الفصل 9 / 25

الجار المضحك

خيوطٌ تتعقد

بقلم سعيد الضحكة

في غضون أسابيع قليلة، أصبحت مقهى "زاوية الأصدقاء" المكان المفضل لعمر. لم يعد مجرد رواد، بل أصبح جزءاً من عائلة المقهى. كان الحاج محمود يرحب به بحرارة، وكانت ليلى تتفهم شغفه، وتشاركه أفكاره. بدأت خيوط العلاقة بينهما تتعقد، لكن ليس بالضرورة بطريقةٍ سلبية. كانت تتعقد بطريقةٍ طبيعية، كحبكةٍ أدبيةٍ مشوقة، تشد القارئ إلى أحداثها.

كان عمر قد بدأ فعلاً في كتابة روايته الأولى، مستلهماً الكثير من المواقف والحوارات التي كانت تدور في المقهى، ومن ليلى نفسها. كانت ليلى تمنحه ملاحظاتٍ قيمة، وتنصحه بكيفية بناء الشخصيات، وكيفية إضفاء المصداقية على الأحداث.

"هل تعتقد أن هذه الجملة تعبر عن مشاعر البطل بشكلٍ جيد؟" سأل عمر ليلى ذات يومٍ، وهو يقرأ عليها فقرةً من روايته.

ابتسمت ليلى وقالت: "إنها جيدةٌ جداً، لكن ربما يمكننا أن نجعلها أكثر قوةً. ماذا لو أضفت كلمةً تصف عمق الألم الذي يشعر به؟ مثلاً، 'ألمٌ يكاد يمزق روحه'."

"رائع!" هتف عمر. "هذه الكلمة تغير المعنى تماماً."

لم يكن عمر يعلم أن ليلى كانت ترى في هذه العلاقة الأدبية فرصةً لتعيش من خلالها أحلامها الخاصة. كانت ليلى تحلم بالزواج من رجلٍ صالحٍ، يحترمها، ويدعمها، ويشاركها اهتماماتها. وكانت ترى في عمر كل هذه الصفات.

من ناحيةٍ أخرى، كان أبو سالم لا يزال يعيش صراعه الداخلي. لم يكن قد وجد القوة الكافية للتغيير، وظلت الألعاب تغريه. كان يجد في العوالم الافتراضية هروباً مؤقتاً من ضغوط حياته.

"لا أستطيع. إنها أقوى مني"، كان يقول لنفسه بعد كل محاولةٍ فاشلة. "ربما هذا هو قدري."

لكن كلمات ابنه أحمد كانت تعود إليه كالشوك. "يا أبي، لماذا لا تأتي لترى لعبتي الجديدة؟" كان أحمد يسأله بلهفة، لكن أبو سالم كان دائماً يجد عذراً.

في أحد الأيام، ذهب أبو سالم إلى السوق، حيث كان يعمل. رأى عمر جالساً في مقهى "زاوية الأصدقاء"، يتحدث مع ليلى. لم يكن يعرف عمر جيداً، لكنه كان يراه دائماً يخرج من المقهى بابتسامةٍ.

"من هذا الشاب؟" سأل أبو سالم الحاج محمود، الذي كان يقف أمام المقهى.

"هذا عمر يا أبا سالم"، أجاب الحاج محمود. "شابٌّ موهوبٌ، يحلم بأن يصبح كاتباً. وهو صديقٌ عزيزٌ لابنتي ليلى."

شعر أبو سالم بغصةٍ في حلقه. كان يرى الشباب، وهم يسعون نحو أحلامهم، ويجدون من يدعمهم. وهو، الذي كان يمتلك كل شيء، قد أصبح يغرق في بحرٍ من الأوهام.

"هل يعلم هذا الشاب بمشاكلي؟" تساءل في نفسه. "هل يعرف أنني أسير في الطريق الخطأ؟"

لم يكن أبو سالم يعلم أن حياته على وشك أن تأخذ منعطفاً جديداً. كانت هناك خيوطٌ تتشابك، ولقاءاتٌ تحدث، لم يكن يتوقعها.

في أحد الأيام، بينما كان عمر وليلى يتحدثان في المقهى، مر أبو سالم بالقرب منهما. توقف للحظة، ثم عاد أدراجه. كان يتردد في الاقتراب.

"يا ليلى"، قال عمر. "لقد رأيت رجلاً يبدو عليه الهم. ربما يحتاج إلى مساعدة."

نظرت ليلى في الاتجاه الذي أشار إليه عمر. "إنه أبو سالم، جاري. يبدو فعلاً متعباً."

"هل يمكن أن نساعده؟" سأل عمر. "ربما يحتاج إلى الحديث مع أحد."

ترددت ليلى قليلاً، ثم قالت: "ربما. لكنه رجلٌ متحفظٌ جداً."

"حسناً، سنحاول"، قال عمر بعزم. "فلنذهب إليه."

خرجا من المقهى، وتوجها نحو أبي سالم. وجداه يقف وحيداً، يتأمل في شيءٍ ما في الأرض.

"السلام عليكم يا عم أبو سالم"، قال عمر بصوتٍ ودود.

التفت أبو سالم، ورأى الشابين. شعر بارتباكٍ مفاجئ. "وعليكم السلام"، قال بصوتٍ خافت.

"نحن عمر وليلى، من مقهى 'زاوية الأصدقاء'", قال عمر. "لاحظنا أنك تبدو متعباً. هل أنت بخير؟"

شعر أبو سالم بوخزةٍ في قلبه. لم يكن يتوقع هذا الاهتمام من شابٍّ لا يعرفه جيداً.

"أنا بخير، الحمد لله"، قال أبو سالم، محاولاً أن يخفي حزنه.

"لكن يا عم أبو سالم، المظاهر قد تخدع"، قالت ليلى بلطف. "إذا كان هناك ما يزعجك، فنحن هنا لسماعك."

نظر أبو سالم إلى وجهيهما الصادقين. رأى فيهما براءةً، ورأى فيهما حباً. شيءٌ ما بداخله بدأ يتحرك. شيءٌ كان قد خبا لسنوات.

"لا شيء يا أبنائي"، قال أبو سالم. "مجرد هموم الدنيا."

"لكل منا هموم الدنيا يا عم أبو سالم"، قال عمر. "ولكن بالإيمان والصبر، يمكننا تجاوزها. هل ترغب في أن نجلس قليلاً في المقهى؟ ربما يساعدك تغيير الجو."

فكر أبو سالم. لم يكن يرغب في الذهاب، لكنه شعر بشيءٍ ما يدفعه إلى ذلك. ربما كانت هذه فرصةً. ربما كانت هذه هي الشرارة التي يحتاجها.

"حسناً"، قال أبو سالم. "لما لا."

جلسا جميعاً في المقهى. طلب عمر وعودتهما كوبين من الشاي، بينما اكتفى أبو سالم بفنجانٍ صغيرٍ من القهوة. بدأ الحديث يدور حول أمورٍ عادية، حول الطقس، حول الأحوال. لكن في جوف أبي سالم، كانت هناك عاصفةٌ تدور.

"هل تعرف يا عم أبو سالم"، قال عمر، "أنني أكتب روايةً عن شابٍّ يمر بصعوباتٍ كبيرة؟"

"رواية؟" قال أبو سالم بفضول.

"نعم"، أجاب عمر. "وهو يعاني من إدمانٍ معين. لكنه يحاول التغلب عليه، ليبدأ حياةً جديدة."

شعر أبو سالم وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته. لقد شعر وكأن عمر يتحدث عنه هو. هل يعرف عمر سره؟ كيف؟

"ما نوع هذا الإدمان؟" سأل أبو سالم بصوتٍ بالكاد مسموع.

"إنه إدمانٌ على الألعاب الإلكترونية"، أجاب عمر. "يجده الهروب من واقعه، لكنه في الواقع يدفعه إلى الهاوية."

صمت أبو سالم. لم يستطع أن ينطق بكلمة. كان يشعر بالخجل، وبالعار، وبالذنب. نظر إلى ليلى، التي كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالشفقة.

"يا عم أبو سالم"، قالت ليلى بحنان. "لا تخف. كلنا نخطئ، وكلنا نحتاج إلى من يساعدنا. المهم هو أن نحاول التغيير. الله غفورٌ رحيم."

كانت كلماتهما كبلسمٍ يداوي جروحاً عميقة. لأول مرةٍ منذ زمنٍ طويل، شعر أبو سالم بالأمل. شعر بأن هناك من يرى ضعفه، ولكنه لم يحكم عليه. بل حاول أن يقدم له يد العون.

"أنا... أنا فعلاً... أعاني من هذا الإدمان"، قال أبو سالم بصوتٍ مرتعش. "لقد أصبح يسيطر عليّ."

ابتسم عمر وقال: "نحن نفهم يا عم أبو سالم. لكن البداية هي الاعتراف، وهذا ما فعلته. نحن هنا لندعمك، إذا أردت."

شعر أبو سالم بأن دموعه بدأت تتساقط. لم تكن دموع حزنٍ فقط، بل كانت دموع فرحٍ، دموع خلاص. لقد وجد من يمد له يد العون، في الوقت الذي كان يشعر فيه أنه وحيدٌ تماماً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%