يوم بلا أخطاء الجزء الثاني
خيوط الماضي المتشابكة
بقلم وليد المرح
تضاعف قلق ندى مع كل رسالة تصلها. لم تعد تشعر بأنها مجرد شكوك عابرة، بل بدأت تشعر بأن هناك فعلاً خيطاً من الحقيقة يتسلل إلى حياتها. كانت كلمة "سجلات المشاريع القديمة" تتردد في ذهنها، مستدعية في ذاكرتها ما سمعته من أحمد عن والده، عن شغفه بعمله، وعن طموحاته الكبيرة.
قررت ندى أن تخبر أحمد بالرسالة الجديدة. لم تستطع أن تخفي الأمر عنه أكثر من ذلك. عندما التقت به في مكان هادئ، بعيداً عن أعين الفضوليين، أخرجت هاتفها، وفتحت البريد الإلكتروني.
"هذه رسالة أخرى، أحمد. يقولون أن الحقيقة تكمن في سجلات المشاريع القديمة لوالدك."
نظر أحمد إلى الرسالة، وبدا وكأنه يفكر بعمق. "سجلات المشاريع القديمة؟ لم أفكر في ذلك من قبل. والدي لم يكن يتحدث كثيراً عن تفاصيل عمله، كان يفضل أن يركز على المستقبل."
"ولكن... ماذا لو كان هناك شيء مخبأ؟ شيء لم يرغب في الحديث عنه؟" قالت ندى، وعيناها تلمعان بالقلق.
"لا أعرف يا ندى. ولكن، إذا كان هذا ما تشعرين به، فلنبحث. أنا على استعداد لفعل أي شيء لأطمئنك." قال أحمد، وهو يمسك بيدها.
بدأ أحمد بالاتصال ببعض كبار السن الذين كانوا يعملون مع والده في الماضي. استغرقت المحادثات وقتاً، لكنه تمكن في النهاية من الحصول على معلومات حول مكان وجود بعض السجلات القديمة. كان عليهم الذهاب إلى مخزن مهجور في ضواحي المدينة، حيث كانت توضع فيه المستندات القديمة التي لا يزال بعضها بحاجة إلى التصنيف.
كانت الرحلة إلى المخزن مليئة بالترقب. دخل أحمد وندى معاً، وحملا معهما مصابيح يدوية. كان المكان مظلماً، مليئاً بالغبار، ورائحة الورق القديم تملأ المكان. بدأت بالبحث بين الأدراج والرفوف المكدسة.
بعد ساعات من البحث الشاق، ووسط كومة من الوثائق القديمة، عثر أحمد على صندوق معدني صدئ. كان مكتوباً عليه بخط باهت "مشاريع خاصة". فتحه بحذر، فوجد بداخله مجموعة من العقود القديمة، ودفاتر ملاحظات، وبعض الصور.
بدأت ندى وأحمد بتصفح محتويات الصندوق. كانت هناك عقود مشاريع لم يسمع بها من قبل، وخطابات متبادلة بين والد أحمد وبعض الشركاء. وبينما كانوا يتصفحون، لفت نظرهم دفتر صغير، كان مكتوباً عليه بخط يدوي: "أسرار".
فتحت ندى الدفتر، وبدأت تقرأ. كان يضم ملاحظات متفرقة، وأفكاراً، وبعض الخواطر الشخصية لوالد أحمد. وبين الصفحات، وجدت ورقة تحمل بعض العناوين، مع علامات استفهام بجانبها. كانت تبدو كقائمة بأشياء كان يبحث عنها والد أحمد.
"انظري إلى هذا، أحمد. هذا يبدو وكأنه قائمة بأشياء كان والدك يبحث عنها." قالت ندى.
نظر أحمد إلى القائمة. كان هناك عناوين لمشاريع، وأسماء أشخاص، ومواقع محددة. وبين هذه العناوين، لفت نظره اسم "شركة الأفق المشرق"، مع علامة استفهام كبيرة بجانبها.
"شركة الأفق المشرق؟ لم أسمع عنها من قبل." قال أحمد. "ولماذا هذه العلامة؟"
وبينما كانوا يحاولون فهم معنى هذه القائمة، وجدوا في نهاية الدفتر صفحة مكتوبة بخط مختلف، وكان الخط يبدو أكثر عصبية. كانت كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لإثارة القلق:
"لقد حاولوا إيقافي، ولكنني لن أتوقف. الحقيقة ستظهر للجميع، حتى لو كلفني ذلك حياتي. إنهم يريدون إخفاء كل شيء، ولكنهم لن ينجحوا."
شعر أحمد برعشة تسري في جسده. هل كان والده يخشى أحداً؟ هل كان هناك خطر يهدده؟
في تلك الأثناء، كان خالد قد بدأ تحقيقه الخاص. لقد وصل إلى معلومة مفادها أن هناك شخصاً يدعى "السيد فؤاد" كان لديه خلافات قديمة مع والد أحمد. حاول خالد البحث عن هذا الشخص، لكنه لم يجد له أي أثر. بدا وكأنه اختفى.
قرر خالد أن يستمر في البحث، وأن لا يتوقف حتى يكشف عن الحقيقة. كان يشعر بأن هذه القضية تتعلق ليس فقط بعلاقة أحمد بندى، بل بتاريخ عائلته بأكملها.
في المساء، عادت ندى وأحمد إلى المنزل، وهما يحملان معهما صندوق الأسرار. جلسوا مع والدي ندى، وحكوا لهما ما حدث.
نظر السيد أحمد، والد ندى، إلى الصندوق، ثم إلى ندى وأحمد. "يبدو أن هناك أموراً قديمة يجب أن نفهمها."
"ولكن، يا والدي، ما معنى كل هذا؟" سألت ندى.
"لا أعرف يا ابنتي. ولكن، من هذه الأوراق، يبدو أن والد أحمد كان يبحث عن شيء ما، وكان هناك من يحاول إيقافه." قال السيد أحمد.
"ولكن، من هو هذا الشخص؟ ومن هي 'شركة الأفق المشرق'؟" سأل أحمد.
"هذه هي الأسئلة التي يجب أن نجد لها إجابات." قال السيد أحمد. "غداً، سنتواصل مع بعض المحامين، ونحاول البحث عن معلومات حول هذه الشركة، وعن اسم السيد فؤاد."
كانت ندى تشعر ببعض الراحة لوجود عائلتها بجانبها، ولكنها كانت لا تزال تشعر بقلق عميق. هل كانوا على وشك اكتشاف سر كبير؟ سر قد يغير كل شيء؟
نهاية الفصل تتركنا في حالة ترقب. ما هي الحقيقة التي كان والد أحمد يحاول كشفها؟ وهل ستؤثر هذه الاكتشافات على علاقة ندى بأحمد، وعلى مستقبل عائلتيهما؟