يوم مضحك الجزء الثاني
الفأر والملك والكنز المفقود
بقلم سعيد الضحكة
انفجر صوت ضحك مكتوم من خلف ستائر المخمل السميكة، تبعته حركة سريعة، ثم تناهت إلى مسامع الحاجة صفية، وهي تتلمس دروب الغرفة المظلمة بعصاها المعهودة، أنين خافت وهمهمات غير مفهومة. رفعت رأسها، وقد أضاءت عيناها الثاقبتان لمعة فضول ممزوجة بحذر. كانت تعلم أن هذا البيت العريق، الذي شهد على أجيال من القصص والحكايات، لا يخلو من مفاجآت، خاصة عندما يتعلق الأمر بأبنائها وأحفادها.
"من هناك؟" نادت بصوتها الذي يحمل خشونة الزمن ودفء الحنان معاً. لم يأتِ رد، بل سمعت صوت سقوط شيء خفيف، ثم صمت. تحركت بخطوات وئيدة، تستدل بمسامعها على مصدر الصوت. كانت تشعر بالوحدة في هذا القصر الفسيح، لكنها لم تكن وحيدة حقاً. كانت روح الماضي تسكن جدرانه، وأصوات الأحباء الذين رحلوا لا تزال تتردد في أرجائه.
وصلت إلى ما يبدو أنه زاوية الغرفة، ولمست برفق ستارة مخملية ثقيلة. فجأة، شعرت بشيء يتحرك بداخلها، شيء صغير وبارد. صرخت صرخة خفيفة، ثم أدركت أنها لا تحمل تهديداً. فتحت الستارة بحذر، لتجد شاباً يرتدي ملابس داكنة، مختبئاً خلفها، وعيناه تتسعان من الدهشة والارتباك. كان وجهه نحيلاً، وشعره الأسود فوضوياً، لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً ذكياً.
"يا إلهي! هل أنتِ الحاجة صفية؟" قال الشاب بصوت يرتجف قليلاً.
ابتسمت الحاجة صفية ابتسامة واسعة. "ومن غيري؟ ومن أنت أيها الغريب الذي يتسلل إلى بيتي في جوف الليل؟"
"أنا... أنا اسمي فؤاد. كنت أبحث عن شيء... شيء مفقود."
"شيء مفقود؟ في غرفتي؟" سألت الحاجة صفية، وقد بدأت خيوط القصة تتشكل في ذهنها. لم يكن فؤاد وجهًا مألوفًا.
"نعم، يا ستي. شيء ذو قيمة كبيرة. قيل لي إنه هنا."
"من قال لك؟ وما هي هذه القيمة؟"
نظر فؤاد حوله بتردد، ثم اقترب من الحاجة صفية، وكأنه يشاركها سراً. "إنها... إنها خريطة. خريطة لكنز عظيم، ورثته عائلتي عن أجدادي، وقد ضاع منذ زمن بعيد."
توسعت عينا الحاجة صفية. "كنز؟ خريطة؟ في بيتي؟ هذه حكاية تتجاوز خيالي."
"لقد اتبعنا أدلة، وكلها أشارت إلى هذا المكان. إلى صندوق قديم وجدته جدتي في قبو البيت قبل سنوات، وكانت تحتويه هذه الخريطة. لكنها ضاعت مني، وأنا في طور استعادتها."
"وهل تعتقد أنني أخفيتها؟" سألت الحاجة صفية بنبرة تجمع بين المزاح والجدية.
"لا، أبداً يا ستي. لكن ربما... ربما يعلم أحد أفراد عائلتكم عن وجودها؟"
تذكرت الحاجة صفية فجأة صندوقاً قديماً صدئاً وجدوه قبل سنوات في أسفل مخزن القبو. كان مليئاً بالأشياء القديمة، بعضها له قيمة تاريخية، وبعضها الآخر مجرد ذكريات. هل يمكن أن تكون هذه الخريطة بين تلك الأشياء؟
"أتذكر صندوقاً قديماً... مليئاً بالأوراق البالية. هل يمكن أن تكون...؟"
"هذا هو الصندوق! أعرف أنه هو!" قال فؤاد بحماس. "أنا متأكد من ذلك."
"ولماذا تأتي وحدك في هذا الوقت المتأخر؟" سألت الحاجة صفية، وعيناها تفحصان وجه الشاب بعمق. كان يبدو صادقاً، ولكنه كان أيضاً يبدو في ورطة.
"الوقت لم يكن يسمح، يا ستي. وأردت أن أتجنب لفت الانتباه. هناك... هناك من يبحث عنها أيضاً. وهم ليسوا باللطف الذي أتمنى."
"من هم؟"
"لا أعرف هويتهم تماماً، لكنهم يبدون جادين. سمعت همسات عن رجل يدعى 'الظل'، يجمع القطع الأثرية المفقودة بطرق... غير مشروعة."
شعرت الحاجة صفية بقشعريرة تسري في جسدها. كانت تعرف أن بعض الأشياء في هذا البيت تحمل قصصاً أعمق مما تبدو عليه.
"تعال معي يا فؤاد. لنرى ما إذا كنا سنعثر على هذه الخريطة. ولكن كن حذراً. هذا البيت ليس مجرد جدران وحجارة، بل هو شاهد على تاريخ طويل، وقد يحمل أسراراً لا تخطر على بالك."
امسك فؤاد بيد الحاجة صفية، وشعر بدفء غريب يسري في عروقه. لقد وجد أخيراً من قد يرشده إلى كنز ليس فقط مادياً، بل كنز من الحكمة والتاريخ.
"أشكرك يا ستي. أنا مدين لك بحياتي."
"لا تشكرني بعد، يا بني. فالكنوز تأتي مع مسؤوليات، والأسرار غالباً ما تكون ثقيلة. هيا بنا إلى القبو. فلنرى ما تخبئه لنا الظلال."
انطلقا معاً، الحاجة صفية بعصاها تقود الطريق، وفؤاد خلفها، وقلبه يخفق بين الخوف والأمل. لقد بدأت مغامرة لم يكن يتوقعها، مغامرة قد تغير حياته، وتكشف له أسراراً عميقة تتعلق بتاريخ عائلته، بل ربما بتاريخ هذه المدينة العريقة. كانت الظلال تتراقص على الجدران، وكأنها تستقبل ضيفاً جديداً، ضيفاً يبحث عن ماضٍ مفقود، وعن مستقبل قد يكون أروع مما تخيل.