يوم مضحك الجزء الثاني
فصل 11 — همسات الخلاف ومصارحة الأحبة
بقلم سعيد الضحكة
ارتفعت أصوات الباعة المتجولين في السوق، تمازجت مع ضجيج الحياة اليومية في أزقة "حيّ النخيل" العتيق. كانت "ليلى" عائدة من صالة "الفن الأصيل"، تشعر ببعض الإرهاق، لكنها في الوقت نفسه كانت تعيش نشوة الإلهام. لقد وضعت مع "حامد" الخطوط العريضة لمعرضها، وشعرت بأنها على وشك تحقيق حلم كبير.
فور دخولها المنزل، استقبلتها والدتها بابتسامة ودفء. "أهلاً بكِ يا حبيبتي. تبدين متعبة. هل كان لقاؤكِ مع "حامد" مثمرًا؟" "نعم يا أمي، كان رائعًا. لدينا خطة واضحة الآن، وأنا متحمسة جدًا للبدء." جلست "ليلى" لتناول كوب من الشاي الساخن، وبدأت تحكي لوالدتها عن تفاصيل الاجتماع، عن الأفكار التي طرحتها، وعن مدى تفهم "حامد" لرؤيتها. كانت سعيدة وهي تشعر بأنها تسير في الطريق الصحيح، وأن موهبتها تلقى التقدير.
في المقابل، كان "خالد" يقضي وقته في مكتبه الفخم، محاطًا بالملفات والخطط. كان عقله مشغولاً بمشاريعه التجارية، لكن جزءًا منه كان لا يزال يراقب تحركات "أحمد" و"ليلى". لم يستطع تجاوز شعوره بأن "أحمد" لا يليق بـ "ليلى"، وبأن زواجهما سيكون خطأ. في قرارة نفسه، كان يرى في "ليلى" فرصة ذهبية، ربما لم تكن رومانسية بالمعنى التقليدي، بل كانت ترى فيها شريكة استراتيجية، تستطيع أن تضفي على عالم "خالد" لمسة من الفن والإبداع، وتفتح له آفاقًا جديدة.
"يا أخي، هل ما زلت تفكر في "ليلى"؟" سأل "خالد" "أحمد" وهو يتناولان عشاءً عائليًا. نظر "أحمد" إلى شقيقه باستغراب. "ماذا تقصد يا "خالد"؟ أنا سعيد بخطوبتي من "ليلى"، وهي سعيدة بي." "ولكن هل أنت متأكد من أنك على قدر المسؤولية؟ هل أنت مستعد للاهتمام بفنانة عظيمة مثلها؟ هل تملك القدرة على فهم عالمها؟" تنهد "أحمد" بصبر. كان يعرف أن "خالد" لا يزال يحمل بعض التحفظات، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. "يا "خالد"، الحب لا يحتاج إلى شهادات أو إلى براهين. "ليلى" اختارتني، وأنا اخترتها. وثقتنا ببعضنا البعض تكفي. أما عن فهم عالمها، فأنا أراها بعيني، وأحبها بقلبي، وهذا هو الأهم." "لكن يا "أحمد"، "ليلى" ليست مجرد فتاة عادية. إنها فنانة ذات اسم. هل فكرت في مستقبلها؟ في الصورة التي ستبدو عليها؟" "مستقبلها هو ما تختاره هي، وسأدعمها في كل خطوة. وصورتها هي ما تبدو عليه من الداخل، روحها النقية، وقلبها الطيب. وهذه صفات لا يملكها الكثيرون."
بدا على وجه "خالد" شيء من الإحباط، لكنه لم يتراجع. "حسناً، إذا كنت مقتنعاً، فلتكن. لكن تذكر، المسؤولية كبيرة." شعر "أحمد" بأن أخاه يحاول إلقاء ظلال من الشك والتردد على علاقته، لكنه لم يدع ذلك يؤثر على سعادته.
في هذه الأثناء، كانت "سارة" تتحدث مع والدتها عبر الهاتف. كانت تشعر بنوع من الحيرة والقلق. "أمي، هل أنتِ متأكدة من أن "خالد" هو الشخص المناسب لي؟" "ماذا تقولين يا "سارة"؟ إنه ابن عمك، ومن أفضل العائلات. وأنتم متفقون منذ زمن. لا أفهم سبب حيرتك الآن." "لا أدري يا أمي. أشعر بأن هناك شيئًا ما ينقص. أشعر بأنني لا أراه جيدًا. وأنه مشغول دائمًا بأعماله." تنهدت الأم: "يا ابنتي، الزواج ليس دائمًا قصة رومانسية خيالية. هو شراكة، وتفاهم، واهتمام بالعائلة. "خالد" شاب مسؤول، ويعرف كيف يدير الأمور." "لكن هل يعرف كيف يدير قلب امرأة؟" همست "سارة" لنفسها، ولم تسمعها والدتها. "ماذا قلتي؟" "لا شيء يا أمي. ربما أنا فقط متوترة بسبب قرب موعد الخطوبة."
في منزل "آل الزهراوي"، حيث تقيم "ليلى"، كان هناك بعض الحديث عن "خالد". "سمعت أن "خالد" كان يبدي اهتمامًا بـ "ليلى" في الماضي، قبل أن تتقرب من "أحمد"." قالت عمة "ليلى" لزوجها. "أعلم. كان يراها كفنانة واعدة، وربما كان يفكر في شيء أبعد من ذلك. لكن "ليلى" اختارت طريقها." "وهل تعتقدين أن "خالد" راضٍ عن هذا الاختيار؟" "من الصعب معرفة ما يدور في عقول الأغنياء، لكنني لا أعتقد أنه سعيد تمامًا. ربما يرى أن "أحمد" لا يملك ما يكفي من الطموح أو المكانة."
في إحدى زوايا المدينة الهادئة، كان "أحمد" يتأمل الهدية التي اشتراها لـ "ليلى". القلادة الزمرُدية، وديوان الشعر. تمنى لو يستطيع أن يراها الآن، ليشاركها فرحته. قرر أن يزورها في المساء.
وعندما حل المساء، ذهب "أحمد" إلى منزل "ليلى". استقبله والدها "عادل" بحرارة. "أهلاً بك يا "أحمد". تفضل بالجلوس." "شكرًا يا عمي. هل "ليلى" موجودة؟" "نعم، إنها في غرفتها. اذهب إليها." صعد "أحمد" السلالم، وقلبه يخفق. وجد "ليلى" جالسة إلى مكتبها، ترسم. "السلام عليكم يا "ليلى"." التفتت "ليلى" بابتسامة مشرقة. "وعليكم السلام يا "أحمد". ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟" "جئت لأرى حبيبتي، ولأقدم لها شيئًا." مد "أحمد" يده بالهدية. رفعت "ليلى" حاجبيها بدهشة. "ما هذا؟" "افتحيها بنفسك." فتحت "ليلى" علبة الهدية، فانكشفت القلادة الزمرُدية. اتسعت عيناها. "يا إلهي، إنها جميلة جدًا! من أين لك هذا؟" "لقد رأيتها وتذكرتك. لونها يذكرني بلون عينيك." ثم قدم لها ديوان الشعر. "وهذه أيضًا. قرأت بعض القصائد، وشعرت بأنها تتحدث عنكِ." احتضنت "ليلى" الهدية بقوة. "شكرًا لك يا "أحمد". أنت حقًا تعرف كيف تجعلني سعيدة." جلسا يتحدثان، يتبادلان الحديث عن يومهما، عن أحلامهما. كانت "ليلى" تحدثه عن معرضها، وعن حماسها. "لقد وجدت في "حامد" شريكًا رائعًا، يا "أحمد". إنه يفهم ما أريد." "وهذا رائع. أنا سعيد لسماع ذلك. أريد أن أراكِ تحققين كل أحلامك." "وأنت؟ هل كل شيء على ما يرام في عملك؟" "نعم، الأمور تسير. لكنني لا أشعر بالراحة دائمًا." "ماذا تقصد؟" "لا أدري. أشعر بأن البعض لا يرى قيمة ما أفعله. خاصة "خالد"." تنهدت "ليلى". "خالد؟" "نعم. إنه دائمًا ما يشكك في قدراتي، وينتقد اختياراتي، خاصة فيما يتعلق بكِ." "لم يكن "خالد" دائمًا لطيفًا معي." قالت "ليلى" بصوت خافت. "أعلم. لكنني لا أريد أن أجعل حياتنا عبئًا عليه. أريد أن أكون سعيدًا، وأريدكِ أن تكوني سعيدة." نظرت "ليلى" في عينيه. "وأنا كذلك. حبك لي هو كل ما أحتاجه." جلسا متشابكي الأيدي، يشعران بالراحة والسعادة. لكن لم يكن يعلم أي منهما أن هذه الراحة قد لا تدوم طويلاً، وأن كلمات "خالد" القاسية، ومشاورات "سارة" الغامضة، كانت تخلق عاصفة هادئة، على وشك أن تضرب حياتهما.