يوم بلا أخطاء الجزء الثاني

متاهة الماضي وأسرار لم تُكشف

بقلم وليد المرح

عاد الحاج عبد الرحمن إلى مكتبه، وجلسته المعتادة على الكرسي الوثير، لكن هذه المرة، كان المكتب لا يزال يحمل أثر الصدمة. كانت رائحة القهوة الباهتة تتداخل مع رائحة الورق القديم، وبدت الأرقام والحسابات المعلقة على الحائط كأنها تشهد على فشله. نظر إلى صور عائلته المعلقة، وجه أحمد الشاب المبتسم، وجه فاطمة الحنون، ثم وجه جدته العجوز، التي طالما كانت مصدر حكمته. وفجأة، استرعى انتباهه صورةٌ قديمة، صورةٌ لوالده، الرجل الذي لم يعرفه جيدًا، لكن قصصه كانت دائمًا تحوم حوله كغموضٍ لا ينتهي.

"لماذا تركتني يا أبي؟" تمتم الحاج عبد الرحمن، وقد غصت حلقه. كان يشعر بثقل المسؤولية، وبحجم الخطأ الذي وقع فيه ابنه.

لم تكن مشكلة أحمد مجرد ديونٍ مالية، بل كانت تمثل صدىً لأخطاءٍ قديمة، لأسرارٍ دفنت تحت رمال الزمن. كان الحاج عبد الرحمن يتذكر جيدًا كيف أن والده، رجل الأعمال الذي كان يتمتع بسمعةٍ طيبة، قد تعرض لضائقةٍ ماليةٍ قاسية في شبابه، دفعته إلى اتخاذ قراراتٍ متهورة، قادت في النهاية إلى انهياره. لم يكن الحاج يتمنى لابنه أن يسير على نفس الطريق.

وبينما كان الحاج يفكر، وصلته رسالةٌ عبر البريد الإلكتروني. كانت من محامٍ لم يكن يعرفه. فتح الرسالة بتردد، فإذا بها تتعلق بقضيةٍ قديمة، قضيةٍ رفعتها السيدة ليلى، زوجة أبيه، ضد تركة جده، مطالبةً بحقوقٍ معينة. شعر الحاج بالاستغراب، فزوجة أبيه لم تكن تبدي أي اهتمامٍ بالمسائل المالية منذ وفاة والده.

"لماذا الآن؟" تساءل الحاج، وقد انتابه شعورٌ بالريبة.

بدأت السيدة ليلى، المرأة التي لم يكن يراها إلا نادرًا، والتي لطالما أظهرت له فتورًا، تحاول التواصل معه بشكلٍ مباشر. كانت تريد لقاءً عاجلاً.

"أنا بحاجةٍ للتحدث معك يا عبد الرحمن. هناك أمورٌ هامة تتعلق بتركة جدك، ويجب أن نحسمها." قالت السيدة ليلى في مكالمةٍ هاتفية، وصوتها كان يحمل نبرةً غريبة، مزيجًا من الإلحاح والرسمية.

وافق الحاج عبد الرحمن على اللقاء، رغم شعوره بالقلق. كان يدرك أن السيدة ليلى لم تكن دائمًا على وفاقٍ مع والده، وأن علاقتها به كانت معقدة.

في المقابل، كان أحمد يحاول جاهدًا إيجاد حلولٍ لأزمته. لم يكن قادرًا على مواجهة والده مرةً أخرى. بدأ يتصل بأصدقاء قدامى، يبحث عن أي مساعدةٍ ممكنة. تذكر صديقه القديم، فؤاد، الذي كان يدرس معه في الجامعة، والذي كان دائمًا ما يتفاخر بعلاقاته المشبوهة.

"يا فؤاد، هل يمكنك مساعدتي؟ أنا في ورطةٍ كبيرة." قال أحمد في مكالمةٍ هاتفية.

"ما هي مشكلتك يا أحمد؟ لا تقلق، أنا دائمًا هنا للمساعدة." أجاب فؤاد، بصوتٍ ممتلئ بالثقة.

"لقد استدنت مبلغًا كبيرًا، والآن يطالبونني به، وأنا لا أملك ما يكفي."

"لا تقلق، لديّ بعض الأصدقاء الذين يمكنهم تقديم المساعدة. لكن... سيكون هناك ثمن." قال فؤاد، وضاحكًا ضحكةً غامضة.

شعر أحمد بالتردد. كان يعرف أن فؤاد ليس شخصًا موثوقًا به، لكنه كان في وضعٍ يائس. "ما هو الثمن؟"

"مجرد ترتيبٍ بسيط. ستحتاج إلى تنفيذ بعض الأمور لي. لا تقلق، كلها أمورٌ بسيطة."

"وما هي هذه الأمور؟"

"سأخبرك بها لاحقًا. الآن، أريد منك أن تثق بي."

قبل أحمد، مدفوعًا بالخوف واليأس. لم يدرك أنه كان يقع في فخٍ جديد، أكبر وأكثر خطورة.

في تلك الأثناء، كانت إيمان تحاول جاهدةً إقناع والدتها بالحديث مع السيد خالد، والدها. كان والدها يملك علاقاتٍ قوية في عالم المال والأعمال، وربما كان بإمكانه التدخل.

"يا أمي، أرجوكِ. حاولي أن تتحدثي مع أبي. إنهم في محنةٍ حقيقية." قالت إيمان، وعيناها مليئتان بالرجاء.

"ابنتي، والدك رجلٌ مشغولٌ جدًا. وقد لا يتقبل هذا النوع من الطلبات بسهولة." أجابت السيدة عائشة، مترددة.

"ولكن، إنهم عائلة الحاج عبد الرحمن. إنهم أناسٌ طيبون. أبي سيقدر هذا."

"سأحاول يا ابنتي. سأحاول." وعدت السيدة عائشة، وهي ترى الإصرار في عين ابنتها.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، التقى الحاج عبد الرحمن بالسيدة ليلى في قاعةٍ فسيحة بأحد الفنادق الفخمة. كانت السيدة ليلى تبدو أنيقةً ومحتشمة، لكن نظراتها كانت تحمل بريقًا حادًا.

"عبد الرحمن، أنا سعيدةٌ لرؤيتك." قالت السيدة ليلى، وهي تبتسم ببرود.

"وأنا أيضًا، سيدة ليلى. ماذا تريدين؟" سأل الحاج.

"أعلم أن لديك بعض المشاكل المالية، وأردت أن أقدم لك يد المساعدة. ولكن، قبل ذلك، يجب أن ننهي بعض الأمور المتعلقة بتركة والدك. هناك بعض الأموال التي لم يتم توزيعها بالشكل الصحيح، وأنا أرغب في استعادتها."

"أموال؟ أي أموال؟" سأل الحاج، وقد شعر بأن الأمور تزداد تعقيدًا.

"أموالٌ استثمرها والدك في مشاريعٍ لم تكتمل. وقد تضمنت حصتي." قالت السيدة ليلى، وهي تنظر إليه مباشرةً في عينيه.

كان الحاج عبد الرحمن يشعر بأن شيئًا غريبًا يحدث. لم يكن يتذكر أي استثماراتٍ كبيرة لوالده لم تكتمل. ولكن، كانت السيدة ليلى تبدو واثقةً جدًا من ادعائها.

"هل يمكنكِ توضيح الأمر أكثر؟" سأل الحاج.

"بالتأكيد. لديّ وثائقٌ تثبت ذلك. ولكن، قبل أن أعرضها عليك، أريد أن أتأكد من أنك مستعدٌ للتعاون معي."

"التعاون في ماذا؟"

"في حل مشكلتك، وفي استعادة حقوقي. كلانا لديه ما يخسره." قالت السيدة ليلى، وبدأت تبتسم ابتسامةً ماكرة.

كانت تلك المحادثة بدايةً جديدة من التعقيدات. بدت وكأن الماضي بدأ يلقي بظلاله على حاضرهم، وأن أسرارًا قديمة كانت على وشك الانكشاف. هل كانت السيدة ليلى على حق؟ وهل كان هناك المزيد من المشاكل المالية التي لم يكن الحاج عبد الرحمن يعرف عنها شيئًا؟ وبينما كان الحاج يشعر بضبابٍ يحيط به، كان أحمد يغوص أعمق في متاهةٍ جديدة، مدفوعًا بعلاقاته الخطيرة، وغافلًا عن الخطر الذي كان يحدق به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%