الجار المضحك
حفيف الأوراق ونبض المدينة
بقلم سعيد الضحكة
كانت الشمس قد بدأت لتوها ترسم خيوطها الذهبية الأولى على أسطح المنازل المترامية في حي "الزيتون" العريق، حين استيقظ "فارس" على صوت ضجيج لم يعهده في صباحات الجمعة الهادئة. لم يكن صوت الأذان، ولا همسات الباعة المتجولين، بل كان أشبه بزلزال صغير يهز أركان جاره الجديد. تحرك "فارس" ببطء من فراشه الوثير، واضعًا قدميه بحذر على السجاد المزخرف الذي ورثه عن جده. كان رجلاً في منتصف الثلاثينات، ذو بنية معتدلة، وعينين سوداوين نافذتين تخفيان عمقاً من الحكمة والهدوء. لم يكن من النوع الذي يتدخل في شؤون الآخرين، لكن صوت الفوضى القادم من الشقة المجاورة بدأ يثير فضوله وقلقه في آن واحد.
كان "فارس" قد انتقل إلى هذا الحي السكني الهادئ قبل بضعة أشهر، بعد أن استقر به الحال في وظيفته كمصمم معماري في إحدى الشركات المرموقة. كان يحلم دائمًا بالعيش في حي يجمع بين الأصالة والتطور، وهو ما وجده في "الزيتون" بمبانيه ذات الطراز القديم وأزقته الضيقة التي تعج بالحياة. قضى أيامه الأولى في نسج علاقات طيبة مع جيرانه، كان يسلم عليهم بابتسامة دافئة، ويشاركهم أحيانًا بعض الحلويات التي تصنعها والدته، فالعائلة هي الأهم دائمًا في نظره.
أطل "فارس" من نافذة غرفة نومه، متكئًا على عتبة النافذة المزينة بالنباتات الخضراء. رأى فوضى عارمة في شرفة جاره. أثاث مبعثر، أوانٍ مكسورة، وعدد من الأشخاص يتحركون بسرعة محمومة. كان الشاب الذي استأجر الشقة الجديدة، والذي لم يره "فارس" سوى مرات قليلة، يبدو في حالة يرثى لها. كان يرتدي ملابس غير مرتبة، وشعره أشعث، ويتحدث بصوت عالٍ ومليء باليأس، بينما يحاول أحدهم مساعدته في جمع أغراضه.
"ماذا يحدث يا ترى؟" تساءل "فارس" في نفسه. لم يكن من عادته الظهور المفاجئ، لكن صوت الاستغاثة الخفية في كلام جاره دفعه للتحرك. ارتدى ملابس رياضية بسيطة، وتناول مفاتيحه، وخرج من شقته متوجهًا إلى باب جاره. ترددت يده للحظة قبل أن يطرق الباب بخفة.
فتح الباب رجل في أواخر العشرينات، ذو وجه شاحب وعينين حمراوين. كان "طارق"، الشاب الذي يسكن الشقة المجاورة، يبدو عليه الإرهاق الشديد.
"السلام عليكم"، قال "فارس" بصوت هادئ وودود. "سمعت بعض الضوضاء، أرجو ألا أكون قد سببت إزعاجاً".
تلعثم "طارق" للحظة، ثم قال بصوت مكتوم: "وعليكم السلام. لا أبداً، العذر منا. مجرد بعض الظروف الطارئة".
لم يكن "فارس" مقتنعاً تماماً، لكنه لم يرد أن يضغط. "إذا كنت تحتاج أي مساعدة، فأنا هنا. اسمي فارس، وأسكن في الشقة المجاورة".
نظر إليه "طارق" بامتنان، ثم قال: "شكرًا جزيلًا. اسمي طارق. الحقيقة، أنا أواجه بعض المشاكل مع شقتي القديمة، وهذه بعض المتعلقات التي أحضرتها".
"هل كل شيء على ما يرام؟" سأل "فارس" بلطف، مدركاً أن "طارق" يخفي شيئاً.
تنهد "طارق" وقال: "لست متأكداً. يبدو أنني ارتكبت بعض الأخطاء في الماضي، والآن أواجه عواقبها".
لم يكن "فارس" يعرف كيف يرد. كان قد سمع عن قصص كهذه، لكنه لم يعشها بنفسه. قرر أن يكون لطيفاً وأن يقدم يد العون دون إلحاح.
"على أي حال"، قال "فارس" مبتسمًا، "إذا احتجت مساعدة في نقل الأثاث، أو أي شيء آخر، فلا تتردد في طرقي. يسعدني أن أكون عوناً".
"جزيت خيراً يا أخ فارس"، قال "طارق" بصدق، وبدأت ابتسامة خجولة ترتسم على وجهه.
عاد "فارس" إلى شقته، وشعر بشيء من القلق بشأن جاره الجديد. لم يكن يعرف الكثير عن "طارق"، لكنه شعر بنبرة صادقة في صوته. قرر أن يعطيه بعض المساحة، لكنه سيبقى على أهبة الاستعداد للمساعدة إذا احتاج إليها.
في تلك الأثناء، كانت "ليلى" تستعد ليومها في شقتها الواقعة في الطابق الثالث. كانت "ليلى" فتاة في بداية العشرينات، تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية. كانت تتمتع بشخصية مرحة وحيوية، وعينين واسعتين تلمعان بالذكاء. كانت تعيش مع والدتها الأرملة، وكانت تحرص دائمًا على إسعادها.
"صباح الخير يا أمي"، قالت "ليلى" وهي تدخل المطبخ، حيث كانت والدتها تعد إفطارًا شهيًا.
"صباح النور يا حبيبتي"، قالت الأم بابتسامة دافئة. "جهزت لكِ فطائر بالجبن، أعرف أنكِ تحبينها".
"يا لكِ من أم رائعة!" قالت "ليلى" وهي تحتضن والدتها. "لم أكن لأتحمل يومي بدون هذه الفطائر".
كانت "ليلى" تحب حي "الزيتون" جدًا. كانت تشعر فيه بالراحة والأمان، وتستمتع بالتجول في أزقته القديمة، والاستماع إلى أصوات الحياة المختلفة. كانت تحلم دائمًا بأن تجد شريك حياتها في هذا الحي، وأن تبني أسرة سعيدة، تمامًا كما كانت عائلتها.
بعد الإفطار، ودعت "ليلى" والدتها وتوجهت إلى المدرسة. كانت تخطط لتطبيق بعض الأنشطة الجديدة التي أعدتها لطلابها، وكانت متحمسة لرؤية ردود أفعالهم. كانت مهمتها كمعلمة مقدسة بالنسبة لها، وكانت ترى فيها فرصة لبناء جيل واعٍ ومثقف.
بينما كانت "ليلى" تمشي في الطريق، سمعت صوت ضحكات عالية قادمة من شرفة قريبة. ألتفتت نحو الصوت، ورأت "طارق" وهو يتحدث مع رجل عجوز يبدو أنه جاره. كان "طارق" يبدو أكثر راحة الآن، وكان يضحك ويتحدث بحيوية.
"سبحان الله"، تمتمت "ليلى" في نفسها. "يبدو أن أموره تحسنت".
نظرت "ليلى" إليه لفترة وجيزة، ثم واصلت طريقها، وقلبها يخفق قليلاً. كان "طارق" يبدو شابًا وسيمًا، رغم مظهره المتعثر في الصباح. ولكنها سرعان ما استعادت تركيزها، فالمدرسة تنتظرها.
لم يكن "فارس" يعلم أن حياته الهادئة على وشك أن تتغير بسبب جاره الجديد "طارق". ولم تكن "ليلى" تعلم أن لقاءً عابرًا في شرفات المنازل قد يمهد الطريق لقصة لم تكن تتخيلها. مدينة "الزيتون" بمبانيها القديمة وأهلها الطيبين، كانت على وشك أن تشهد فصلًا جديدًا من قصص الحب والمفاجآت.