يوم سعيد الجزء الثالث

رسالة على جناح حمامة

بقلم وليد المرح

كانت "نور"، بصلابتها المعهودة، تقف عند باب علية عادل، لا تلوح في ثوبها الرقيق إلا نسمات الهواء العليل. ابنة عم الشيخ فياض، الشابة الجامعية ذات الشغف بالأدب والتاريخ، كانت تمتلك حساً مرهفاً بالملاحظة، وبصيرة نافذة تخترق الأقنعة. لم تكن نور مجرد فتاة جميلة، بل كانت عقل مدبر، وشخصية مستقلة، وإن كانت لا تخلو من حنوٍّ عميق على أهلها وعشيرتها.

بعد أن استعادت الجدة سارة ضحكتها، التي كانت بمثابة انتصار صغير لعادل، شعرت نور بنشوة غريبة. لطالما أحبت عادل، ليس كرجل فحسب، بل كصديق وشريك في طفولتهما المليئة بالمغامرات. كانت تعلم أن وراء هذا الشخص المرح والمتهور، يخفي عادل قلباً طيباً، ونوايا نبيلة.

حينما سمعت عن عودة ضحكة الجدة سارة، التي كادت تختفي إلى الأبد، شعرت نور بأنها مدينٌ لعادل باعتراف، ربما بكشف بعض أسراره، أو ربما بمشاركته بعض أسراره.

"عادل! أعرف أنك بالداخل! سمعت أصواتاً غريبة في العلية قبل قليل!" نادت نور بصوت يحمل مزيجاً من التحدي والفضول.

تنهد عادل. كان يدرك أن هروبه من نور مستحيل. فهي تمتلك قدرة خارقة على تعقبه، لا تخلو من لطف.

فتح الباب ببطء. وجد نور تقف أمامه، تتكئ على أحد أعمدة العلية، ترتشف ماءً في قارورة زجاجية. ابتسمت ابتسامة واسعة، بدت وكأنها تقول: "وجدتك!"

"ماذا تفعلين هنا يا نور؟" سأل عادل، محاولاً أن يبدو غير مبالٍ.

"أنا من يجب أن يسأل هذا السؤال يا سيد عادل. ماذا كنت تفعل في علية جدتي قبل قليل؟ سمعت بعض الموسيقى الغريبة، ثم رأيت نوراً سريعة تتسلل عبر الشرفة. ثم... ضحكة الجدة! ضحكتها التي لم أسمعها منذ شهور! ما هذا يا عادل؟ كيف فعلتها؟"

ارتعش قلب عادل. عرف أن سر "العصفور" قد بدأ يتكشف. هل يصارحها؟ أم يختلق قصة أخرى؟

"موسيقى؟ ضحكات؟ لا أدري عما تتحدثين يا نور. كنت أستمتع بهدوء العلية، وأقرأ كتاباً قديماً." كذب عادل، متمنياً أن تصدقها نور.

ضحكت نور، ضحكة صافية، خالية من السخرية، لكنها كانت تحمل نبرة تحدٍ. "لا تكذب عليّ يا عادل. أعرفك جيداً. أنت لست ممن يقرأون الكتب القديمة في مثل هذا الوقت. أنت تفعل شيئاً، شيئاً غريباً، وهذا الغريب هو ما أعاد البسمة لوجه جدتي. أخبرني، أرجوك."

اقترب عادل منها، ثم جلس على صندوق خشبي قديم. نظر إلى وجهها، رأى فيه شغفاً، ورغبة صادقة في الفهم. قرر أن يكشف لها بعضاً من أسراره.

"حسناً يا نور. ربما... ربما كنت أفعل شيئاً. شيئاً يتعلق بإعادة الأشياء الجميلة."

"الأشياء الجميلة؟ مثل ماذا؟"

"مثل... الضحكات. الضحكات التي تفقدها النفوس عندما تمر بأوقات صعبة."

اتسعت عينا نور. "هل أنت... هل أنت "صانع الضحكات" الذي يتهامس عنه البعض في الحي؟"

ابتسم عادل ابتسامة خجولة. "ربما. لقب "العصفور" هو ما أطلقه على نفسي."

"العصفور؟" كررت نور، ثم ضحكت. "هذا يناسبك تماماً! أنت تتسلل، وتطير، وتجلب معكَ ما يبهج القلب!"

"لكن كيف؟ كيف أعاد الجدة؟" سألت نور بفضول متزايد.

بدأ عادل يشرح لنور كل شيء. عن "منبه الروح"، عن الفأر القماشي، عن ذكريات الجدة، وعن أهمية استعادة الفرح. تحدث بلهجة صادقة، كاشفاً عن رؤيته الفريدة للحياة، وعن إيمانه بأن السعادة يمكن أن تُبنى، وتُزرع، وتُعاد.

استمعت نور باهتمام بالغ، وعيناها تلمعان بالإعجاب. "عادل، هذا مذهل! لم أكن أعرف أن لديك هذه الموهبة. كنت أظن أنك مجرد شخص يحب المغامرات."

"المغامرات تأتي بأشكال مختلفة يا نور. والمغامرة الأجمل هي مغامرة إعادة الابتسامة لوجه شخص حزين."

"لكن... كيف اكتشفت أمر الضحكة المفقودة؟"

"راقبت الجدة. تحدثت مع ليلى. سمعت قصصها. ورأيت حزنها. عندما ترى حزناً عميقاً، تبدأ في البحث عن حل. وجدت أن مفتاح حل حزن الجدة هو قطتها لوزة. ووجدت أن المفتاح لاستعادة لوزة هو استعادة ذكرياتها الجميلة معها."

"هذا ذكاء خارق يا عادل. وروح عظيمة." قالت نور، وهي تضع يدها على كتفه. "لكن... هل هناك أشخاص آخرون في الحي يحتاجون لمساعدتك؟"

"نعم يا نور. هناك الكثير."

"هل يمكنني مساعدتك؟" سألت نور بسرعة. "ربما يمكنني أن أكون عينيك في الخارج، وأذنيك في المدينة. أنا أفهم الناس، وأعرف كيف أتعامل معهم. وربما... ربما يمكنني أن أساعدك في مهماتك القادمة."

نظر عادل إلى نور، رأى فيها شريكاً مثالياً. كانت نور تمتلك ما يفتقده عادل: القدرة على التواصل الاجتماعي، والحكمة في التعامل مع المواقف المعقدة.

"هل أنتِ جادة يا نور؟" سأل عادل، وبدا في صوته تردد.

"جادة تماماً. أعرف أن ما تفعله مهم جداً. الحي كله بحاجة إلى هذه الروح الطيبة. وأنا... أنا أؤمن بك يا عادل."

في تلك اللحظة، سمعا صوتاً آخر. هذه المرة، كان صوتاً يأتي من خارج العلية، صوت حمامة.

"ما هذا؟" قالت نور، وهي تنظر نحو النافذة.

"حمامة؟" تعجب عادل. لم يكن يتوقع زيارات غير مرغوبة.

نزلت الحمامة إلى النافذة، وبدت وكأنها تحمل رسالة معلقة بجناحها.

"حمامة؟ هل أنت حمامة بريد؟" قالت نور، وهي تبتسم.

"هذا غريب. لم أتلق رسالة عبر حمامة منذ زمن بعيد." قال عادل، وهو يتوجه نحو النافذة.

فتح النافذة بحذر، أمسك بالحمامة. ربطت بجناحها ورقة صغيرة، ملفوفة بإحكام.

فك عادل الورقة، وقرأ ما بداخلها.

كانت الرسالة مكتوبة بخط رفيع، يبدو أنه خط يد رجل عجوز.

"إلى العصفور الذي أعاد ضحكة الجدة سارة،

أعرف أنك تسعى لإعادة الفرح إلى قلوب الناس. لكن هناك فرحٌ آخر قد اختفى، فرحٌ أهم، وفرحٌ قد يكون سبباً في حزنٍ أكبر.

يوم سعيد، قد لا يكون سعيداً للجميع.

أبواب المستقبل قد تفتح، لكن قد تجلب معها رياحاً باردة.

ابحث عن "الخاتم المفقود". به يكمن المفتاح.

لكن احذر، فالأعداء يتربصون في الظلام.

من خادمٍ مخلصٍ لفرحٍ غائب."

نظر عادل إلى نور، وبدا في عينيه مزيج من الدهشة والقلق. "ما هذا؟"

"رسالة غامضة!" قالت نور، وهي تتناول الورقة. "منذ متى بدأ الناس في إرسال رسائل عبر الحمائم؟ ومن هو هذا "الخادم المخلص"؟"

"لا أدري. لكن هذه الرسالة... تبدو وكأنها تحذير. أو ربما... طلب للمساعدة."

"الخاتم المفقود؟" قالت نور، وهي تعيد قراءة الرسالة. "هل تعتقد أنه يتعلق بمهمة أخرى؟"

"ربما. لكن ما الذي يربط ضحكة الجدة بالخاتم المفقود؟"

"وربما... ربما هناك من يحاول أن يخبرك بأنك لست الوحيد الذي يبحث عن الفرح. وأن هناك أسراراً أكبر مما تتخيل."

نظرت نور إلى عادل، وابتسمت ابتسامة جديدة، ابتسامة تحمل تحدياً. "يبدو يا عادل أن مغامراتك قد أصبحت أكثر إثارة."

"وهل أنتِ مستعدة لهذه المغامرات الجديدة يا نور؟" سأل عادل، وعيناه تلمعان.

"مستعدة تماماً. لنجد هذا الخاتم المفقود."

أمسكت نور بيد عادل. كانا يقفان معاً، في علية منزل قديم، يتلقيان رسالة غامضة، ويستعدان لمغامرة جديدة. مغامرة قد تكون "يوم سعيد" لجزء آخر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%