله لإشعال الأزمة الحالية. لقد وجدنا في إحدى الوثائق، توقيعاً مشابهاً لتوقيع السيد جمال، في وثيقة تتحدث عن تزوير شهادات ملكية."
صُدم خالد. لم يكن يتوقع أن يكون جمال قد تورط في تلاعبات قديمة، واستغلها لصالحه. "هل أنت متأكد؟"
"التوقيعات متشابهة جداً. ومع استعانة الدكتور بشير (زميله الخبير)، تأكدنا أن هناك تشابهاً قوياً، يكاد يكون مطابقاً. هذا التلاعب قديم، ولكن جمال استغل معرفته به، وقام بتزوير بعض الوثائق الحديثة، وربطها بالسجلات القديمة، لكي يجعل اتهاماته ضدك تبدو منطقية."
رفع خالد يده إلى رأسه. كانت كل شيء يبدو وكأنه يتكشف أمامه. المؤامرة كانت أكبر مما تخيل. كان جمال لا يعمل بمفرده، بل كان يسعى لإسقاط شركة آل الزهيري، وربما أكثر من ذلك.
"ولكن، ما هو الغرض من كل هذا؟" سأل خالد.
"يبدو أن هناك جهة ما تسعى للسيطرة على هذه الأرض، أو ربما على الشركة نفسها. وقد استخدم جمال لتحقيق هذا الهدف. المخطوطة القديمة تحتوي على تفاصيل تتعلق بملكية الأرض، وعقود شراكة قديمة. يبدو أن جمال قد حصل على نسخة من هذه الوثائق، أو تعلم عن محتواها، واستغلها لصالحه."
شعر خالد بمسؤولية ثقيلة تلقي على عاتقه. لم يكن الأمر يتعلق فقط ببراءته، بل ببراءة عائلته، وبمستقبل شركته، وبسمعة آل الزهيري.
"إذاً، ماذا علينا أن نفعل الآن؟" سأل خالد.
"يجب أن نوثق كل شيء." قال الدكتور إبراهيم. "يجب أن نحصل على ترجمة كاملة للمخطوطات، ونقارنها بالسجلات الحديثة. ونجمع كل الأدلة التي تثبت تلاعب جمال. وعندها، نستطيع أن نقدمها للجهات المختصة."
ارتسمت على وجه خالد نظرة تصميم. لقد وجد بوصلته في متاهة الحاضر. الآن، كل ما يحتاجه هو جمع قطع اللغز، وتقديم الحقيقة للجميع. لكنه كان يعلم أن جمال لن يستسلم بسهولة، وأن هناك قوى أخرى قد تكون وراء هذه المؤامرة.