يوم بلا أخطاء الجزء الثاني
شبح الماضي
بقلم وليد المرح
انكب عمران على العقد القديم، وعيناه تتبعان سطوره بدقة بالغة. كان فارس يراقبه، يشعر بأن الهواء في الغرفة قد أصبح أثقل. كان هذا العقد، الذي يعود لسنوات طويلة، يبدو كأنه بوابة زمنية، تفتح أبواباً لأسرار مدفونة.
"هذا العقد،" بدأ عمران، وهو يمرر إصبعه على النص المكتوب بحبر بهت، "يتعلق بشركة عقارية. يبدو أن جدي، الشيخ عبد الرحمن، كان قد استثمر مبلغاً كبيراً فيها، بالاشتراك مع السيد وليد."
"ولكن... كيف؟ جدي كان رجل دين. لم يكن معروفاً بالاستثمار في العقارات." قال فارس، وقد علامات الدهشة لا تزال تكسو وجهه.
"كما قلت لك، جدي كان له جوانب خفية في حياته. ربما كان يريد أن يضمن مستقبلاً أفضل لعائلته، أو ربما كان هناك سبب آخر. لكن الأهم هنا، هو أن جدي كان قد وضع شرطاً في العقد."
"ما هو هذا الشرط؟" سأل فارس بلهفة.
"كان الشرط يتعلق بإدارة الشركة. كان ينص على أن الأرباح يجب أن توزع بنسبة متساوية، وأن أي قرار كبير يجب أن يتخذ بموافقة الطرفين. وأن أي خلاف، يجب أن يُحل بالطرق السلمية."
"هذا يبدو منطقياً." علق فارس.
"لكن،" تابع عمران، وهو يرفع نظره عن العقد، "يبدو أن الأمور لم تسِر على هذا النحو. هناك ملاحق إضافية هنا، تظهر أن السيد وليد قد قام ببيع جزء من أصول الشركة دون علم جدي، وحقق أرباحاً طائلة. وهذا مخالف للشرط الأساسي في العقد."
شعر فارس بصدمة. "هل هذا يعني أن السيد وليد قد خان ثقة جدي؟"
"يبدو ذلك. والأكثر إثارة للاهتمام، هو أن هناك بنداً آخر في الملاحق، ينص على أن في حال حدوث أي خرق للعقد، فإن حصة جدي من الأرباح، ستضاعف وتُسلم إلى الوريث الشرعي، في حال إثبات الخرق."
"وهل أثبت الخرق؟" سأل فارس، وقلبه يدق بسرعة.
"هذا هو السؤال. لا يوجد ما يشير إلى أن الخرق قد تم إثباته في ذلك الوقت. ولكن، أعتقد أن هذا هو السبب في أن جدي قد ترك هذه المذكرات. ربما كان يحاول أن يجمع الأدلة، أو أن يعدل للوريث الشرعي."
"لكن... أليس الوريث الشرعي هو أنت؟"
"بالفعل. لكن، عندما بدأت أبحث عن هذه الأمور، اكتشفت شيئاً غريباً. يبدو أن هناك دعوى قضائية قد رُفعت ضد السيد وليد، قبل سنوات، من قبل شخص آخر. شخص يدعى... 'فارس'."
جحظت عيناك فارس. "ماذا؟ أنا؟"
"نعم، اسمك هو فارس. وكانت الدعوى تتعلق بنفس الشراكة، وبنفس الخروقات. لكن، الدعوى قد تم سحبها فجأة، دون معرفة الأسباب."
شعر فارس بأن الأرض قد تدور به. "لا أذكر شيئاً عن هذا. لم أرفع دعوى قضائية قط."
"لا تقلق. ربما حدث ذلك في وقت كنت فيه صغيراً، أو ربما كان هناك شخص آخر يحمل اسمك."
"ولكن، هذا مستحيل. أنا الوحيد الذي أعرفه بهذا الاسم."
"هذا هو الغريب. لكن، هناك شيء آخر. هذه الدعوى القضائية، تم سحبها بعد وقت قصير من بدء كتابتك الأولى، 'شمس لا تغيب'."
ارتعش فارس. "شمس لا تغيب"! كتابه الأول، الذي حقق نجاحاً كبيراً، لكنه كان سبباً في الكثير من الضغوط عليه. "ولكن... كيف؟"
"يبدو أن هناك علاقة خفية بين هذه القضايا. ربما كان السيد وليد، أو من يعمل معه، قد حاولوا إسكاتك، أو ربما حاولوا الوصول إليك بطريقة ما."
"ولكن، لماذا؟ وما علاقة هذا بـ 'يوم بلا أخطاء'؟"
"ربما 'يوم بلا أخطاء' هو ليس مجرد كتاب، بل هو رمز. رمز لعدم وجود أخطاء في الماضي، أو رمز لتصحيح الأخطاء التي حدثت. وربما، كل هذه الأمور، هي محاولة لإيقافك عن كشف الحقيقة."
جلس فارس وهو يشعر بالثقل. كل شيء بدأ يتضح، لكن بطريقة مرعبة. "هل هذا يعني أن فشلي في كتابة 'يوم بلا أخطاء' كان بسبب كل هذا؟ أن كل هذه الضغوط، هي محاولة لإسكاتي؟"
"هذا محتمل جداً. يبدو أن السيد وليد، أو من يخلفه، قد شعروا بأنك تقترب من كشف الحقيقة، وأنك ستعود لكتابة عمل يتحدث عن الأخطاء، وعن الظلم. ولذلك، حاولوا عرقلتك."
"لكن... من هو السيد وليد الآن؟ هل ما زال على قيد الحياة؟"
"بحسب معلوماتي، السيد وليد قد توفي منذ سنوات. لكن، لديه ابن، يدعى 'زياد'. وهو يدير الشركة الآن. ويبدو أنه يتمتع بنفس الطموح، وربما بنفس القسوة."
"زياد وليد..." تمتم فارس. "ربما هذا هو 'المساعد' الغامض الذي تواصل معي. ربما هو من يضع أمامي العقبات، ويدعي أنه يساعدني."
"هذا أمر محتمل جداً. فكثير من الأشخاص يحاولون التلاعب بالآخرين، لخداعهم، وللحفاظ على مصالحهم. لكن، جدي، كان حكيماً. وترك لك الأدلة."
"لكن، كيف لي أن أثبت كل هذا؟ وكيف لي أن أواجه زياد وليد؟"
"بالأدلة التي لدينا. العقد، والملاحق، ورسائل جدي. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن هناك شخصاً آخر، قد يكون شاهد عيان، أو لديه معلومات إضافية. شخص كان يعمل مع جدي، وربما شهد على كل ما حدث."
"من هو؟"
"اسمه 'سعيد'. لقد عمل كسكرتير لجدي لسنوات طويلة. ويعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة، ويعيش في مكان قريب."
شعر فارس بأن أملاً جديداً قد بزغ في قلبه. "إذاً، نحن بحاجة إلى العثور على السيد سعيد."
"بالتأكيد. وسأبدأ بالبحث عنه فوراً. ولكن، قبل ذلك، يجب أن نفهم شيئاً مهماً. لماذا ترك جدي هذه المذكرات لك؟ ولماذا أرسل لك الرسالة الحديثة؟"
"ربما لأنه رأى فيّ، أو في كتاباتي، ما يذكره بنفسه. ربما رأى فيّ روحاً تبحث عن العدل، وتبحث عن الحقيقة."
"أو ربما، لأنه أراد أن يعطيك فرصة، فرصة لتعويض ما لم يستطع هو فعله. فرصة لتصحيح الأخطاء، ولتحقيق 'يوم بلا أخطاء' حقيقي."
نظر فارس إلى عمران، وشعر بالامتنان. لقد كان هذا الشاب، الذي لم يعرفه إلا مؤخراً، أشد وفاءً لجده ولأمانته.
"سنواجه زياد وليد." قال فارس بحزم. "وسنكشف الحقيقة. ولن ندع هذه الأخطاء، تدمر حياتنا، أو حياة الآخرين."
"هذا هو روح 'يوم بلا أخطاء' يا أستاذ فارس." ابتسم عمران. "ولكن، يجب أن نكون مستعدين. فالأعداء قد يكونون أقوياء، وماكرين."
كانت الشمس قد اختفت تماماً خلف الأفق. وبدأت الظلال تزداد كثافة. شعر فارس بأن المعركة قد بدأت للتو. معركة بين الخير والشر، بين الحقيقة والكذب، بين الماضي والحاضر.