يوم سعيد الجزء الثالث
وثائق السراب ووجه الأفعى
بقلم وليد المرح
في تلك الأيام، تحولت حياة المهندس خالد إلى سباق محموم مع الزمن، ومع الخيانة. في كل صباح، كان يذهب إلى مكتب الدكتور إبراهيم الغانم، باحثاً عن المزيد من الأدلة، والمزيد من الأجوبة. وفي كل مساء، كان يعود إلى الشركة، محاولاً أن يحافظ على هدوء ظاهري، بينما تتزايد الضغوط عليه من كل حدب وصوب.
كانت السيدة فاطمة، والدته، تتابع تطورات الأمور بقلق بالغ. في كل مرة يلتقي بها، كانت تدعو له، وتقول له: "يا بني، تذكر دائماً قول الله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). ثق بالله، وكن قوياً."
لم تكن والدته الوحيدة التي تدعمه. كانت أخته ليلى، رغم صغر سنها، تظهر حكمة تفوق عمرها. كانت تبحث له عن قصص الأنبياء والصالحين الذين تعرضوا للابتلاءات، وتقرأ له آيات القرآن التي تتحدث عن الصبر والفرج.
"يا أخي،" قالت له ذات يوم، وهي تحتضن كتاباً صغيراً من الأدعية. "إن الله لا ينسى عباده. وإن كان هناك من يحاول إيذاءنا، فإن الله سبحانه وتعالى هو خير الماكرين. فقط استمر في البحث عن الحق."
في مكتب الدكتور إبراهيم، كانت الأمور تتقدم بوتيرة متسارعة. الترجمة للمخطوطات القديمة كانت تكشف عن تفاصيل مروعة. لم يكن الأمر يتعلق بتلاعب بسيط في السجلات، بل بمؤامرة قديمة هدفت إلى الاستيلاء على أراضي آل الزهيري، التي كانت تمتد على مساحات شاسعة، والتي كانت تحتوي على كنوز دفينة، وآثار لا تقدر بثمن.
"لقد اكتشفنا أن هذه الأراضي كانت ملكاً لقبيلة عربية أصيلة، تعرضت للظلم والتشريد منذ قرون." شرح الدكتور إبراهيم لخالد، وهو يشير إلى وثيقة بالخط العربي القديم. "ثم تم الاستيلاء عليها بطرق ملتوية، وتناقلت ملكيتها عبر أجيال، مع وجود وثائق مزورة. والسيد جمال، يبدو أنه وجد إحدى النسخ الأصلية لهذه المخطوطات، أو ربما تعلم عن وجودها، وقرر استغلالها لصالحه."
"ولكن، ما هو الدافع الحقيقي لجمال؟" سأل خالد. "هل هو المال فقط؟"
"المال هو جزء من الصورة، ولكنه ليس كلها." أجاب الدكتور إبراهيم. "هناك أطراف أخرى تسعى للسيطرة على هذه الأراضي، ليس فقط لقيمتها المادية، بل لقيمتها التاريخية والأثرية. يبدو أن جمال قد حصل على وعد بالحماية، أو ربما بجزء من الأرباح، مقابل مساعدتهم في تزوير المستندات الحديثة، وتقديم شهادات زائفة."
زاد هذا الاكتشاف من قلق خالد. كانت المؤامرة أعمق وأكثر خطورة مما كان يتخيل. كان جمال مجرد أداة في يد قوة أكبر.
في الشركة، كانت الأمور تسير نحو الأسوأ. بدأت البنوك تطالب بتسديد الديون، والموردون يرفضون التعامل مع الشركة. بدأ الموظفون يتحدثون بصوت منخفض، وينظرون إلى خالد بعين الشك.
في أحد الأيام، وبينما كان خالد في مكتبه، يتفحص بعض التقارير المالية، دخل عليه أحد الموظفين المقربين منه، واسمه أحمد، وكان وجهه شاحباً.
"يا مهندس خالد،" قال أحمد بصوت متوتر. "هناك رجل غريب، جاء إلى الشركة. يسأل عنك، ويقول إنه لديه معلومات مهمة تخص قضيتك."
لم يكن خالد يرغب في رؤية أي شخص غريب في هذا الوقت. لكن أحمد أضاف: "قال لي إنه يعرف عن المخطوطة القديمة، وعن اسم الدكتور إبراهيم الغانم."
هذه المعلومة أثارت فضول خالد. كيف يمكن لشخص غريب أن يعرف عن المخطوطة وعن الدكتور إبراهيم؟ هل يمكن أن يكون هذا الشخص قد جاء لمساعدته؟ أم أنه مجرد فخ آخر؟
"أين هو الآن؟" سأل خالد.
"في غرفة الاجتماعات الصغيرة. يبدو أنه لا يريد لفت الانتباه."
ذهب خالد إلى غرفة الاجتماعات، وهو يشعر بتيار من القلق والفضول. وجد رجلاً في الأربعينيات من عمره، يرتدي ملابس أنيقة، ولكنه بدا متعباً. في عينيه نظرة حذرة، وكأنه يحمل سراً كبيراً.
"تفضل بالجلوس." قال خالد. "أخبرني، من أنت، وكيف عرفت عن المخطوطة؟"
"اسمي سمير." قال الرجل. "وأنا... لقد كنت شاهداً على جزء من هذه المؤامرة. أعرف من هو السيد جمال، ومن هي الجهة التي يعمل معها. لقد قررت أن أتحدث، لأنني لم أعد أستطيع تحمل هذا الظلم."
بدأ سمير يسرد قصته. لقد كان يعمل سابقاً في شركة أخرى، كانت تتعامل مع الجهة التي تقف وراء جمال. سمع عن خطتهم للاستيلاء على أراضي آل الزهيري، وعن دور جمال في تزوير المستندات. كان يعرف أن جمال قد استغل هذه الفرصة، وربما حصل على بعض المعلومات من الدكتور إبراهيم.
"لقد شاهدت السيد جمال عدة مرات وهو يلتقي بأشخاص مشبوهين." قال سمير. "وكانوا يتحدثون عن 'إسقاط الزهيري' وعن 'الاستيلاء على الكنز'. لقد كنت خائفاً، ولم أجرؤ على فعل أي شيء. ولكن عندما سمعت عن الاتهامات التي وجهت إليك، وعن الأزمة التي تمر بها عائلتك، لم أستطع أن أبقى صامتاً."
"وما هي هذه الجهة التي تعمل معها؟" سأل خالد بلهفة.
"إنها شركة وهمية، تعمل في مجال العقارات والآثار. هدفها الرئيسي هو السيطرة على الأراضي ذات القيمة التاريخية والأثرية. وقد استخدموا جمال لتحقيق ذلك."
"ولماذا أنت هنا الآن؟" سأل خالد.
"لقد قررت أن أقف مع الحق. ولدي بعض الوثائق التي تدعم كلامي. بعض الرسائل الإلكترونية، وبعض التسجيلات الصوتية. ولكن يجب أن أكون حذراً. هؤلاء الناس لديهم نفوذ كبير."
أعطى سمير لخالد بعض الملفات. كان خالد يشعر بأن قطعة جديدة وأساسية قد سقطت في مكانها. هذه الشهادة، مع الوثائق التي قدمها سمير، قد تكون الدليل القاطع الذي يحتاجونه.
"أنا ممتن لك يا سيد سمير." قال خالد. "لقد فعلت شيئاً عظيماً."
"أتمنى فقط أن تستطيع كشف الحقيقة، وأن تعود الأمور إلى نصابها." قال سمير. "ولكن كن حذراً، فهم قد يكتشفون أنني تحدثت."
بعد أن غادر سمير، شعر خالد بتغيير كبير في الأجواء. لقد حصل على دليل قوي، ولكن مع هذا الدليل، جاءت مسؤولية أكبر. كان يعلم أن الجهة التي يتعامل معها جمال هي قوية وخطيرة.
عند عودته إلى مكتب الدكتور إبراهيم، قدم له خالد الملفات التي حصل عليها من سمير. بدأ الدكتور إبراهيم بفحصها بعناية، وقد بدت عليه علامات الدهشة والإعجاب.
"هذه الوثائق مذهلة يا مهندس خالد!" قال الدكتور إبراهيم. "إنها تؤكد كل ما كنا نشك فيه. إنها تربط السيد جمال بشكل مباشر بالجهة التي تحدثنا عنها. وهذا سيجعل موقفنا قوياً جداً."
"ولكن، من هي هذه الجهة بالتحديد؟" سأل خالد.
"لا يمكنني تحديدها بدقة من هذه الوثائق فقط. لكن يبدو أنها منظمة تسعى للسيطرة على الثروات التاريخية. وعندما ننتهي من ترجمة باقي المخطوطات، قد نحصل على معلومات أكثر."
شعر خالد بأن كل شيء يتكشف أمامه، وأن وجه الأفعى بدأ يظهر من بين الغموض. كان يدرك أن المعركة لم تنته بعد، وأن التحدي الحقيقي يكمن في كشف هذه الأفعى، وفضح مخططاتها أمام الجميع.