الجار المضحك
ظلٌّ يطارد الذكريات
بقلم سعيد الضحكة
في صباح اليوم التالي، استيقظ أبو سالم على صوتٍ خافتٍ للآذان، صوتٌ كان يوماً ما يبعث الطمأنينة في قلبه، لكنه اليوم كان يوقظ في داخله شعوراً بالذنب. حاول أن يتجاهله، وأن يعود إلى غفوته، لكن صدى الألعاب ونداءات الفوز والخسارة كانت لا تزال تدوي في أذنيه.
"آه، لو أني أستطيع أن أستعيد تلك الأيام"، تمتم وهو يقلب نفسه على فراشه. "الأيام التي كنت فيها أصحو بنشاطٍ، أبدأ يومي بالذكر، وأخرج إلى السوق ببسمةٍ. الأيام التي كانت البركة تحل في رزقي، والفرح يملأ بيتي. أين ذهب كل ذلك؟"
كانت مشكلته، إدمانه لتلك الألعاب، قد بدأت تتجلى في مظهره الخارجي أيضاً. هالاتٌ سوداءٌ أحاطت بعينيه، وجهه شاحبٌ، وجسده منهكٌ. زوجته، أم أحمد، كانت تلاحظ ذلك، لكنها لم تستطع أن تواجهه بشكلٍ مباشر. كانت تخشى أن تزيد الأمر سوءاً، وأن تدفعه إلى العزلة أكثر.
"يا سالم، هل أنت بخير؟" قالت له ذات صباحٍ وهي تقدم له كوباً من الحليب. "تبدو متعباً. هل سهرت طويلاً؟"
كان أبو سالم يبتسم ابتسامةً باهتةً، ويقول: "لا شيء يا حبيبتي، مجرد أفكارٍ تدور في رأسي. الحمد لله". كان يعرف أن كذبه يتسلل إلى حياته كما تتسلل السموم.
في السوق، كانت الأمور تسير ببطءٍ. لم يعد لديه ذلك الحماس القديم، ولا تلك القدرة على إقناع الزبائن. كان يقضي وقتاً طويلاً في التفكير، وفي استعادة ألعاب الأمس، بينما كانت بضاعته تمر دون أن يلفت انتباهه.
"يا أبا أحمد، لقد تأخرت في تجهيز الطلبية اليوم؟" قال له أحد الزبائن.
"عفواً، ألم يكتمل الأمر؟" سأل أبو سالم وهو يعود إلى الواقع. "سأتابعه فوراً".
كان يشعر بفقدان السيطرة. كل شيء كان يفلت من بين يديه: تجارته، صحته، وحتى هدوء باله. لم يكن مجرد إدمانٍ، بل كان مرضاً روحياً بدأ يأكله من الداخل.
تذكر ذات مرةٍ، حين كان شاباً، كيف كان يحلم بامتلاك محلٍ تجاريٍّ كبير، وأن يكون من وجهاء البلد. كان يتطلع إلى أن يكون قدوةً حسنةً لأبنائه، وأن ينشر الخير أينما حل. لكن هذه الأحلام بدأت تتلاشى، وتفسح المجال لشاشاتٍ تلمع، وأرقامٍ تتغير، وانتصاراتٍ وهميةٍ.
"هل يعلم أحدٌ عن هذا؟" تساءل في نفسه، والشكوك تتكاثر. "هل يشعر أحدٌ أنني قد تغيرت؟ هل يراني ابني أحمد كما كنت أراه؟"
كان أحمد، ذلك الفتى الذكي والمعطاء، يلاحظ تغير أبيه. كان يرى والده يغضب بسرعةٍ، وينعزل في غرفته، ولا يتحدث معه كثيراً. كان يشعر بالوحدة، وبالحزن. في بعض الأحيان، كان يسمع أصواتاً غريبةٍ تأتي من غرفة أبيه، أصواتاً لم يفهم معناها، لكنها كانت تثير قلقه.
"يا أبي، لماذا لا تلعب معي كما في السابق؟" سأل أحمد ذات يومٍ، وعيناه مليئةٌ بالأسى. "لقد اشتقت لألعابنا معاً."
كان أبو سالم يشعر بوخزةٍ في قلبه، لكنه حاول أن يخفي ذلك. "عذراً يا بني، لدي عملٌ كثيرٌ. سألعب معك لاحقاً، إن شاء الله."
لكن "لاحقاً" كانت تأتي، وتذهب، دون أن تتحقق. كانت الوعود تتكدس، والوقت يمر، وأحمد يكبر، ويحمل في قلبه جرحاً جديداً.
كان أبو سالم يعلم أن هناك خطأً فادحاً، لكنه لم يجد القوة الكافية للتغيير. كانت كل محاولةٍ للابتعاد عن تلك الألعاب، تنتهي به إلى العودة أقوى. كان يشعر بأنه في دوامةٍ لا نهاية لها، كلما حاول الخروج، زادت سرعة الدوران.
"هل أصبحت عاجزاً؟" سأل نفسه بقسوة. "هل ضعفت عزيمتي إلى هذا الحد؟"
في إحدى الليالي، وبينما كان غارقاً في ألعابه، سمع صوتاً خارج غرفته. كان صوت زوجته، أم أحمد، وهي تتحدث في الهاتف.
"نعم يا أمي، إنه متعبٌ جداً هذه الأيام. لا أدري ما به. لا يأكل جيداً، ولا ينام. يبدو لي أن هناك شيئاً يزعجه، لكنه لا يريد أن يخبرني."
شعرت أم أحمد بقلبها يتقطع ألماً. كانت تعلم أن زوجها رجلٌ صالحٌ، وأن لديه مسؤولياتٌ كبيرة. كانت تدعو الله له في كل صلاةٍ، أن يكشف عنه ما به، وأن يعيده قوياً كما كان.
"أتمنى لو أنه يستطيع أن يتحدث إليّ بصراحة"، قالت أم أحمد بصوتٍ خفيضٍ. "لكني أخشى أن أضغط عليه فيزيد الأمر سوءاً."
استمع أبو سالم إلى حديث زوجته، وشعر ببردٍ يسري في عروقه. لقد انكشف بعضٌ من ضعفه، بعضٌ من سره. لكنه لم يشعر بالخجل بقدر ما شعر بالوحدة. شعر بأنه عبءٌ على أهله، وبأنهم يعانون من أجله.
"يجب أن أجد حلاً"، قال لنفسه. "يجب أن أستعيد قوتي. لا يمكنني أن أستمر هكذا."
لكن في أعماق قلبه، كان يعلم أن الحل ليس سهلاً. كان يعلم أن هذه العادة قد تسللت إلى روحه، وأنها تحتاج إلى معركةٍ حقيقيةٍ، معركةٍ لا يمكن الفوز بها إلا باللجوء إلى من بيده الحل، إلى الله عز وجل.
في تلك الليلة، وبينما كان العالم نائماً، كان أبو سالم في صراعٍ داخليٍّ مرير. ظل ساهراً، يتأمل في ماضيه، وفي حاضره، وفي مستقبله المجهول. كانت ذكرياته تومض أمامه كشريط سينمائي، صورٌ لأيامٍ سعيدة، وضحكاتٍ بريئة، ووعودٍ لم يفِ بها. كل ذلك كان يغذي شعوره بالذنب، ويزيد من ثقل الظل الذي كان يطارده.
أغمض عينيه، وحاول أن يستحضر صورة ابنه أحمد وهو يبتسم، صورة زوجته وهي تنظر إليه بحب. "من أجلكما"، همس بصوتٍ متعب. "من أجل عائلتي، يجب أن أكون قوياً. يجب أن أعود."
لكن صوت الإدمان كان لا يزال يهمس في أذنه، يعده بالفرار، يعده بالنسيان. وبين ذلك الصراع، وبين الأمل واليأس، انتهت تلك الليلة، وبدأ يومٌ جديدٌ، يومٌ قد يحمل معه مفاجأةً غير متوقعة، مفاجأةً قد تغير مجرى حياته، أو تزيده غرقاً في بحر الإدمان.