يوم سعيد الجزء الثالث
العاصفة تلوح في الأفق
بقلم وليد المرح
كانت الأجواء في بيت الحاج أحمد معتّقة بالتوتر، لا تشبه تلك الأيام الهانئة التي كانت تتراقص فيها الضحكات في أرجاء الديار. شمس الأصيل تلقي بظلالها الطويلة على الحديقة المعتنى بها، لكنها لم تستطع أن تخفف من حدة الظلام الذي بدأ يغشى قلوب ساكنيها. جلست أمينة، زوجة الحاج أحمد، تفرك يديها بقلق، عيناها تتبعان حركة زوجها المتململ في الصالة. الحاج أحمد، الرجل الوقور الذي لطالما كان صخرة صلبة لا تتزعزع، بدا هذه الليلة كمن فقد بوصلته.
"ما خطبك يا أحمد؟" تساءلت أمينة بصوت خفيض، يخشى أن يزعج هدوء البيت المتقطع.
نظر إليها الحاج أحمد، وعلى وجهه خليط من الحزن والغضب لم تعهده فيه من قبل. "الأمر ليس باليسير يا أمينة. لقد وصلتني أخبارٌ تقطع القلب. أخبارٌ تجعل الأرض تدور بي."
تنهدت أمينة بارتياح طفيف، ظنّت أن الأمر مجرد خلاف بسيط أو مشكلة تجارية عابرة. "هل هو شيء يتعلق بالعمل؟ قل لي، لعلنا نجد حلاً."
هز الحاج أحمد رأسه ببطء، ثم انحنى على مقعده، وكأن ثقل العالم قد استقر على كتفيه. "ليس العمل يا أمينة. الأمر أعمق وأخطر. يتعلق بعائلتنا... يتعلق بسمعتنا."
اتسعت عينا أمينة، وشعرت ببرودة تسري في عروقها. "ماذا تقول؟ من يتجرأ على المساس بسمعتنا؟ نحن قومٌ نعرف الله ونخشاه."
"أعلم يا حبيبتي، وأنا أؤمن بذلك. لكن هذه المرة، الأمر ليس مجرد إشاعات. إنها حقيقةٌ، حقيقةٌ مؤلمةٌ ومريرة." رفع الحاج أحمد بصره إلى أمينة، وفي عينيه بريقٌ من الأسى. "الحقيقة أن... أن خالد قد تورط."
تسمرت أمينة في مكانها، لم تستطع استيعاب الكلمات. خالد، ابنها البكر، الشاب الخلوق الذي طالما افتخر به، الشاب الذي يرتقب خطبته من الفتاة الطاهرة خديجة... خالد؟ "خالد؟ لا أصدق. لا يمكن أن يكون خالد. أين رأيت هذا؟ من قال لك؟"
"لقد قابلت رجلاً اليوم، رجلاً له علاقةٌ وثيقةٌ بما حدث. إنه... إنه أمرٌ يتعلق بالمال. ديونٌ كبيرةٌ تراكمت عليه، وديونٌ لم يكن من حقّه أن يتكبدها." قال الحاج أحمد بصوتٍ مكتوم، وكأنه يتجرع سمّاً. "لقد ضاعت أموالٌ كثيرةٌ يا أمينة، أموالٌ كنّا نعدّها لمستقبله، لمستقبل عائلتنا. والأدهى من ذلك، أنه قد لجأ إلى طرقٍ ملتويةٍ لسداد بعض هذه الديون."
صرخت أمينة بصوتٍ متهدج: "طرق ملتوية؟ ماذا تقصد؟ هل سرق؟ هل فعل ما يغضب الله؟"
"لا، لم يصل الأمر إلى السرقة مباشرةً، والحمد لله. لكنه... لقد استدان من أشخاصٍ لا يُؤتمنون، أشخاصٌ يحيط بهم الشبهات. وقد طلبوا منه أن يردّ المال، مع فوائدٍ باهظةٍ جداً. وقد هدّدوه... هدّدوه بالتشهير به، وربما أكثر من ذلك، إذا لم يوفّي بما عليه."
جلست أمينة على أقرب كرسي، بالكاد تستطيع التنفس. خديجة، الفتاة الطيبة التي اختارتها لولدها، عائلتها المحترمة... كيف ستتقبل هذا؟ كيف سيعيش خالد بعد هذا العار؟ "وهل... هل يعرف أحدٌ غيرك بهذا؟"
"حتى الآن، أنا فقط. لكن الرجل الذي قابلته، يبدو أنه ينوي أن يتصرف قريباً. إن لم نتدخل نحن، فإن الأمر سينفجر في وجهنا، وسيكون الدمار شاملاً."
فجأة، سُمع صوت خطواتٍ تقترب من الباب. سارعت أمينة لتمسح دموعها، وحاولت استجماع رباطة جأشها. دخلت الفتاة سميرة، خطيبة ابنهما الآخر، علي. كانت تحمل صينيةً عليها أكواب الشاي، وقد تزوّق وجهها بابتسامةٍ بريئة.
"تفضلوا يا عمي، يا عمّتي. يبدو أنكم تتحدثون في أمرٍ مهم." قالت سميرة وهي تضع الصينية على الطاولة.
ابتسم الحاج أحمد ابتسامةً باهتة. "نعم يا ابنتي، نتحدث في أمورٍ كثيرة."
نظرت سميرة إلى وجهيهما، وبدأت تشعر بشيءٍ غريب. "هل كل شيء على ما يرام؟ تبدو وجوهكما شاحبة."
لم تستطع أمينة إخفاء قلقها. "الأمر ليس سهلاً يا سميرة. هناك ما يشغل بالنا."
"لا تخفوا عليّ، أنا جزءٌ من هذه العائلة. ما يقلقكم يقلقني. هل حدث شيءٌ لخالد؟" سألت سميرة، وفي صوتها لمحةٌ من القلق.
نظر الحاج أحمد إلى أمينة، ثم قال: "في الحقيقة يا سميرة، لقد جئتكِ بخبرٍ سيء. خبرٌ سيؤثر علينا جميعاً." توقف لبرهة، ثم أكمل: "خالد... لقد تورط في مشاكل مالية كبيرة."
شعرت سميرة بصدمةٍ أولية، لكنها لم تفقد هدوءها. "مشاكل مالية؟ ما نوع هذه المشاكل؟"
"لقد استدان مبالغ طائلة من أشخاصٍ... لا يُمكن الوثوق بهم. وقد يطالبونه بها في أي وقت." قال الحاج أحمد، وكل كلمة كانت كطعنةٍ في قلبه.
اتسعت عينا سميرة، وأمسكت بيد أمينة بقوة. "يا إلهي! هذا أمرٌ جلل. وماذا سنفعل؟"
"هذا ما نتناقش فيه الآن. علينا أن نجد حلاً قبل أن تتفاقم الأمور." أجاب الحاج أحمد.
في هذه الأثناء، كان خالد يجلس في غرفته، يتظاهر بالهدوء، لكن قلبه كان يعتصر ألماً. لقد أرسل رسالةً نصيةً إلى والده، يطلب منه لقاءً عاجلاً. كان يعلم أن ساعة الحقيقة قد حانت. لم يعد بإمكانه التحمل أكثر. الضغط الذي يمارسه هؤلاء الدائنون أصبح لا يطاق. لقد وعدهم بإحضار مبلغٍ كبيرٍ اليوم، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة.
ذهب خالد إلى مكتبه، وبدأ يقلّب في أوراقه. كانت هناك أوراقٌ رسميةٌ تحمل شعارات بنوكٍ معروفة، وأوراقٌ أخرى غامضةٌ ذات أختامٍ غريبة. لقد باع كل ما يستطيع بيعه، واقترض كل مبلغٍ يمكنه الحصول عليه. لكنه لم يصل إلى المبلغ المطلوب.
نظر إلى صورة خديجة المعلقة على الحائط. وجهها البريء، ابتسامتها الرقيقة... كان يشعر بالعار والخزي. كيف يمكن أن يدخل حياتها وهو يحمل هذا الثقل؟ كيف سيواجه والدها الذي وثق به؟
قرر خالد أن الوقت قد حان ليواجه الحقيقة. لن يستطيع إخفاء الأمر بعد الآن. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. اتصل بوالده مرةً أخرى، وطلب منه أن يلتقيه فوراً، وأخبره أنه يريد أن يعترف بكل شيء.
في تلك اللحظة، كان الحاج أحمد يتلقى مكالمةً من أحد أصدقائه المقربين، وقد بدا صوته قلقاً. "يا أحمد، سمعتُ أن هناك كلاماً يدور حول خالد. كلامٌ خطيرٌ جداً. هل هناك شيءٌ أستطيع المساعدة فيه؟"
تألم الحاج أحمد. لم يكن يريد أن تنتشر الأخبار بهذا الشكل. "هناك بعض الصعوبات يا صديقي، لكننا نعمل على حلها."
"لا تخجل يا أحمد. إن كان الأمر يتعلق بالمال، فإنني مستعدٌ للمساعدة. أعرف أن خالد شابٌ صالح، لكن الأخطاء تقع."
تنهد الحاج أحمد. "ليس الأمر بهذه البساطة. إنها ديونٌ كبيرةٌ، ومن أشخاصٍ خطرين. ويبدو أن هناك قصةً أعمق من ذلك."
"قصة أعمق؟ ماذا تقصد؟"
"لقد تورط في بعض الأمور التي لم تكن في محلها. وأخشى أن تكون العواقب وخيمة." قال الحاج أحمد وهو يشعر بثقلٍ يزداد.
شعر الحاج أحمد أن الأمور تتسارع. لقد وصلوا إلى حافة الهاوية. الخيارات محدودة، والوقت ينفد. التقى بالحاج مصطفى، والد خديجة، قبل أيام، وكان الكلام حول خطبة خالد وخديجة قد بدأ يتقدم. والآن، كل شيءٌ قد ينهار.
في تلك الليلة، قررت أمينة أن تواجه ابنها. كان عليها أن تعرف الحقيقة كاملةً. ذهبت إلى غرفة خالد، ووجدته جالساً على سريره، يتأمل فراغاً لا تراه.
"خالد..." نادت أمينة بصوتٍ حنون، لكنه كان يحمل نبرةً من الأسى.
رفع خالد رأسه، ورأى في عيني أمه مزيجاً من الحب والقلق. "نعم يا أمي."
"أخبرني ما الذي يحدث. لقد سمعتُ من أبيك. أريد أن أفهم كل شيء."
بدأت دموع خالد تنهمر. لقد كان ينتظر هذه اللحظة. "لقد أخطأت يا أمي. أخطأت أخطاءً جسيمةً." وبدأ يسرد قصته، قصة الغرور، والديون، واليأس. قصة كيف لجأ إلى القمار، ثم إلى الاقتراض من أشخاصٍ يبيعون كل شيءٍ بثمنٍ بخس. كل كلمة كانت تخرج منه كعقابٍ لنفسه.
استمعت أمينة بصبرٍ وألم. لم تقاطعه، بل تركته يفرغ ما في صدره. عندما انتهى، احتضنته بقوة. "يا بني، الله غفورٌ رحيم. لكنك ارتكبت أمراً عظيماً. لقد جرحت ثقتنا، وجرحت ثقة من سيصبح زوجتك. الأهم الآن هو أن تواجه هذا الخطأ، وأن تسعى للإصلاح."
"ولكن كيف؟ لقد أصبحت الأمور أكبر من قدرتي. إنهم يطالبون بمبالغ فلكية." قال خالد بصوتٍ يائس.
"سنواجهها سوياً. أبيك سيحاول، وسنحاول نحن. المهم أن تتعهد لي، أمام الله، أنك لن تعود إلى هذه الطريق أبداً."
"أتعهد يا أمي، أتعهد." قال خالد وهو يبكي.
كانت العاصفة تلوح في الأفق، وتحديداً، كانت تلوح في سماء بيت الحاج أحمد. لقد انكشفت المستور، وبدأت الآثار تتكشف. لكن هل سيكون هناك وقتٌ كافٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ هل ستتمكن العائلة من تجاوز هذه المحنة؟ أم أن هذه القصة ستكون نهاية سعيدة قد تحولت إلى مأساة؟