يوم سعيد الجزء الثالث

سرٌّ في جوف الليل

بقلم وليد المرح

كانت سماء الرياض تزداد ظلمة، تلبس وشاحاً من السواد المخملي ترصعه نجومٌ خجولة كألماساتٍ متناثرة. في هذا الهدوء المطبق، حيث لا يسمع إلا همس الرياح وتكسر الظلام بصوتٍ متقطع لسيارة عابرة، كان قلب أحمد يضرب بجنون، لا خوفاً من شيءٍ خارجي، بل من صراعٍ داخليٍّ أشدُّ وطأة. كان يجلس في مكتبه، مكتبٌ كان يوماً ملاذه الآمن، ومكانه الذي يتفكر فيه ويتأمل، أما الآن، فقد تحول إلى مسرحٍ لضعفه، وميدانٍ لمعركته الخفية.

تتطاير الأوراق المتناثرة فوق المكتب، شاهداً صامتاً على ليالٍ طوال لم يذق فيها أحمد لذة النوم، بل استنزفته هاجسٌ واحدٌ، وهمٌّ واحد، ورغبةٌ واحدة. كانت أصبعه ترتجف وهي تمسك بكأسٍ فضيٍّ صغير، يعكس ضوء المصباح الخافت على ملامحه المرهقة. لم تكن الكأس تحمل ماءً، بل شيئاً آخر، شيئاً كان قد أقسم ألف مرةٍ أن يتخلص منه، وأن يعيده إلى جحيم النسيان الذي جاء منه.

"لماذا يا أحمد؟" همس لنفسه، وصوته بالكاد يخرج من بين شفتيه الجافتين. "لماذا تعود إلى هذا؟ ألم تذق المرارة بما فيه الكفاية؟"

كان يتذكر جيداً تلك الأيام التي تعلقت فيها روحه بهذا السمّ. كانت بدايةً بريئة، مجرد فضول، مجرد رغبةٍ في الهروب من ضغوط الحياة، من مسؤوليات العمل، من آلام الماضي. لكن الفضول تحول إلى إدمان، والهروب إلى سجنٍ لا باب له. كانت رحلةٌ طويلةٌ وشاقة، استغرقت منه سنواتٍ ليتمكن من النجاة منها، وها هو الآن، على أعتاب العودة.

كانت فاطمة، زوجته الحبيبة، وابنتيه الصغيرتين، سارة ولين، كنّ الضوء الذي أنقذه من الغرق. وجه فاطمة الحنون، وضحكات سارة ولين المرحة، كانت هي الدليل الذي قاده إلى بر الأمان. لقد رأى في عينيهما الأمل، ورأى فيهما سبباً قوياً ليبدأ من جديد. ووعد نفسه، ووعدهما، وأقسم بآيات الله، أنه لن يعود أبداً.

لكنّ هذا الوعد، يبدو أنه أصبح هشاً كزجاجٍ رقيق.

الضغط في العمل يتصاعد. صفقةٌ تجاريةٌ كبيرةٌ على المحك، قد تترتب عليها مستقبلاً ثروةٌ طائلة، أو خسارةٌ فادحة. المدير، السيد عبدالله، رجلٌ صارمٌ لا يعرف الرحمة، كان يمارس عليه ضغطاً لا يحتمل. يتوقع منه المستحيل، ويريد منه المعجزات. وفي وسط كل هذا، كان هناك ذلك الشعور المبهم بعدم الكفاية، ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس له بأنه ليس جيداً بما يكفي، وأنه مهما فعل، فلن يصل إلى مستوى الطموحات التي وضعت في طريقه.

"يا إلهي، أعني!" قال بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً، يحاول أن يتغلب على ضجيج أفكاره. "فقط جرعةٌ صغيرة. لتهدأ أعصابي قليلاً، لتعود لي قوتي، لكي أتمكن من التركيز."

كان هذا هو الشعار الذي يتغنى به، الكلمات التي يواسي بها نفسه، والتي تجعله يمد يده نحو الكأس. كان يعلم، في أعماق قلبه، أن هذا ليس إلا تضليلاً، وأن تلك الجرعة الصغيرة ستفتح أبواب جهنم مرةً أخرى.

تذكر حديثاً قديماً مع شيخٍ جليل، شيخٌ أثر فيه كثيراً. قال له الشيخ يومها: "يا بني، أعظم جهادٍ هو جهاد النفس. فإذا استطعت أن تنتصر على نفسك، فقد انتصرت على العالم كله. وإن ضعفت أمامها، فقد خسرت كل شيء."

كانت كلمات الشيخ ترن في أذنيه الآن، كجرس إنذارٍ صارخ. لكنّ ضعفه كان أكبر من أي صوتٍ يحذره. كان عالمه يتداعى من حوله، والشعور باليأس يتغلغل في روحه.

فجأة، سمع صوتاً خفيفاً على الباب. تجمد في مكانه، وقلبه يقفز إلى حلقه. هل هي فاطمة؟ هل شعرت بشيء؟

"أبي؟" سمع صوت سارة، ابنتها الكبرى، ناعماً كحفيف الأوراق. "هل أنت هنا؟"

أسرع أحمد بإخفاء الكأس في درج المكتب، وقلبه يرتجف. وضع يده على صدره، محاولاً أن يهدئ من ضرباته المتسارعة.

"نعم يا حبيبتي، أنا هنا." قال بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعياً قدر الإمكان.

دخلت سارة، بعينيها الواسعتين المليئتين بالفضول، وبابتسامتها البريئة التي كانت دائماً تشفي جراحه. كانت تحمل في يدها لوحةٌ رسمتها.

"انظر يا أبي! لقد رسمت لك هذه. إنها أنت وأمي وأنا ولين." قالت بفخرٍ واضح.

نظر أحمد إلى الرسمة. كان قد رسمها بالطباشير الملون، ألوانٌ زاهيةٌ تبعث على البهجة. رسمها كعائلةٍ سعيدة، تبتسم في شمسٍ مشرقة. رأى في الرسمة ذلك العالم الذي كان يسعى جاهدًا للحفاظ عليه، ذلك العالم الذي كان يهدده الآن بظلام رغبته.

"إنها رائعة يا سارة!" قال، محاولاً إخفاء الرجفة في صوته. "أجمل رسمةٍ رأيتها في حياتي."

اقتربت سارة واحتضنت عنقه. "أحبك يا أبي!"

شعر أحمد بدموعه تتجمع في عينيه. هذه الطفلة، هذه البراءة، هذا الحب النقي، هو كل ما لديه. كيف له أن يخونها؟ كيف له أن يدمر هذا العالم الجميل من أجل لحظة ضعف؟

"وأنا أحبك أكثر يا حبيبتي." قال، وهو يضمها إليه بقوة، وكأنه يحاول أن يستمد منها القوة.

خرجت سارة، تاركةً أحمد وحده مرةً أخرى مع صراعه. نظر إلى درج المكتب، حيث يختبئ ذلك الشيء الذي يهدده. كانت لديه فرصة. فرصةٌ أخيرة.

"لا يا أحمد، لا." قال لنفسه بحزم. "لا يمكن أن يحدث هذا."

لكنه كان يشعر بأن القوة تتسرب من أطرافه، وأن العزيمة تتلاشى. صوت المدير، صوت الضغط، صوت عدم الكفاية، كلها كانت تهاجمه.

تذكر حديثاً آخر، هذه المرة مع والدته، رحمها الله. كانت دائماً تقول له: "يا بني، تقوى الله هي حصنك. فإذا ملتجأت إليه، فلا تخف من شيء."

كان عليه أن يلجأ إليه. كان عليه أن يطلب العون من الذي بيده كل شيء.

أغلق عينيه، وأخذ نفساً عميقاً. بدأ يدعو بصوتٍ خفيض، يدعو ربه أن يعينه، أن يقوي إيمانه، أن يبعد عنه هذا الشر. كانت الدعاء بلغةٍ صادقة، من قلبٍ يئن.

"يا رب، يا رحمن، يا رحيم، إني ضعيفٌ فقوّني. إني مريضٌ فاشفني. إني خاطئٌ فاغفر لي. أعنّي على نفسي، وأعنّي على هذا الضعف الذي يستنزفني."

استمر في الدعاء، وكل كلمةٍ كانت تبث فيه شعوراً خفيفاً بالأمل. بدأ يشعر بأن ثقلاً كان يضغط على صدره بدأ يرتفع قليلاً.

ثم، وكأنها استجابةً لدعائه، سمع صوت هاتفه يرن. كانت فاطمة.

"نعم يا حبيبتي؟" قال، وصوته لا يزال يحمل بعض التعب، لكنه أصبح أكثر هدوءاً.

"أحمد، هل أنت بخير؟" سألت فاطمة بقلق. "كنت أفكر بك."

"أنا بخير يا فاطمة، الحمد لله." قال. "فقط بعض العمل المتأخر."

"أتمنى أن تأتي قريباً. سارة ولين تنتظرانك بفارغ الصبر." قالت، وابتسامتها يمكن أن تُسمع في صوتها.

"سآتي حالاً يا حبيبتي. أحضري لي كوباً من الشاي بالنعناع، أحتاجه."

"بالتأكيد يا عزيزي. أحبك."

"وأنا أحبك أكثر."

أغلق الهاتف، ونظر مرةً أخرى إلى درج المكتب. لم يعد يشعر بنفس الرغبة الملحة. لقد خفت حدة الإغراء. لقد استطاع أن يتجاوز تلك اللحظة الحرجة.

فتح الدرج، وأخذ الكأس. لم يتردد هذه المرة. سار نحو سلة المهملات، ورمى بالكأس فيها. ثم، وبحركةٍ سريعة، ذهب إلى دورة المياه، وسكب ما تبقى فيها في المغسلة.

عاد إلى مكتبه، يشعر بأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهله. كان يعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن هذا الضعف قد يعود مرةً أخرى. لكنه كان يعلم أيضاً أنه قادرٌ على المقاومة، طالما كان لديه حبه لعائلته، وإيمانه بربه.

نظر إلى لوحة سارة. ابتسم. هذا هو عالمه. هذا هو ما يستحق القتال من أجله.

نهض من مكتبه، ونفض عن ملابسه غبار الأفكار السيئة. لقد حان الوقت ليعود إلى بيته، إلى حضن عائلته. لقد حان الوقت ليستمد منهم القوة، وليستمر في رحلته نحو النجاة.

لكنّ ظلال الليل كانت لا تزال تلقي بظلالها على روحه. لم يكن يعلم أن هذه كانت مجرد بدايةٍ لنزاعٍ أكبر، صراعٌ سيختبر إيمانه، وصبره، وحبه، إلى أبعد الحدود.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%