يوم سعيد الجزء الثالث

ظلٌّ في مرآة الماضي

بقلم وليد المرح

كانت الشمس قد بدأت تتوارى خلف الأفق، تاركةً وراءها خيوطاً ذهبيةً وبرتقاليةً تلون السماء. في هذا الوقت الهادئ من اليوم، عندما تبدأ المدينة في الاستعداد لليل، كان منزل أحمد يعج بالحياة. سارة ولين، وهما كتلتان من الطاقة المرحة، كانتا تجريان في أرجاء المنزل، تضحكان وتتسامران. أما فاطمة، فكانت تراقبها بعين الحب، وقلبها يفيض بالسكينة.

دخل أحمد، ابتسامةٌ خفيفةٌ ترتسم على وجهه، يحمل في يده كيسٌ صغيرٌ من الحلوى. استقبلته سارة بالأحضان، وركضت لين خلفه، محاولةً أن تلتقط منه الكيس.

"أبي! لقد عدت!" صاحت لين بفرح.

"مرحباً يا أحبائي." قال أحمد، وهو يمسح على شعرهما. "هل اشتقتم لي؟"

"نعم! كثيراً!" أجابتا معاً.

جلست فاطمة إلى جانبه، ووضعت يدها على ذراعه. "حمد لله على سلامتك. هل كان يومك طويلاً؟"

"كان طويلاً، لكنه انتهى الآن." أجاب، وهو ينظر إليها بعينين تفيض بالحب. "والآن، أنا هنا."

بعد العشاء، وبينما كانت سارة ولين تلعبان بغرفتهما، جلست فاطمة وأحمد في الحديقة الخلفية، يستمتعان ببرودة المساء. كانت رائحة الياسمين تفوح في الأجواء، وصوت العصافير يغرد في صمت الليل.

"أحمد، هل هناك ما يقلقك؟" سألت فاطمة بهدوء، وقد لاحظت منذ فترةٍ أن هناك شيئاً ما يثقل كاهله. "منذ أيامٍ وأنا أشعر بأنك لست على ما يرام."

تنهد أحمد. كان يكره أن يخفي عن فاطمة شيئاً، فهي شريكته في الحياة، وسرّ قوته. لكنّ الخوف كان يمنعه. الخوف من أن ترى فيه ضعفه، وأن تشعر بخيبة أمل.

"لا شيء يا عزيزتي. مجرد ضغوط العمل." قال، محاولاً أن يبدو واثقاً.

نظرت فاطمة إليه بعمق. "أحمد، أعرفك جيداً. أنت لست مجرد ضغوط عمل. هل يتعلق الأمر بذلك الاجتماع الكبير؟"

حاول أحمد أن يتجنب الإجابة المباشرة. "إنها صفقةٌ كبيرةٌ جداً، وتحتاج إلى تركيزٍ عالٍ. ولذلك، ربما أشعر ببعض التوتر."

"أعلم أنك تبذل قصارى جهدك، يا حبيبي. ودائماً ما تفعل. ولذلك، لا تقلق كثيراً. إن نجاح هذه الصفقة ليس نهاية العالم، وفشلها ليس نهايته."

"ولكن يا فاطمة، هذه الصفقة ستغير الكثير. ستمنحنا الاستقرار الذي نحلم به."

"الاستقرار الحقيقي يا أحمد، هو في قلبنا، وفي علاقتنا، وفي رضا الله عنا. ما سواه، هو مجرد متاع زائل."

تأمل أحمد كلماتها. كانت فاطمة دائماً الحكيمة، دائمًا ما ترى الأمور من منظورٍ أعمق.

"أتمنى لو كان الأمر بهذه البساطة." قال، وصوته يكتنفه بعض الأسى.

"الأمر بسيطٌ عندما نجعله بسيطاً." قالت فاطمة، وأخذت يده. "تذكر، نحن معاً في كل شيء. وأنا أثق بك. وأعلم أنك قادرٌ على تجاوز أي صعاب."

صمت أحمد لحظة، يستشعر دفء يدها، ويستمد منها القوة.

"فاطمة، هل تتذكرين 'الشيخ أحمد'؟" سأل فجأة، متذكراً صديقاً قديماً له.

نظرت فاطمة إليه باستغراب. "الشيخ أحمد؟ نعم، أتذكر. الذي تعرفت عليه في رحلة الحج قبل سنوات؟"

"نعم. لقد اتصل بي اليوم. يريد أن يراني."

"وماذا حدث؟"

"لقد تحدثنا قليلاً. قال لي إنه يمر ببعض الظروف الصعبة، وأنه يحتاج إلى مساعدة."

"ولماذا أنت قلقٌ بشأن هذا؟"

"لأنني، بصراحة، لا أملك المال الكافي لمساعدته كما يجب." قال أحمد، وشعر بخيبة أملٍ تملأ صدره. "أتذكر كيف ساعدني هو في وقتٍ من الأوقات، وكيف وقف إلى جانبي. والآن، لا أستطيع أن أرد له الجميل."

"يا أحمد، ليس المال كل شيء." قالت فاطمة بحنان. "ربما يحتاج إلى صحبتك، إلى كلمةٍ طيبة، إلى دعاءٍ صادق. هذه الأشياء قد تكون أثمن من الذهب."

"لكنكِ لا تفهمين، يا فاطمة. لقد كان وضعه المادي في السابق أفضل مني بكثير. والآن، يبدو أنه قد انحدر."

"وهذا لا يجعله أقل شأناً. كلنا نمر بظروفٍ متقلبة. الأهم هو أن نبقى أوفياء لبعضنا البعض، ولأخلاقنا."

"ولكن، لست متأكداً كيف سأتعامل مع الأمر." قال أحمد، وراح يفرك يديه بتوتر. "أعلم أن لديه بعض المشاكل، بعض... 'الديون' التي تتراكم عليه."

"ديون؟" كررت فاطمة، وبدأ القلق يرتسم على وجهها. "ما نوع هذه الديون؟"

"لا أعرف التفاصيل بالضبط." أجاب أحمد. "لكنها تبدو خطيرة."

"وأنت؟ هل أنت متورطٌ في أي شيء؟" سألت فاطمة، ونبرة صوتها تحمل قلقاً متزايداً.

"لا، لا أبداً!" قال أحمد بسرعة. "أنا فقط أريد أن أساعده. لقد كان صديقاً عزيزاً."

"أتفهم ذلك. لكن كن حذراً يا أحمد. في بعض الأحيان، الرغبة في المساعدة قد تقودنا إلى مشاكل لا نريدها."

"لا تقلقي. سأكون حذراً." قال، لكنه لم يكن متأكداً تماماً من ذلك.

في الواقع، كان هناك شيءٌ آخر يقلقه. شيءٌ يتعلق بالشيخ أحمد، وبماضٍ مشتركٍ بينهما، شيءٌ كان أحمد قد حاول جاهداً أن يدفنه.

عندما كان أحمد في بداية رحلته نحو الإقلاع عن إدمانه، كان الشيخ أحمد أحد الأشخاص الذين حاول مساعدته. لكنّ الشيخ نفسه كان يعاني من مشاكل، وكان في بعض الأحيان، ينجرف إلى مساراتٍ غير صحيحة. كان أحمد يتذكر كيف أن الشيخ كان يشاركه في بعض المرات، ببعض "النشاطات" التي لم تكن مقبولة، فقط من أجل الحصول على المال، أو لتخفيف الضغط.

كان أحمد قد وعد نفسه بأنه لن يعود أبداً إلى تلك الأساليب. لكنّ رؤية الشيخ أحمد مرةً أخرى، وهو في محنة، أيقظت في داخله شعوراً غريباً بالذنب، وشعوراً بالمسؤولية.

"فاطمة، هل تتذكرين 'مرسيدس'؟" سأل أحمد فجأة، متذكراً اسم سيارةٍ قديمةٍ كان يملكها الشيخ أحمد.

"مرسيدس؟ نعم، أتذكر. كانت سيارةً فارهةً جداً." قالت فاطمة. "ما بها؟"

"لقد باعها، أعتقد، منذ فترة." قال أحمد. "لكنه كان متعلقاً بها كثيراً."

"لماذا تسأل عنها؟"

"فقط... أتذكر كيف كان يحبها. ربما لو استعادها، لشعر بتحسن."

نظرت فاطمة إليه، وعلامات الدهشة على وجهها. "لكنك قلت إنه يعاني من الديون. كيف سيستعيد سيارةً قد باعها؟"

"لا أعرف." قال أحمد، وهو يشعر بأن أفكاره تتشوش. "ربما... ربما يكون هناك طريقٌ آخر."

"أحمد، هل أنت متأكد من أنك لا تخفي عني شيئاً؟" سألت فاطمة، وعيناها تركزان عليه. "هذه الأسئلة عن الشيخ أحمد، وعن 'النشاطات'، وعن الديون... كل هذا يجعلني أشعر بالقلق."

تنهد أحمد. لقد وصل إلى مفترق طرق. إما أن يصارح فاطمة بكل شيء، أو أن يستمر في إخفاء الأمر، مما قد يؤدي إلى المزيد من المشاكل.

"فاطمة، هناك شيءٌ أريد أن أخبرك به." قال، وهو ينظر إلى يدها التي تمسك بيده. "الشيخ أحمد، عندما كان يساعدني في وقتٍ سابق، لم يكن دائماً بالطريقة الصحيحة."

بدأت فاطمة تشعر بالخوف. "ماذا تقصد؟"

"لقد كان، في بعض الأحيان، يلجأ إلى وسائل غير مشروعة للحصول على المال. وكان... يشركني في بعض من هذه الأمور."

اتسعت عينا فاطمة. "أحمد! هل تتحدث عن...؟"

"نعم." قال أحمد، بصوتٍ خافت. "لكني تركت كل ذلك. ووعدت نفسي، ووعدتك، أنني لن أعود أبداً."

"ولماذا تخبرني بهذا الآن؟" سألت، وصوتها بالكاد يخرج. "هل هناك خطرٌ ما؟"

"لا أعرف. لا أريد أن أخبرك إلا لأني لا أريد أن أخفي عنك شيئاً. وأخشى أن يعود الشيخ أحمد إلى تلك الأساليب، وأن يحاول إشراكي فيها مرةً أخرى."

"ولماذا تعتقد أنه سيحاول إشراكك؟"

"لأنه يحتاج إلى المساعدة. ولأنني، بصراحة، أشعر بالذنب. أشعر أنني مدينٌ له. وهو يعرف ذلك."

"يا أحمد!" قالت فاطمة، وشعورٌ بالأسى والغضب يتملكهما. "كيف استطعت أن تسمح لنفسك بأن تنجرف إلى هذه الأمور من قبل؟"

"كنت ضعيفاً، يا فاطمة. كنت أبحث عن أي شيءٍ ينسيني آلامي. ولكني الآن، أنا أقوى. لقد تغيرت."

"ولكن، هل أنت متأكد من أن هذا الضعف لن يعود؟" سألت فاطمة، ونظرتها تحمل مزيجاً من الحب والشك. "هذا الشيخ أحمد، يبدو أنه لم يتب بعد. وكأنه يحمل معه ظلال الماضي."

"أنا متأكد." قال أحمد، مع محاولةٍ لإقناع نفسه بقدر ما يقنعها. "لقد وعدت نفسي. ووعدت الله. ولن أخلف بوعدي."

"ولكن، ماذا لو حاول أن يضعك في موقفٍ صعب؟ ماذا لو حاول أن يستغل طيبتك؟"

"سأكون حذراً. وسأفكر فيكِ، وفي ابنتينا. وسأتذكر كل ما قلته لي."

نظرت فاطمة إلى السماء، حيث بدأت النجوم تظهر. "يا رب، احفظه. احفظه من نفسه، واحفظه من شرور الناس."

شعر أحمد بأن كلام فاطمة، وقلقها، قد أثرا فيه. لقد رأى في عينيها ذلك الحب العميق، وذلك الإيمان الراسخ.

"فاطمة، أريد أن أساعد الشيخ أحمد. لكن ليس بالطريقة التي يريدها هو. سأساعده بطريقتي. بطريقةٍ ترضي الله."

"وما هي طريقتك؟"

"سأعطيه مبلغاً من المال، قد لا يكون كبيراً، ولكنه سيكون كافياً لتخفيف بعض ديونه. وسأقدم له النصيحة، وسأدعوه إلى التوبة. وسأبذل جهدي لأكون له أخاً صالحاً، لا شريكاً في الشر."

"هذا أفضل." قالت فاطمة، وشعورٌ بالارتياح بدأ يتسلل إلى قلبها. "فلتكن أفعالك خالصةً لوجه الله. وليكن هدفك هو رضاه، لا رضا أي أحدٍ آخر."

"نعم يا حبيبتي." قال أحمد، وأخذ يدها وقبلها. "أشكرك على ثقتك بي. وأشكرك على حبك."

لكنّ ظلال الماضي لم تكن مستعدةً للرحيل بهذه السهولة. لقد عاد الشيخ أحمد، حاملًا معه شيئاً من الماضي، شيئاً قد يهدد مستقبل أحمد، ومستقبل عائلته. كانت معركة أحمد مع نفسه قد بدأت تتشابك مع صراعاتٍ أخرى، صراعاتٍ لم يكن مستعداً لها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%