يوم بلا أخطاء الجزء الثاني

زلة اللسان التي هزت أركان البيت

بقلم وليد المرح

كانت رائحة قهوة الصباح الزكية تفوح من مطبخ بيت الحاج عبد الرحمن، معلنةً عن بداية يوم جديد، لكن في نفوس بعض سكانه، كان الصباح يحمل معه أثقال الأمس. جلست فاطمة، زوجة الحاج، على مائدة الطعام، ووجهها يشع بقلق دفين، تتظاهر بالهدوء، لكن قلبها كان يقرع طبول الإنذار. بجانبها، كان أحمد، الابن الأكبر، يرتشف قهوته بصمت، عينيه زائغتين، وكأنما يبحث عن إجابات في فنجانه الفارغ. كان أحمد، الشاب الطموح الذي طالما افتخر به والده، يمر بفترة عصيبة، ضغوط العمل المتزايدة، وديون قديمة بدأت تطارده كظلال الشر.

انضم إليهما الحاج عبد الرحمن، رجلٌ ممتلئ بالوقار، لكن عينيه الطيبتين لم تخطئا الشحوب الذي يعتري وجه ابنه. "صباح الخير يا بني، هل أنت بخير؟ تبدو شاحبًا اليوم." سأل بصوتٍ هادئ، لكنه كان كافيًا ليجعل قلب أحمد يخفق بعنف.

"بخير يا أبي، مجرد قليل من الأرق. ضغوط العمل لا تنتهي." أجاب أحمد، محاولًا رسم ابتسامة باهتة على وجهه.

لم تقتنع فاطمة. كانت تعرف ابنها كباطن كفها. رأت في عينيه ما هو أعمق من ضغوط العمل. كانت قد لاحظت في الأيام الأخيرة سلوكياته المتغيرة: سهراته المتأخرة، اختفاؤه المفاجئ، وعبارات غامضة كان يطلقها بين الحين والآخر. شعورٌ غريب بالخوف بدأ يتسلل إلى روحها.

في ذلك اليوم، كان من المقرر أن يجتمع الحاج عبد الرحمن بأحمد لمناقشة بعض الأمور المالية الهامة المتعلقة بمشروع تجاري مشترك كانوا يخططون له. كان المشروع يمثل أملًا كبيرًا للحاج، فرصة لتوسيع أعماله وضمان مستقبل أفضل لعائلته. ولكن، قبل أن يصل أحمد إلى مكتب والده، تلقى اتصالًا هاتفيًا جعله يرتعش. كان صوتٌ خشنٌ من الطرف الآخر يطالبه بمبلغٍ متزايد، يهدده بكشف أسراره.

"لا أملك شيئًا الآن. أعطني مهلة." كان صوت أحمد مختنقًا، يرتجف من الخوف.

"المهلة انتهت يا أحمد. إذا لم تدفع الليلة، ستعرف ما سيحدث. أسرارك أصبحت على كل لسان." كان الرد قاسيًا، قاطعًا.

أغلق أحمد الخط، وشعر بأن العالم ينهار من حوله. كيف وصل إلى هذا الحد؟ كانت مجرد "قرض" صغير، قال لنفسه في البداية، لتغطية بعض النفقات الطارئة. لكن سرعان ما تحول هذا القرض إلى وحشٍ جشعٍ يلتهم كل ما يملك. كان قد استدان من أشخاصٍ لا يعرفون للرحمة طريقًا، وبدأ يبيع ما يملك ببطء، يبتعد عن عائلته، يخفي عينيه عن والده.

وصل أحمد إلى مكتب والده، وكان الحاج عبد الرحمن ينتظره بابتسامةٍ دافئة. "تعال يا بني، اجلس. أريد أن نتحدث عن تفاصيل المشروع."

جلس أحمد، وقلبه يدق بعنف. كان يرى في وجه والده البراءة والأمل، وكان هذا يضاعف من شعوره بالذنب. بدأ الحاج عبد الرحمن يتحدث بحماس عن خططه، عن الأرباح المتوقعة، عن كيف سيحقق هذا المشروع أحلامهم. كل كلمة كانت تزيد من ثقل ما يخفيه أحمد.

"يا أبي... أنا..." بدأ أحمد، لكنه توقف. كيف سيبدأ؟ كيف سيخبر والده بأنه قد ورطه في مشروعٍ ما، وأن سمعته وسمعة العائلة أصبحت على المحك بسبب تهوره؟

"ما بك يا بني؟ هل أنت متعب؟" سأل الحاج بقلق.

"لا يا أبي، الأمر... الأمر خطير." لم يستطع أحمد كتمان الحقيقة أكثر. شعر بأن روحه على وشك الانفجار.

"ما هو الخطير يا أحمد؟ تكلم."

"لقد... لقد استدنت الكثير من المال يا أبي. لأسباب... لا أريد تذكرها الآن. وهؤلاء الأشخاص... يطالبونني بها الآن. وبفوائد... تفوق قدرتي على السداد." كانت الكلمات تخرج منه متقطعة، كأنها تلتصق بحنجرته.

صمت الحاج عبد الرحمن. كان وجهه الصبوح قد اكتسى بمسحة من الذهول، ثم تحول إلى غضبٍ مكتوم. "استدنت؟ من؟ وكيف؟ وأين ذهب هذا المال؟"

"كنت... كنت أحاول أن أحقق بعض الاستثمارات الخاصة يا أبي، لتكبير مدخراتي... لكن الأمور لم تسر كما خططت. واستلفت من... أشخاصٍ... ليسوا بالجيدين."

"ليس بالجيدين؟ هل تعني... أصحاب الشبهات؟" سأل الحاج بصوتٍ مرتفع، بدأت ملامحه تشتعل بالغضب.

"نعم يا أبي." أجاب أحمد بصوتٍ خافت، وعيناه في الأرض.

"وما هي هذه المبالغ؟"

"كثيرة يا أبي. أكثر مما تملك... أكثر مما نملك جميعًا."

كانت تلك الجملة كالصاعقة. نظر الحاج عبد الرحمن إلى ابنه، لم يصدق ما يسمعه. أحمد، ابنه النجيب، الذي طالما كان فخره، قد وضعهم جميعًا في هذا المأزق. شعر بقلبه ينقبض، وبأن الأرض تميد به. "كيف فعلت هذا يا أحمد؟ كيف سمحت لنفسك بالوقوع في هذا الفخ؟ ألم تعلم عواقب هذه الأمور؟"

"لقد أخطأت يا أبي. أخطأت كثيرًا. أرجوك... ساعدني." كانت دموع أحمد قد بدأت تتساقط على وجهه، دموع ندمٍ حقيقي.

نهض الحاج عبد الرحمن من كرسيه، وكان يمشي ذهابًا وإيابًا في مكتبه، يمسك برأسه. "أسف؟ اعتذارك لا يكفي يا أحمد. لقد هززت ثقتي بك، بل ووصلت إلى أبعد من ذلك، لقد وضعت أمن عائلتنا في خطر."

في هذه اللحظة، فتحت فاطمة باب المكتب، وقد جاءت تبحث عن زوجها وابنها. سمعت آخر كلمة قالها الحاج، ورأت دموع أحمد. فهمت أن المصيبة قد حلت بهم. "ماذا حدث؟" سألت بصوتٍ مرتعش.

لم يرد الحاج. نظر إليها، وكان في عينيه مزيجٌ من الحزن والغضب. "أحمد... لقد ورطنا. ورط نفسه وورطنا معه."

صدمت فاطمة. حاولت أن تفهم، لكن الكلمات كانت تتشابك في ذهنها. "كيف؟ ماذا فعل؟"

"استدان المال من جهاتٍ مشبوهة، والآن يطالبونه بها." قال الحاج، وبدأ صوته يتكسر.

جلست فاطمة على أقرب كرسي، وشعرت بالدوار. حياتهم الهادئة، المبنية على الشفافية والصدق، قد اهتزت بعنف. كان أحمد، الذي لطالما اعتمدوا عليه، قد أصبح مصدر قلقهم الأكبر.

"وماذا سنفعل الآن؟" سألت بصوتٍ بالكاد يُسمع.

"لا أعرف." قال الحاج، وانتهى به الأمر جالسًا على كرسيه، شارداً. "لا أعرف كيف سنخرج من هذه الورطة."

كانت تلك اللحظة نقطة تحول. لم تعد المشكلة مجرد "أخطاء" صغيرة عابرة، بل أصبحت أزمة حقيقية تهدد كيان العائلة. صمتٌ ثقيلٌ يخيم على المكتب، يتخلله صوت بكاء أحمد المكتوم، وصوت تنهدات الحاج عبد الرحمن، ونظرات فاطمة القلقة. هل هناك مخرج من هذا النفق المظلم؟ هل سيتمكنون من تجاوز هذه المحنة؟ أم أن "يوم بلا أخطاء" كان مجرد حلمٍ جميلٍ سرعان ما تبدد؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%