الفصل 6 / 25

الجار المضحك

أسير الضحك المرير

بقلم سعيد الضحكة

في ذلك المساء، تغلغل ظلامٌ أثقل من المعتاد في أرجاء بيت أبي سالم، لم يكن الظلام حجاباً مادياً فحسب، بل كان ستاراً نسجته همومٌ وآهاتٌ مستترة. كان أبو سالم، الرجل ذو القلب الكبير والوجه الذي اعتاد رسم الابتسامة عليه، يجلس وحيداً في غرفته، يتكئ على وسائدٍ باردة، يحتسي كأساً من الشاي الذي لم يعد يجد فيه طعماً. عيناه، اللتان كانتا تلمعان بالحياة، باتتا تحملان بريقاً باهتاً، يحكي قصصاً عن معارك خفية لم يتبين لها أثر.

"يا رب! يا من تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اكشف عني غمتي، وأزل عني همي، وارزقني الصبر والقوة"، همس بصوتٍ خافتٍ بالكادسمعه هواء الغرفة. لقد استيقظت في داخله رغبةٌ جامحةٌ، رغبةٌ كانت قد دفنت تحت طبقاتٍ من الكبرياء والعزيمة، لكنها اليوم، وبعد كل ما حدث، بدأت تمتد جذورها لتلتهم ما بقي من روحٍ صابرة.

كانت مشكلته، تلك التي لم يجرؤ على البوح بها حتى لأقرب الناس إليه، تتجسد في إدمانٍ خفيٍّ، لا يعرفه إلا هو والوقت. لم يكن إدماناً للمخدرات أو الخمور، بل كان إدماناً لألعابٍ آليةٍ، يجد فيها ملاذاً من واقعٍ مؤلمٍ، ومخرجاً من ضغوطٍ تتزايد يوماً بعد يوم. في أروقة هذه الألعاب، كان يتقمص شخصياتٍ أخرى، يعيش في عوالم افتراضيةٍ، ينسى فيها هموم دينه، وقلق تجارته، وعبء مسؤولياته.

"لكن إلى متى؟" تساءل في نفسه، وأصابعه ترتعش. "إلى متى سأهرب من الحقيقة؟ الحقيقة التي تتمثل في وجه ابنتي الصغيرة، التي تنتظر مني كل يومٍ بسمةً لم أعد قادراً على رسمها، وفي وجه زوجتي المخلصة، التي تحملني بما فيّ، وتتحمل وحدها ثقل المنزل. وفي وجه جاري العزيز، الذي لم يدرِ شيئاً عن هذا السقوط الذي أعيشه."

تذكر ذلك اليوم الذي رأى فيه ابنه الصغير، أحمد، وقد عاد من المدرسة متأثراً، يسأل ببرائةٍ عن سبب تأخر أبيه في دفع رسوم المدرسة. شعر وقتها بوخزةٍ في قلبه، لم تكن وخزةً عادية، بل كانت وخزةً تحمل معها ثقل الخطأ، ومرارة العجز. لقد كان يعتمد على أرباحٍ كان يظنها وافرة، لكن تقلبات السوق، وبعض القرارات المتسرعة، قد أدت به إلى حافة الهاوية.

"أتذكر يا سالم؟" قال لنفسه مخاطباً إياها بصوتٍ أعلى قليلاً، وكأن هناك من يستمع. "أتذكر تلك الليلة التي ذهبت فيها إلى المسجد، ودعوت الله أن يرزقك من حيث لا تحتسب؟ أتذكر شعورك بالسكينة والطمأنينة؟ أين ذهبت تلك الروح؟"

كانت هذه الألعاب، التي يراها البعض مجرد ترفٍ وفراغ، هي قناعُ الهروب بالنسبة له. في لحظاتِ الفوز، يشعر بقوةٍ زائفةٍ، وكأنه قد استعاد سيطرته على زمام أموره. وفي لحظاتِ الخسارة، يغرق في بحرٍ من الإحباط، يبحث عن فرصةٍ أخرى، عن دورٍ جديدٍ، عن حياةٍ أخرى.

"لقد أصبحت سجيناً لهذه الشاشة، سجيناً لهذه الأزرار التي تلهيني عن أقدس الواجبات، وعن أجمل العلاقات"، قال وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه التي كانت مغلقةً أمامه. "لقد جعلت نفسي عبداً لهذه الأوهام، ونسيت أن هناك جنةً لمن صبر، وناراً لمن طغى."

لكن الرغبة كانت أقوى من كل الندم. كان يدرك أنها آفةٌ، وأنها تقوده إلى الهلاك، لكنه لم يجد القوة الكافية لمقاومتها. كلما حاول الابتعاد، عادت إليه بقوةٍ مضاعفة، كوحشٍ جائعٍ لم يجد فريسته.

"هل سيفتقدني أحد؟" تساءل مرةً أخرى. "هل سيلاحظ أحدٌ أنني بدأت أغيب عن العالم؟ أم أنهم جميعاً غارقون في مشاغلهم، مشغولون بدنياهم، كما كنت أنا منشغلاً بعالمي الافتراضي؟"

تذكر ضحكات ابنه أحمد، كان أحمد يرى والده دائماً بطلاً، قوياً، قادراً على حل كل المشكلات. كان يحكي لأصدقائه عن والده، عن شجاعته، عن حكمته. لكن أحمد لم يكن يعرف أن بطل قصصه قد بدأ يتآكل من الداخل، وأن ضحكته لم تعد تعلو من القلب، بل كانت مجرد ستارةٍ أخرى يخفي بها ضعفه.

"يجب أن أتوقف. يجب أن أرى نور الله مرةً أخرى"، حاول أن يقنع نفسه، لكن الصوت الداخلي الذي كان يغذيه بالإدمان كان أقوى. "فقط جولةٌ أخيرة. جولةٌ واحدةٌ فقط، وبعدها سأتوب. وبعدها سأعود كما كنت. وعدٌ مني!"

وهكذا، وفي ليلةٍ بدت كأمسها، امتدت يد أبي سالم إلى الحاسوب، وضغط على زر التشغيل. لم يكن يعلم أنه يضع نفسه في دوامةٍ أعمق، وأنه يبني جداراً آخر بينه وبين العالم الحقيقي، جداراً لن يهدمه إلا بقوةٍ إيمانيةٍ عظيمة، أو بسقوطٍ مدوٍّ يكلفه كل شيء. لقد أصبح أسير الضحك المرير، يضحك في عالمه الافتراضي، بينما يبكي قلبه في الواقع.

لم يشعر بالوقت وهو يتتبع تلك الألعاب، كان يشعر بأنه يعيش حياتين، واحدةٌ حقيقيةٌ تعيسة، وأخرى افتراضيةٌ مسليةٌ، لكنها زائلة. لم يدرك أن تلك الحياة الافتراضية كانت تلتهم وقود حياته الحقيقية، وأن كل دقيقةٍ يقضيها في هذا العالم الوهمي، كانت تبعده عن السعادة الحقيقية، عن رضا الله، وعن قلوب أحبته.

لم يكن أبو سالم يعلم أن نور الفجر الذي كان يترقب ظهوره في حياته، كان يقترب، وأن هناك يداً ممتدةٌ إليه، يداً لم تكن تعرف عنه شيئاً، لكنها كانت تحمل له خيراً عظيماً، خيراً قد يشعل شرارة الأمل في قلبه المظلم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%