يوم مضحك الجزء الثاني
نداء الواجب ورائحة الشاي
بقلم سعيد الضحكة
تسارعت أنفاس فاطمة وهي تضع آخر قطعة من البقلاوة المزينة بالفستق على طبق فضي مصقول. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها وهي تتأمل إبداعها. كان لمطبخ جدتها، بعطوره الشرقية الساحرة، رونق خاص يبعث على السكينة والطمأنينة. كل ركن فيه يحكي قصة، وكل رائحة تحمل ذكرى. ورائحة الشاي بالنعناع التي بدأت تتصاعد من الإبريق النحاسي كانت كفيلة بإيقاظ حواسها وذكرياتها.
"بوركتِ يا ابنتي، ما أجمل ما صنعتِ!"
جاء صوت جدتها العذب من خلفها، فاطمة استدارت فوجدتها تقف عند مدخل المطبخ، ترتدي حجابها التقليدي المزين بالزخارف الفضية، وعيناها تلمعان بحنان لا ينضب. كانت الجدة أمينة، عمود العائلة وسندها، بجمالها الذي لم تخبُ جذوته رغم مرور السنين.
"الحمد لله يا جدتي. أردتُ أن أُعدّ شيئاً يليق بضيافة أهل العوضي، لا سيما وأن السيد هاشم قادم."
نطق اسم السيد هاشم، الخطيب المرتقب لابنة عمها سارة، وكأنها تنطق تعويذة. كان الأمر أشبه بقنبلة موقوتة داخل جدران المنزل الهادئة. سارة، ذات الروح الشفافة والقلب الرقيق، كانت تعيش لحظات من التوتر الممزوج بالفرحة. كانت الخطبة الرسمية بعد ثلاثة أيام، واليوم سيلتقي بها السيد هاشم وعائلته بشكل غير رسمي، في لقاء حميمي تشرف عليه الجدة أمينة.
"نعم، سيتعرف علينا ويتعرف على سارة. أتمنى أن يكون شاباً صالحاً، يخاف الله في عباده، ويُقدر نعمة الزواج." قالت الجدة أمينة وهي تتناول قطعة بقلاوة وتتذوقها بعناية. "السعادة في الزواج يا فاطمة لا تُقاس بالمال أو بالمظاهر، بل بالرضا والتوافق، وبأن يكون بين الزوجين مودة ورحمة."
جلست فاطمة بجوار جدتها على طاولة المطبخ الخشبية القديمة، والتي شهدت أجيالاً من الأحاديث والضحكات والدموع. "وهل تظنين أنه كذلك يا جدتي؟ أنا أرى في عينيه شيئاً من الوقار، ولكن... لا أعرف. هناك شيء يخيفني."
"ما هو هذا الشيء الذي يخيفك يا ابنتي؟" سألت الجدة أمينة بنبرة تحمل فضولاً ممزوجاً بالحكمة.
"لا أعرف بالضبط. ربما هي رقة سارة، وحساسيتها. أخشى أن يتعامل معها ببرود، أو أن يفرض عليها ما لا تريده. هي لا تزال صغيرة، وأحلامها بريئة."
تنهدت الجدة أمينة، ومررت يدها على يد فاطمة. "يا ابنتي، الزواج ليس نهاية الأحلام، بل بداية لمرحلة جديدة. وعلى الزوجين أن يتقيا الله في بعضهما البعض. سارة فتاة ذكية، وأنا واثقة أنها ستعرف كيف تتعامل. أما السيد هاشم، فسمعته طيبة، ومن عائلة كريمة. دعيهما يقابلهما، ونحن ندعو الله أن يُصلح الحال."
في تلك الأثناء، كانت سارة في غرفتها، تتأمل نفسها في المرآة. كانت ترتدي ثوباً فضفاضاً بلون الياقوت، مطرزاً بخيوط ذهبية رقيقة. شعرها الطويل المنسدل على كتفيها كان أشبه بشلال داكن. كانت تضع القليل من الكحل حول عينيها، وتلون شفتيها بلمسة خفيفة من لون طبيعي. كانت تتنفس بعمق، تحاول أن تهدئ نبضات قلبها المتسارعة.
"هل أبدو جيدة؟" سألت صديقتها المقربة، ليلى، التي كانت تجلس على السرير.
"رائعة يا سارة! كأنكِ قمر اكتمل. إن شاء الله ستُعجب به، وستُعجبين به." ردت ليلى بابتسامة مشجعة.
"ولكنني خائفة يا ليلى. لم أره إلا مرة واحدة في العيد، وكان وقتها الجميع مشغولاً. لم تتح لي فرصة الحديث معه، أو حتى ملاحظة الكثير عنه. هو يبدو رجلاً مهذباً، ولكن... ما زلت أخشى أن لا أكون على قدر توقعاته."
"لا تقلقي يا عزيزتي. أنتِ جوهرة ثمينة، وهو من سيكتشف كنوزك. فقط كوني على طبيعتك، وأظهري له ما في قلبك من نقاء وطيبة. وأهم شيء، لا تنسي أن تصلي صلاة الاستخارة. هي دليل المؤمن."
نصيحة ليلى كانت كبلسم شافٍ. سارة استشعرت بعض الراحة، وقررت أن تأخذ بنصيحتها.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان السيد هاشم يجلس في سيارته الفارهة، يرتدي بزة أنيقة. كان يبدو عليه الهدوء، ولكن في داخله كانت تدور دوامة من الأفكار. كان يتلقى رسالة من صديقه المقرب، يعلمه فيها بموعد وصولهم إلى منزل العوضي.
"أيها هاشم، هل أنت مستعد لمقابلة عروس المستقبل؟" كتب صديقه مازحاً.
رد هاشم بابتسامة خفيفة. "إن شاء الله. فقط أرجو أن يكون اللقاء مناسباً، وأن لا تكون هناك ضغوطات. أعرف أن سارة فتاة طيبة، وأتمنى أن نجد التوافق الذي يُرضي الله."
كان هاشم شاباً طموحاً، ناجحاً في مجال عمله، ولكنه كان أيضاً شاباً يقدّر القيم الأسرية والدينية. لم يكن يبحث عن زواج تقليدي، بل عن شريكة حياة تُعينه على دينه ودنياه. سمع عن سارة من عمتها، ووصفها بأنها فتاة ذات أخلاق عالية، وروح صافية.
عندما وصلوا إلى منزل العوضي، استقبلهم والد سارة، السيد عدنان، بترحاب شديد. كان المنزل كبيراً، ذو طراز عثماني قديم، يفوح منه عبق التاريخ والأصالة. كانت الزهور الملونة تملأ الحديقة، وفوح الياسمين يملأ الأجواء.
بعد تبادل التحيات والسلام، جلس الجميع في الصالة الرئيسية، المزينة بالنقوش العربية والإسلامية. كانت الجدة أمينة قد أعدت مائدة عامرة بأشهى المأكولات والمشروبات، من الحلويات الشرقية الفاخرة إلى الشاي بالنعناع والقهوة العربية.
بدأت الأحاديث تدور حول مواضيع عامة: العمل، العائلة، الهوايات. كانت فاطمة تراقب سارة عن كثب، تتأمل تعابير وجهها، وحركات يديها. كانت سارة تبدو مرتبكة قليلاً في البداية، ولكن سرعان ما استعادت رباطة جأشها، وبدأت تتحدث بطلاقة، تُظهر ذكاءها وفطنتها.
لاحظ هاشم ابتسامتها الهادئة، وطريقة حديثها الرقيقة. كان يبدو معجباً بأسلوبها، وبإحترامها الكبير لعائلتها. كان يتحدث معها بجدية، ويستمع إلى آرائها بعناية.
"يبدو أن الجو يبشر بالخير." همست فاطمة لجدتها.
ابتسمت الجدة أمينة. "كل شيء بيد الله يا ابنتي. نحن نسعى، والله يوفق."
في زاوية أخرى من الغرفة، كان السيد عدنان يتبادل أطراف الحديث مع والد هاشم، السيد عمر. كانت الأحاديث بينهما تبشر بانسجام بين العائلتين.
"أتمنى أن يكون هذا اللقاء بداية لشيء جميل." قال السيد عدنان.
"وأنا كذلك. ابني هاشم شاب ملتزم، وأعلم أنه سيُقدر ابنتك." رد السيد عمر.
ومع مرور الوقت، بدأت التشنجات تتلاشى، وبدأ الارتياح يحل محلها. كانت الأحاديث تتدفق بسلاسة، والضحكات تتناغم مع عزف خافت للعود في الخلفية، أضفت جواً من الألفة والرومانسية الهادئة.
كانت فاطمة تراقب هذه الأجواء، وفي قلبها دعوات خفية أن تُكلل هذه الخطوة بالنجاح. ولكن، كالعادة، كانت تتسلل إليها بعض الظلال، بعض الهواجس. ما لم تكن تعرفه فاطمة، ولا سارة، أن هذا اللقاء، رغم هدوئه الظاهري، كان مجرد بداية لتحديات أكبر، واكتشافات لم تكن في الحسبان. فالبقلاوة والابتسامات والهدايا، قد تخفي وراءها قصصاً أخرى.