الفصل 2 / 25

الجار المضحك

أثر الفراشة وهمسات المدينة

بقلم سعيد الضحكة

مرت أيام على انتقال "طارق" إلى شقة "الزيتون" الجديدة. كان "فارس" يلاحظ بصمت التغير التدريجي في الشقة المجاورة. بدأت الفوضى تتراجع، وحل محلها بعض الأثاث الأنيق، والنباتات الخضراء التي تزين الشرفة. كان "طارق" يعمل على ترميم الشقة، ويبدو أنه يبذل جهدًا كبيرًا لإعادة الحياة إليها.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان "فارس" يحتسي كوبًا من الشاي على شرفته، رأى "طارق" واقفًا بالقرب من باب منزله، ينظر إلى السماء بنظرة حالمة. اقترب "فارس" من الحاجز الفاصل بين الشرفتين، وقال: "مساء الخير يا أخ طارق. كيف تسير الأمور؟"

استدار "طارق" بابتسامة، وبدا وجهه أكثر إشراقًا من ذي قبل. "مساء النور يا أخ فارس. الحمد لله، تسير الأمور على ما يرام. بفضل الله، ثم بفضل بعض المساعدة التي وجدتها هنا".

"يسعدني ذلك"، قال "فارس". "إذا كنت بحاجة إلى أي شيء، فلا تتردد".

"في الواقع"، قال "طارق" مترددًا قليلاً، "كنت أفكر في إعادة ترتيب بعض الأغراض في الشقة. هل لديك وقت فراغ لمساعدتي؟ إنني لا أزال أتعلم كيفية تنظيم الأمور هنا".

ابتسم "فارس" وقال: "بالتأكيد. أنا تحت أمرك. متى تفضل؟"

"هل لديك وقت بعد صلاة العشاء؟" سأل "طارق".

"بكل سرور"، أجاب "فارس".

بعد صلاة العشاء، توجه "فارس" إلى شقة "طارق". كان المكان لا يزال يحمل آثار التغيير، لكنه كان أكثر ترتيبًا مما كان عليه في البداية. استقبل "طارق" "فارس" بحرارة، وقدم له فنجان قهوة عربي أصيل.

"شكرًا جزيلاً على وقتك يا أخ فارس"، قال "طارق" وهو يفتح باب إحدى الغرف. "هذه بعض الكتب والصناديق التي لم أستطع ترتيبها بعد".

بدأ "فارس" و"طارق" بالعمل. تحدثا أثناء ترتيب الأغراض، فبدأ "فارس" يعرف المزيد عن "طارق". اكتشف أنه كان يعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي، وأنه ترك عمله السابق بسبب بعض الظروف الشخصية. كان "طارق" شغوفًا بعمله، وكان يحلم بأن يمتلك معرضًا خاصًا به يومًا ما.

"الحياة مليئة بالمفاجآت يا أخ فارس"، قال "طارق" وهو يضع كتابًا قديمًا على الرف. "أحياناً تضطر إلى التخلي عن أحلامك المؤقتة لمواجهة واقع قاسٍ. لكن هذا لا يعني أن الأحلام تموت، بل تنتظر الوقت المناسب لتشرق من جديد".

"أتفهم ما تقصد"، قال "فارس". "الإنسان يتعلم من تجاربه، سواء كانت سعيدة أو مؤلمة".

"نعم"، قال "طارق" وهو يتوقف للحظة. "لقد تعلمت الكثير في الفترة الماضية. تعلمت أن الاستعجال قد يؤدي إلى قرارات خاطئة، وأن الطيش قد يكلفك الكثير".

شعر "فارس" ببعض الحزن في صوت "طارق"، لكنه لم يرد أن يتدخل في خصوصياته. اكتفى بالاستماع والعمل.

في نهاية الأمسية، كانت الشقة تبدو أكثر تنظيمًا وجمالًا. شكر "طارق" "فارس" بحرارة، ودعاه لتناول العشاء في يوم آخر.

"سأكون سعيدًا بذلك"، قال "فارس" وهو يصافحه. "والآن، يجب أن أذهب. زوجتي تنتظرني".

"زوجتك؟" سأل "طارق" بدهشة، فقد كان يعتقد أن "فارس" أعزب.

"نعم"، قال "فارس" مبتسمًا. "هي سبب وجودي في هذا الحي. ولدينا طفلان جميلان".

"ما شاء الله"، قال "طارق" بإعجاب. "أسأل الله أن يديم عليك السعادة".

عاد "فارس" إلى شقته، وهو يفكر في "طارق". كان شابًا طيب القلب، وإن كان يبدو أنه يمر ببعض المشاكل. شعر بالراحة لأنه استطاع مساعدته.

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت "ليلى" تتجه إلى المدرسة، مرت بالقرب من شرفة "طارق". رأته واقفًا مع عامل يبدو أنه يعمل لديه، وكانوا يتحدثون عن بعض الأثاث الذي تم شراؤه. كان "طارق" يرتدي قميصًا نظيفًا، وبدا عليه الهدوء والثقة.

"يبدو أن جاري الجديد استعاد توازنه"، قالت "ليلى" في نفسها. "من الجيد أن الأمور تحسنت لديه".

أثناء رحلتها إلى المدرسة، مرت "ليلى" أمام دكان صغير لبيع الزهور، كان يملكه رجل عجوز يدعى "أبو سعيد". كان "أبو سعيد" يعرف "ليلى" منذ صغرها، وكان يمازحها دائمًا.

"صباح الخير يا وردة المدرسة!" قال "أبو سعيد" وهو يلوح لها. "هل ستزوريننا اليوم؟"

"صباح النور يا عم أبو سعيد"، قالت "ليلى" مبتسمة. "ربما بعد المدرسة. أحضرتِ لي وردة حمراء؟"

"بالتأكيد"، قال "أبو سعيد" وهو يضحك. "أنتِ أغلى من الورد".

كانت هذه اللحظات البسيطة هي ما يجعل "ليلى" تحب هذا الحي. كانت تشعر فيه بالانتماء والتقدير.

في المساء، بينما كانت "ليلى" تساعد والدتها في إعداد العشاء، سمعت صوت ضحكات قادمة من شقة "طارق". كانت الضحكات أعلى وأكثر مرحًا من ذي قبل.

"من هم ضيوف طارق؟" سألت الأم.

"لا أعرف يا أمي"، أجابت "ليلى". "لكن يبدو أنه بدأ يستمتع بحياته الجديدة".

لم تكن "ليلى" تعلم أن الضحكات التي تسمعها كانت من ضمن الأنشطة التي بدأ "طارق" بتنظيمها لمساعدة نفسه على تخطي أحزانه. كان يجمع بعض الأصدقاء، وكانوا يتناقشون في أمور مختلفة، ويتبادلون النكات.

في تلك الليلة، بينما كان "فارس" يقرأ لابنته الصغيرة قصة قبل النوم، سألته: "يا أبي، من هو جارنا الجديد؟ سمعت أنه يضحك كثيرًا".

ابتسم "فارس" وقال: "إنه جارنا طارق. يبدو أنه رجل طيب".

"هل هو سعيد؟" سألت الطفلة براءة.

"آمل ذلك يا صغيرتي"، أجاب "فارس". "أتمنى أن يكون سعيدًا".

لم يكن "فارس" يعلم أن "طارق" كان يحاول جاهدًا أن يظهر للجميع أنه سعيد، بينما كان يحمل في داخله عبئًا ثقيلًا. كان "طارق" يدرك أنه بحاجة إلى تغيير جذري في حياته، وأن العزلة لن تفيده. كان يسعى جاهداً ليصبح "الجار المضحك" الذي يراه الناس، ولكن خلف هذه الابتسامة، كان يكمن الكثير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%