الفصل 15 / 25

الجار المضحك

الفخ الذي نُسج حول سعيد

بقلم سعيد الضحكة

كانت نسمات الفجر الأولى تلفح وجنتي الأستاذة فاطمة وهي تقف أمام نافذة غرفتها، تنظر إلى الأفق حيث بدأت خيوط الشمس تنسج وشاحاً ذهبياً على السماء. لم تكن عيناها تلتقطان جمال المنظر بقدر ما كانت تبحثان عن إجابات. لقد مضت أيام منذ أن ألقت والدة سعيد، الحاجة زينب، بتلك الكلمات التي هزت أركان حياتها الهادئة. "ابني يريد الزواج، يا أستاذة. ويريد منكِ العون في إقناع والديه."

يا للعجب! سعيد، الشاب الذي كانت تراه دوماً طفلاً مشاغباً، تارةً يكسر قلمها، وتارةً يسرق آخر حبة حلوى من علبتها، أصبح الآن رجلًا يسعى لبناء عش الزوجية. والأعجب من ذلك، أنه يطلب مساعدتها هي، معلمته التي شهدت ميلاد وعيه وفهمه. لكن القلب لم يكن مطمئناً. الحاجة زينب، بذكائها الحاد وحدسها العميق، كانت قد لمحت شيئاً في عيني فاطمة لم تستطع هي نفسها إنكاره.

تنهدت فاطمة وأدارت ظهرها للنافذة. لقد حاولت جاهدة أن تتجاهل هذا الشعور المتردد الذي استقر في صدرها. لطالما آمنت بأن العلاقات الإنسانية تبنى على الاحترام والتقدير، وأن مشاعر الحب البريئة يجب أن تُصان وتُحمى. ولكن في حالة سعيد، كان الأمر يبدو أكثر تعقيداً. فقد كانت تعرف مدى التزام عائلته بالتقاليد، ومدى حرصهم على اختيار زوجة لابنهم تليق بمكانتهم الاجتماعية والدينية.

تذكرت حديثها الأخير مع سعيد. كان متحمساً، متوهج الوجه، يتحدث عن فتاة أحلامه بشغف. وصفها بأنها "ذات دين وخلق، تعين على طاعة الله، جميلة، وذات نسب طيب". كانت هذه هي مواصفات الزوجة الصالحة التي غرسها فيه والداه. لكنه لم يذكر اسمها. سألته فاطمة عن اسمها، فتردد ثم قال بابتسامة واسعة: "اسمها... قريب، يا أستاذة. قريباً جداً ستعرفين."

كان هذا الغموض هو ما أثار قلقها. لماذا يخفي اسمها؟ ألم يكن من المفترض أن تكون هذه الخطوة، وهي اختيار شريكة الحياة، خطوة شفافة تتسم بالصراحة؟ هل كان هناك شيء لا يريد أن يكشفه لها؟ ربما كان هناك أمر يتعلق بهذه الفتاة نفسها، أو ربما كانت هناك عوائق أخرى لم يتحدث عنها.

قررت فاطمة أن تبدأ العمل. أولاً، عليها أن تتحدث مع الحاجة زينب بصراحة، وأن تفهم دوافعها الحقيقية من وراء هذه المهمة. ربما كانت الحاجة زينب ترى في فاطمة القوة الناعمة التي تستطيع أن تقرب وجهات النظر، وأن تجعل الأمور تسير بسلاسة.

توجهت فاطمة إلى منزل الحاجة زينب. استقبلتها الحاجة بترحاب شديد، وكأنها كانت تتوقع زيارتها. جلستا في صالة المنزل المزينة بقطع أثاث عتيقة، ورائحة البخور تفوح في الأجواء.

"لقد كنت أفكر فيكِ يا أستاذة فاطمة"، قالت الحاجة زينب وهي تقدم لها كوباً من الشاي بالنعناع. "قلت في نفسي، من خير ممن يعرف ابني أكثر مني، ومن خير ممن يثق بها ابني إلى هذه الدرجة؟"

ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة. "وأنا كذلك يا حاجة. سعيد لديه الكثير ليخبرني به."

"بالفعل"، قالت الحاجة زينب وهي ترتشف من الشاي. "لقد بلغ ابني سن الزواج، وعلينا أن نهتم بأمره. هو شاب صالح، وخير ما يناله هو زوجة صالحة تعينه في دينه ودنياه."

"وهل وجدتِ له العروس المناسبة؟" سألت فاطمة بلطف، محاولةً استكشاف الموقف.

"هذا هو مربط الفرس يا أستاذة"، أجابت الحاجة زينب بصوت خفيض. "لقد تحدثنا كثيراً، ووالده أيضاً. لكن سعيد يصر على فتاة معينة. يصفها بأنها "جوهرة ثمينة"، وأنها "مستقيمة الخلق". لكننا... لم نتمكن من التعرف عليها بشكل كافٍ. سمعنا أنها من عائلة طيبة، لكننا لا نعرف التفاصيل."

"ولماذا هذا التحفظ؟" سألت فاطمة.

"يبدو أن الفتاة نفسها ليست مرتاحة للخوض في تفاصيل كثيرة قبل أن يتأكد سعيد من رغبة عائلته. وهذا يثير قلقي، يا أستاذة. هل هي متزوجة؟ هل لديها ظروف خاصة؟ نحن نريد لابننا الخير، ولا نريد أن ندخل في أمر فيه شبهة."

هنا شعرت فاطمة بأن خيوط القصة بدأت تتشابك. هذا يعني أن الغموض الذي لاحظته على سعيد لم يكن من بنات أفكاره، بل كان نابعاً من موقف هذه الفتاة. "ولكن سعيد متأكد من حسن اختيارها؟"

"متأكد جداً. يقول إنها "نور حياته". كلماته كبيرة، يا أستاذة. وكأنه وجد فيها ما لم يجده في غيرها. هو يخشى أن تكون عائلته متحفظة، أو ربما لديها بعض الأفكار المسبقة التي قد تمنعها من رؤية جوهر هذه الفتاة."

"إذن، ما هو المطلوب مني بالتحديد؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بأنها تدخل في متاهة.

"أريد منكِ، يا أستاذة، أن تحدثيه. أن تقربي وجهات النظر. وأن تحاولي فهم طبيعة العلاقة بينه وبين هذه الفتاة. وأن تبحثي عن أي معلومات قد تكون مفيدة لنا. لا أريد أن أظلم أحداً، ولا أريد أن أعرّض ابني لموقف قد يندم عليه."

نظرت فاطمة إلى الحاجة زينب، ورأت في عينيها قلق الأم وخوفها على ابنها. هذا الشعور جعل مهمتها تبدو أكثر إلحاحاً. "سأبذل قصارى جهدي يا حاجة. سأتحدث مع سعيد، وسأحاول فهم كل شيء. ولكن أريدكِ أن تكوني صريحة معي أيضاً. إن كانت هناك أي مخاوف جدية، فأنا أريد أن أعرفها."

"بكل تأكيد يا أستاذة. والدي سعيد، الوالد إبراهيم، رجل حكيم، ولكنه شديد التمسك بالعادات. هو يرى أن الزواج رباط مقدس، ويجب أن يكون مبنياً على أسس سليمة وواضحة. ونحن جميعاً نحب سعيد، ونسعى لسعادته، ولكننا لا نريد أن نقبل بأمر قد يشوبه أي شك."

شعرت فاطمة بأن عبئاً ثقيلاً قد ألقي على كاهلها. كانت تعلم أن سعيد شاب طيب، وأن رغبته في الزواج أمر طبيعي، ولكنه ربما كان يخفي شيئاً ما. هل كانت هذه الفتاة بالفعل تستحق كل هذا التردد؟ أم أن هناك سوء فهم؟

بعد مغادرتها منزل الحاجة زينب، شعرت فاطمة بالضيق. لقد دخلت في لعبة قد تكون عواقبها وخيمة. عليها الآن أن تجمع المعلومات، وأن تفهم دوافع سعيد، ودوافع عائلته. والأهم من ذلك، عليها أن تحاول اكتشاف سر هذه الفتاة الغامضة، قبل أن يتفاقم الأمر وتتحول الأمور إلى ما لا يُحمد عقباه.

في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة أن تنام. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل سعيد يقع فريسة لوهم؟ هل هذه الفتاة تخفي عنه أمراً جللاً؟ أم أن عائلة سعيد متشددة أكثر من اللازم؟ لقد وعدت الحاجة زينب بأنها ستساعد، ولكن كيف ستتمكن من تحقيق ذلك دون أن تقع في فخ قد يؤذي مشاعر سعيد، أو يهدد علاقته بعائلته، أو حتى يورطها هي شخصياً؟ لقد نسجت الخيوط حول سعيد، وفاطمة تجد نفسها في قلب هذا النسيج المعقد، تحاول فك خيوطه دون أن تخنق نفسها به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%