الجار المضحك
مواجهة إبراهيم الصارمة
بقلم سعيد الضحكة
عندما عادت الحاجة زينب إلى منزلها، كان الوالد إبراهيم في انتظارها. كان رجلاً ذا لحية بيضاء، وملامح صارمة، وعينين تحملان حكمة السنين. كان يقف في شرفته، ينظر إلى السماء، وكأنه يتأمل في الكون.
"ماذا قالت الأستاذة فاطمة؟" سأل الوالد إبراهيم فور أن رأت زوجته.
نظرت الحاجة زينب إلى زوجها، وشعرت ببعض التردد. لقد كانت تعتمد على حكمة الأستاذة فاطمة، ولكن الآن عليها أن تواجه زوجها بنفسها.
"قالت إنها قابلت الفتاة، يا إبراهيم. واسمها مريم."
"ومريم؟ هل هي من العائلة التي نعرفها؟ هل لها نسب طيب؟"
"لا يا إبراهيم. هي... يتيمة. والدتها توفيت، ووالدها لم يعد موجوداً. تعيش مع جدتها المريضة."
صمت الوالد إبراهيم للحظة، ثم هز رأسه ببطء. "يتيمة؟ من عائلة غير معروفة؟ هذا أمر... صعب يا زينب. ابني يستحق أفضل من ذلك."
"ولكن يا إبراهيم، الأستاذة فاطمة تقول إنها فتاة طيبة. وإنها تتمتع بأخلاق عالية ودين. وإن سعيد يحبها كثيراً."
"الحب ليس كل شيء يا زينب. الزواج رباط مقدس، يجب أن يكون مبنياً على أسس سليمة. أريد لابني زوجة تشاركه في حياته، وتكون من نفس مستواه الاجتماعي. لا أريد له أن يتعرض لمشاكل بسبب ظروف زوجته."
"ولكن يا إبراهيم، هل سمعت عن مريم ما يعيب؟ هل هناك أي دليل على سوء خلقها؟"
"لم أسمع شيئاً، ولكن... الفتاة اليتيمة، التي تعيش مع جدتها، والتي تعمل لتعيلها... هل تظنين أنها ستكون قادرة على تحمل مسؤوليات بيت سعيد؟ بيت فيه مسؤوليات كبيرة؟"
"الأستاذة فاطمة تقول إنها قوية، وإنها معتادة على تحمل المسؤوليات."
"الأستاذة فاطمة طيبة، ولكنها لا تعرف تفاصيل عائلتنا، ولا تعرف ما نريده لابننا."
شعرت الحاجة زينب ببعض الضيق. لقد كانت تعلم أن زوجها عنيد، وأن إقناعه لن يكون سهلاً.
"يا إبراهيم، أنا لا أقول إننا يجب أن نقبل بالأمر على عماه. ولكن يجب أن ننظر إلى قلب سعيد. هو شاب، وعنده مشاعره. إذا أردنا له السعادة، يجب أن ننظر إلى من يسعده، لا إلى من نراه نحن مناسباً."
"وماذا عن مريم؟ هل هي موافقة على التقدم لخطبتها؟"
"نعم، هي موافقة. ولكنها تخشى من رد فعلنا. وتخشى من أن تُرفض."
"وهذا طبيعي. نحن لا نعرفها. ووالده يريد أن يتأكد قبل أن يتخذ أي قرار."
"وماذا سنفعل؟" سألت الحاجة زينب، وهي تشعر بأن كل شيء يتجه نحو الرفض.
"سننتظر. سننتظر حتى يأتي سعيد ليحدثنا بنفسه. وعندها، سنخبره بما نفكر فيه."
كان هذا الانتظار بمثابة طعنة في قلب الحاجة زينب. لقد كانت تأمل أن يكون زوجها أكثر تفهماً. ولكنها كانت تعلم أن الوالد إبراهيم لديه كلمته، ولا يتنازل عنها بسهولة.
في هذه الأثناء، كان سعيد يشعر بتوتر شديد. كان يعلم أن هذه اللحظة قادمة. لقد وعد مريم بأنه سيحاول، وأنه سيعمل جاهداً لإقناع والديه. ولكنه كان يعلم أن والده، الوالد إبراهيم، هو العقبة الأكبر.
في صباح اليوم التالي، ذهب سعيد إلى والده. جلس أمامه، وشعر بأن الأرض تميد به.
"أبي"، قال سعيد بصوت مرتعش، "أريد أن أتحدث معك في أمر مهم."
"تفضل يا بني"، قال الوالد إبراهيم، وعيناه تحملان حزناً مبطناً.
"أنا... أريد أن أتزوج."
"نعلم يا بني. ونحن نهتم بأمرك. ولكن بمن؟"
"اسمها مريم."
صمت الوالد إبراهيم للحظة، ثم قال بنبرة هادئة ولكنها تحمل حزماً، "مريم؟ ومن هي مريم؟"
"إنها... فتاة عرفتها، وأحبتها، وأحبتني. إنها فتاة ذات دين وخلق."
"وماذا عن نسبها؟ هل لها عائلة معروفة؟"
"إنها... يتيمة يا أبي. تعيش مع جدتها المريضة."
كانت هذه الكلمات بمثابة ضربة قوية للوالد إبراهيم. لقد كان يتمنى لابنه الأفضل، الزوجة الصالحة، ذات النسب الطيب.
"يتيمة؟" قال الوالد إبراهيم بصدمة. "وهل أنت متأكد يا سعيد؟ هل تعرفها جيداً؟"
"نعم يا أبي. أعرفها جيداً. إنها أفضل مني. إنها تحمل في قلبها ما يكفي من الخير. لقد علمتني الكثير عن الصبر والقوة."
"ولكن يا سعيد، أنت شاب في مقتبل العمر. يجب أن تتزوج بمن تستطيع أن تشاركك حياتك، بمن تكون من نفس مستواك. لا أريد لك أن تعاني."
"ولكن أبي، إنها هي من أسعدتني. إنها هي من أريد أن أقضي حياتي معها. أريد أن أبني معها أسرة."
"لا يا سعيد. لا يمكن أن أوافق على هذا الأمر. لم أتعب وأجتهد كل هذه السنين إلا لكي أرى ابني يتزوج من فتاة لا نعرفها، ولا نعرف عائلتها. الزواج ليس مجرد حب، بل هو رباط أسري واجتماعي."
"ولكن أبي، إنها أختي في الدين، وجوهرة ثمينة."
"جوهرة ثمينة؟ ولكنها ليست من عائلة كريمة؟"
"إنها كريمة بأخلاقها يا أبي."
"الأخلاق وحدها لا تكفي يا سعيد. هناك أمور أخرى يجب أخذها في الاعتبار."
"ولكن أبي، هل رأيت في حياتك يتيماً إلا وقابله الله بالخير؟ هل رأيت إنساناً يحمل ديناً وخلقاً إلا وحصد الثواب؟"
"هذه أمور بين العبد وربه يا سعيد. أما نحن، فنحن بشر، ولنا حساباتنا."
"أنا لن أتزوج غيرها يا أبي." قال سعيد بصوت قوي، رغم الدموع التي كانت في عينيه. "إما أن توافق، أو... سأكون مضطراً لاتخاذ قرارات أخرى."
كانت هذه الكلمات بمثابة الصدمة للوالد إبراهيم. لم يكن يتوقع أن يخرج ابنه عن طاعته بهذه الطريقة. لقد كان يرى في كلماته تحدياً، وتمرد.
"ماذا تقول يا سعيد؟ هل تهددني؟"
"لا يا أبي. أنا فقط... أدافع عن حبي."
"حبيبك؟ وهل هو حب مبني على أساس سليم؟"
"إنه حب يحمل رضا الله يا أبي."
"الحب الذي يرضي الله يجب أن يكون ضمن إطار الشرع والعادات الحسنة."
"وأنا أرى أن حلالي هو مريم."
شعر الوالد إبراهيم بأن الموقف قد وصل إلى نقطة اللاعودة. لقد حاول أن يكون حازماً، ولكنه رأى في عين ابنه إصراراً لم ير مثله من قبل.
"اذهب الآن يا سعيد. اذهب. وسأفكر في الأمر."
خرج سعيد من غرفة والده، وهو يشعر بالخوف، ولكن أيضاً بالقوة. لقد واجه أباه، ودافع عن حبه. لقد كانت هذه المعركة الصعبة، ولكنها كانت ضرورية. لقد فتح الصراع بينه وبين والده، وكان يخشى عواقبها.