يوم بلا أخطاء الجزء الثاني
خيط الحقيقة: لقاء مع الماضي
بقلم وليد المرح
في مساء اليوم نفسه، بعد أن أدت صلاة المغرب، اتصل أحمد بعمه الحاج محمود، ودعاه لزيارة منزلهم في أقرب وقت. كان الحاج محمود، الرجل ذو القلب الكبير والعقل الراجح، قد اعتاد على هذه الدعوات المفاجئة، والتي غالباً ما تحمل أخباراً هامة.
عندما وصل الحاج محمود، استقبله الشيخ سليمان وأحمد بترحيب حار. جلسوا جميعاً في الديوان، حيث الهدوء يعم المكان، والإضاءة الخافتة تزيد من أبهة المكان. بعد تبادل التحيات والاطمئنان على الأحوال، أشار الشيخ سليمان إلى الكتاب القديم الذي كان لا يزال على الطاولة.
"أبا فيصل،" بدأ الشيخ سليمان، مخاطباً أخاه بالكنية، "لقد اكتشفنا اليوم أمراً جللاً، أمراً يتعلق بتاريخ عائلتنا، وبماضينا الذي ربما لم نكن نفهمه على حقيقته."
نظر الحاج محمود إلى الكتاب بفضول، ثم إلى وجهي أخيه وابن أخيه، ولاحظ القلق الظاهر عليهما. "ما هو الأمر يا أخي؟ يبدو أن الأمر خطير."
"إنه كذلك." أجاب الشيخ سليمان، ثم بدأ في سرد القصة التي رواها لأحمد. روى له عن الحاج يوسف، وعن الاتفاق المشبوه، وعن قطعة الأرض التي تم التخلي عنها، وعن الدليل الذي تركه الحاج يوسف.
استمع الحاج محمود بانتباه شديد، ولم يقاطعهما إلا ببعض الأسئلة الهادئة التي كانت تعكس فهمه العميق للأمور. عندما انتهى الشيخ سليمان من السرد، تنهد الحاج محمود بعمق.
"لقد كنت أخشى دائماً أن يكون هناك شيء يخفيه جدي الحاج يوسف." قال بصوت فيه حزن. "كانت هناك دائماً همسات، وقصص غير مكتملة. والآن، يبدو أن الغموض بدأ يتلاشى، ليكشف عن ظلام لم نتخيله."
"هذا الاتفاق، يا أبي فيصل،" قال أحمد، "ربما يكون هو السبب في المشاكل التي واجهتها عائلتنا عبر السنين. وربما يكون هذا الشيء المدفون هو المفتاح لحل هذه المشاكل، أو ربما بداية لمشاكل أكبر."
"والمنظمة التي عقد معها الحاج يوسف هذا الاتفاق،" أضاف الحاج محمود، "هل لديها أي هوية واضحة في هذه المذكرات؟"
"لم يذكر الاسم صراحة،" أجاب الشيخ سليمان، "لكن الوصف والسياق يشيران إلى أنها جهة قوية، ذات نفوذ، وتسعى للسيطرة. ربما كانوا يطمعون في شيء أكثر من مجرد الأرض."
"وماذا عن الدليل؟" سأل الحاج محمود، وأشار إلى الكتاب. "هل هناك ما يساعدنا في تحديد مكان هذا الشيء المدفون؟"
"نعم، هناك رموز ونقوش غريبة،" قال أحمد، وهو يفتح الكتاب. "لقد قضيت ساعات أحاول فهمها، لكنها تبدو وكأنها لغة سرية."
جلس الحاج محمود، وأخذ الكتاب بين يديه، وتصفحه بعناية. خبرته الطويلة في قراءة المخطوطات القديمة، و معرفته بالتاريخ الإسلامي، قد تكون مفتاحاً لحل هذا اللغز.
"هذه الرموز…" تمتم الحاج محمود، "تشبه إلى حد كبير النقوش التي كانت تستخدمها بعض الجماعات السرية في العصور الوسطى. قد تكون مرتبطة بالخرائط القديمة، أو بالأبراج الفلكية."
"هل تعتقد أننا نستطيع فكها؟" سأل أحمد، وعيناه تتوهجان بالأمل.
"قد نحتاج إلى وقت، وجهد. لكن كل شيء ممكن بإذن الله. الأهم الآن، هو أن نفهم خطورة الوضع. إذا كانت هذه المنظمة لا تزال موجودة، وتطالب بما تركه الحاج يوسف، فهذا يعني أنهم يراقبوننا، أو أنهم على علم بأننا على وشك اكتشاف هذا الأمر."
"وهذا ما يقلقني بشأن سارة وعائلتها." قال الشيخ سليمان. "نحن نعرف أن الحاج إبراهيم، والد سارة، كان له علاقة عمل بالحاج يوسف. ربما يكون على علم بشيء، أو ربما يكون هدفاً لهم أيضاً."
"بالتأكيد." قال الحاج محمود. "علاقتك بسارة يا أحمد، هي الآن أكثر من مجرد حب. إنها مسؤولية. يجب أن نحميها، وأن نحمي عائلتها. وعلينا أن نكون حذرين في كل تحركاتنا. لا نعلم من قد يكون جاسوساً، أو من قد يكون مرتبطاً بهذه المنظمة."
شعر أحمد بوطأة المسؤولية تثقل كاهله. لم تكن علاقته بسارة مجرد ارتباط شخصي، بل أصبحت الآن مرتبطة بمستقبل العائلة بأكملها، وربما بالعديد من الأسرار المظلمة.
"ماذا نفعل الآن؟" سأل أحمد.
"أولاً،" قال الحاج محمود، "علينا أن نواصل البحث في هذا الكتاب. كل كلمة، كل رمز، قد يحمل مفتاحاً. ثانياً، سنذهب غداً لزيارة الحاج إبراهيم، ونحاول فهم مدى معرفته بهذه الأمور. ولكن، يجب أن نذهب بحذر، دون أن نثير شكوكه، أو نكشف له عن كل ما نعرفه."
"وهل سنخبر سارة؟" سأل أحمد، وبصوت متردد.
"ليس الآن يا بني." أجاب الحاج محمود. "إلى أن نفهم الوضع بشكل كامل. نريد أن نحميها، وليس أن نثير قلقها. عندما تتضح الصورة، سنقرر ما هو الأفضل. لكن تأكد، يا أحمد، أننا سنواجه هذا الأمر معاً. نحن عائلة، وسنقف يداً بيد."
شعر أحمد براحة غريبة. وجود عمه بجانبه، مع والده، أعطاه قوة. لقد كان على وشك خوض معركة، لكنه لم يعد وحيداً.
"سأقوم ببعض الأبحاث إضافية حول الجماعات السرية التي كانت نشطة في تلك الحقبة." قال أحمد. "ربما أجد ما يربط بين هذه الرموز وتاريخهم."
"عمل جيد يا بني." قال الحاج محمود. "وإذا وجدت أي شيء، فأخبرنا على الفور. علينا أن نكون سباقين. الأيام القادمة ستكون حاسمة."
وبينما كان الحاج محمود يستعد للرحيل، نظر إلى الشيخ سليمان وقال: "أتذكر قصصاً قديمة عن جدنا الحاج يوسف، عن ثرائه المفاجئ، وعن بعض تبرعاته الكبيرة لجهات غامضة. ربما كانت هذه التبرعات هي ما دفعهم لنسيانه، أو ربما كانت مجرد جزء من اتفاق أكبر."
"هذا ما أخشاه." قال الشيخ سليمان. "أن نكون قد ورثنا مشكلة لم نحلها، بل تركناها تتفاقم."
غادر الحاج محمود، تاركاً وراءه جواً من التصميم المشترك. كان منزل آل الهاشمي يضيء في ليل القدس، ليس فقط بنوره، بل أيضاً بوطأة الأسرار التي بدأت تتكشف. أحمد، في غرفته، لم يستطع النوم. فتح كتابه القديم مرة أخرى، وبدأ في دراسة الرموز، وهو يعلم أن خيط الحقيقة قد بدأ يتكشف، وأن خيوطه تقوده إلى مستقبل غامض، ولكن بالتأكيد، لن يكون يوماً بلا أخطاء.