يوم بلا أخطاء الجزء الثاني

وجه في الظل

بقلم وليد المرح

في صباح اليوم التالي، استيقظ فارس على صوت زقزقة العصافير، وكأنه إيقاع موسيقي جديد يعزف لحياة متجددة. الشمس تسللت من بين ستائر الغرفة، لتوقظه بنورها الدافئ. شعر بخفة لم يعهدها منذ فترة طويلة، خفة أتت بعد ليلة مليئة بالتساؤلات، وبالاكتشافات.

كان يتذكر تلك الكلمات الأخيرة في المفكرة، تلك الرسالة الحديثة التي بدت وكأنها كُتبت له خصيصاً. "الشيخ عبد الرحمن". اسم يثير في نفسه مزيجاً من الاحترام والدهشة. كان الشيخ عبد الرحمن، بوقاره وهيبته، رمزاً للعلم والتقوى. كيف يمكن أن يكون قد ترك له رسالة، بعد وفاته؟ هل كان هناك خطأ في تاريخ المفكرة؟ أم أن هناك أمراً آخر لا يفهمه؟

قرر فارس أن يبدأ يومه ببعض التأمل. جلس في حديقة المنزل، تحت شجرة الزيتون الكبيرة، التي كانت شاهدة على الكثير من لحظاته السعيدة والحزينة. تناولت يده كتاباً صغيراً، كان قد وجده أيضاً في الصندوق، كان كتاباً دينياً، يحوي أدعية وأوراداً. لم يكن من النوع الذي يقرأه عادة، لكنه شعر بحاجة ماسة إلى الاستعانة بالله.

"يا رب، يا من خلقتني، وعلمتني، وأعلم ما لا أعلم. يا من تسمع ندائي، وتجيب دعائي. افتح لي أبواب رحمتك، وأرشدني إلى طريق الحق. إنني أبحث عن 'يوم بلا أخطاء'، فلا تخيب رجائي."

كانت أميرة قد جهزت له الفطور، وأعدت له كوباً من الشاي الأخضر. وجدها تنتظره بابتسامة هادئة.

"صباح الخير يا فارس. أراك مستيقظاً مبكراً اليوم. يبدو أن المفكرة قد أعطتك بعض الأمل."

"صباح النور يا أميرة. نعم، لقد كانت رحلة غريبة في عالم آخر. لكنني أشعر بأنني على وشك اكتشاف شيء مهم."

"والله يعينك يا حبيبي. المهم أن لا تستسلم، وأن تثق بنفسك، وبقدراتك."

"ولكن، ماذا لو كانت الأخطاء هي جزء لا يتجزأ من رحلة الحياة؟ ماذا لو كان السعي نحو الكمال مجرد وهم؟"

"الكمال لله وحده يا فارس. أما نحن، فبشر، نخطئ ونتعلم. الأهم أن نكون صادقين مع أنفسنا، ومع الله. وأن نسعى دائماً لأن نكون أفضل من أمس."

بعد فطوره، عاد فارس إلى مكتبه. فتح الصندوق الخشبي مرة أخرى، وبدأ يتفحصه بدقة أكبر. كان هناك المزيد من الأشياء في داخله، أشياء لم يلتفت إليها من قبل. كانت هناك رسائل قديمة، ومستندات، وصور.

وجد رسالة موجهة إليه، بخط واضح، لكنه ليس خط الشيخ عبد الرحمن. كانت تحمل توقيع شخص يدعى "عمران".

"عزيزي الأستاذ فارس،" بدأت الرسالة. "لقد علمت أنك قد عثرت على مفكرة جدي، الشيخ عبد الرحمن. أنا حفيده، عمران. لقد ترك لي وصية، بأن أقدم لك هذه المذكرات، وأن أساعدك في فهمها، وفي إكمال رسالتها. جدي كان يؤمن بأن لديك القدرة على نشر رسالة 'يوم بلا أخطاء' للعالم. وأنا هنا لأعينك على ذلك."

شعر فارس بأن عقله قد امتلأ بالأسئلة. "حفيد؟ الشيخ عبد الرحمن له أحفاد؟ ولماذا لم أعلم بهذا من قبل؟"

"لقد كان جدي رجلاً غامضاً، يحب أن يعيش في هدوء. بعد وفاته، قررت أن أحافظ على خصوصيته، ولم أتحدث عن عائلتنا كثيراً. لكن هذه المرة، الأمر مختلف. أعتقد أن ما بدأه جدي، يجب أن يكتمل."

"لكن... كيف؟ وكيف لي أن أثق بك؟" سأل فارس.

"الثقة تبنى بالأفعال يا أستاذ فارس. يمكنك أن تأتي لزيارتي، لنلتقي في مكان عام، حيث يمكنك أن تطرح كل أسئلتك، وأن ترى بنفسك. أنا موجود في المدينة، وأعمل في مكتب محاماة. رقمي موجود في نهاية الرسالة."

نظر فارس إلى الرسالة مرة أخرى. كان الاسم "عمران" يتردد في ذهنه. هل هذا هو الشخص الذي كان يراسله؟ هل هذا هو "المساعد" الغامض؟

"أميرة،" نادى فارس زوجته. "هل يمكن أن أطلب منك خدمة؟"

"بالتأكيد يا حبيبي. ما هي؟"

"هل يمكنك أن تبحثي لي عن مكتب محاماة اسمه 'مكتب عمران للمحاماة'؟"

ابتسمت أميرة. "بالتأكيد. سأبحث لك الآن."

وبينما كانت أميرة تبحث على جهازها اللوحي، كان فارس يقلب في الصندوق مرة أخرى. وجد صورة قديمة، صورة تجمع بين الشيخ عبد الرحمن، ورجل آخر، كان يبدو في منتصف العمر. كان الرجل الآخر يبتسم ابتسامة واسعة، وكان يرتدي ملابس فاخرة.

"من هذا الرجل؟" تساءل فارس.

ثم، لفت انتباهه شيء في زاوية الصورة. كانت هناك ورقة صغيرة، مطوية بإحكام، يبدو أنها كانت مخبأة خلف الصورة. فتحها بحذر. كانت عبارة عن عقد قديم، مكتوب بلغة قانونية. لم يفهم كل تفاصيله، لكنه لمح اسم "الشيخ عبد الرحمن"، واسم شركة كبيرة.

"هل كان جدي يعمل في التجارة؟" تساءل عمران، الذي كان قد وصل إلى مكتب فارس دون استئذان، بناءً على طلب من أميرة.

تفاجأ فارس بدخول عمران. "أهلاً بك يا سيد عمران. تفضل."

"شكراً لك. لقد رأيتك مشغولاً، فقلت أن أتي وأرى ما هي المشكلة."

"كنت أتأمل هذه الصورة، وهذا العقد. هل لك علاقة بهما؟"

نظر عمران إلى الصورة والعقد. ارتسمت على وجهه علامات دهشة، ثم ابتسامة خفيفة. "هذا هو جدي، ورجل الأعمال المعروف، السيد 'وليد'. لقد كانا صديقين قديمين. وهذا العقد... أعتقد أنه يتعلق بشراكة قديمة بينهما."

"شراكة؟" تكرر فارس. "لكن... لم يذكر جدي شيئاً عن هذه الشراكة في مذكراته."

"كما قلت لك، جدي كان غامضاً. وربما كانت هناك أشياء لم يرغب في البوح بها. لكنني، بعد وفاته، اكتشفت الكثير من الأسرار. وربما تكون هذه الشراكة، أو ما نتج عنها، هي سبب ما مررت به من صعوبات."

"صعوبات؟" سأل فارس. "هل تقصد... 'الأخطاء'؟"

"ربما. العالم مليء بالمفاجآت يا أستاذ فارس. والمفاجآت ليست دائماً سعيدة. لكن، ربما تكون هذه هي فرصة لك، لتكتشف الحقيقة، ولتضع الأمور في نصابها الصحيح. 'يوم بلا أخطاء' لا يعني فقط أن تكون أنت بلا أخطاء، بل أن تسعى لتصحيح الأخطاء التي حدثت، حتى لو لم تكن أنت من ارتكبها."

نظر فارس إلى عمران. كانت عيناه تحملان بريقاً من الذكاء، ولمسة من الحزن. شعر بأن هذا الرجل، الذي لم يعرفه إلا منذ دقائق، يحمل مفتاحاً للكثير من الأسرار.

"أعتقد أننا سنعمل معاً في هذا المشروع." قال فارس.

"بالتأكيد. وجدي، أعتقد، كان يعتمد على ذلك. وسأبدأ الآن، بمساعدتك في فهم هذا العقد، وفي الكشف عن أسرار هذه الشراكة."

بينما كان عمران ينحني ليتفحص العقد، لم يكن فارس يدري ما الذي ينتظره. هل ستكون هذه الشراكة هي السبب في كل مشاكله؟ أم أنها ستكون هي مفتاح الخلاص؟

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على الغرفة. وبدأت قصة "يوم بلا أخطاء" تأخذ منحى جديداً، منحى لم يكن فارس يتوقعه أبداً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%