يوم مضحك الجزء الثاني

مفاجأة في صندوق ذكريات

بقلم سعيد الضحكة

كانت رائحة البخور الهندي تفوح من غرفة الجدة أمينة، تفوح معها عبق الماضي وذكريات الأيام الخوالي. كانت فاطمة تساعد جدتها في ترتيب الأغراض القديمة، استعداداً لتنظيف شامل للمنزل قبل قدوم ضيوف جدد. لم يكن المنزل مجرد جدران وسقوف، بل كان متحفاً حيّاً، تتجسد فيه تاريخ العائلة، وتتداخل فيه حكايات الأجداد.

"ماذا سنفعل بكل هذه الأشياء يا جدتي؟" سألت فاطمة وهي تحمل صندوقاً قديماً من الخشب المنقوش، تكسوه طبقة سميكة من الغبار.

"هذه كنوز يا ابنتي، هذه ذكريات. لا نرمي الذكريات." أجابت الجدة أمينة بنبرة تحمل حكمة السنين. "كل قطعة هنا لها قصة، لها معنى. ربما نجد بينها ما يُسعدنا، أو ما يُعلمنا درساً."

بدأت الجدة أمينة تفتح الصندوق ببطء، تتكشف عن محتوياته بعناية. كانت هناك صور بالأبيض والأسود، لأشخاص بملابس تقليدية، ووجوه تحمل براءة الماضي. كانت هناك رسائل قديمة، مكتوبة بخط متقن، وبعض المجوهرات الفضية التي تلمع تحت ضوء المصباح الخافت.

"انظري يا فاطمة، هذه صورة لوالدكِ وأنا في شبابهما. يا له من يوم جميل كان ذلك." قالت الجدة وهي تُري فاطمة صورة بالأبيض والأسود، يظهر فيها شاب وسيم يحتضن امرأة شابة بابتسامة مشرقة.

"أبي كان وسيماً جداً يا جدتي!" قالت فاطمة وهي تتأمل الصورة.

"كان طيب القلب، كريماً، رحيماً. الله يرحمه ويغفر له."

واصلت الجدة البحث في الصندوق، وبين الأغراض، وقع بصرها على دفتر صغير، مغلف بغلاف جلدي قديم. كان الدفتر يبدو مهترئاً، ولكن لونه البني الداكن احتفظ ببعض من رونقه.

"ما هذا يا جدتي؟" سألت فاطمة.

"هذا... هذا دفتر مذكرات لوالدتكِ." قالت الجدة أمينة بصوت مرتجف قليلاً. "لم أره منذ سنوات طويلة. لقد احتفظت به في هذا الصندوق بعد... بعد رحيلها."

كلمة "رحيلها" كانت كافية لإحداث صدى في قلب فاطمة. والدتها، التي رحلت مبكراً، لم تترك لها سوى صور قليلة وذكريات باهتة. أمسكت الدفتر بيدين مرتعشتين، وكأنها تمسك بقطعة من روح والدتها.

"هل يمكنني قراءته يا جدتي؟" سألت بصوت خافت.

"بالطبع يا ابنتي. ربما تجدين فيه ما يُقربكِ منها، وما يُعرفكِ عليها أكثر."

جلست فاطمة على الأرض، بجوار جدتها، وفتحت الدفتر بحذر. كانت الصفحات ممتلئة بخط يد والدتها الأنيق، المتعرج قليلاً. بدأت تقرأ، وفي كل كلمة كانت تشعر بقرب أكبر من والدتها. كانت والدتها تكتب عن أحلامها، عن آمالها، عن حبها الكبير لوالدها، ولعائلتها.

"اليوم، لقاء في البيت. والدتي وأبي يتحدثان عن خطبتي من السيد عادل. سمعتُ أسماءً لم أعرفها من قبل. لا أعرف كيف سيكون الأمر، ولكني أثق في اختيارات والديّ. أدعو الله أن يُبارك لي."

قرأت فاطمة هذه الكلمات، وتذكرت أن والدتها كانت مخطوبة لزوجها، السيد عادل، قبل أن تتزوج من والدها. كانت تعلم أن والدتها تزوجت مرتين، ولكنها لم تعرف الكثير عن زواجها الأول.

"اليوم، العقد. السيد عادل رجل طيب، وقور. يبدو أنه يحبني. ولكن قلبي لا يزال يذكر... يذكر ابتسامة أبي. أدعو الله أن يُعينني على تجاوز هذه المرحلة، وأن أكون زوجة صالحة."

شعرت فاطمة بوخزة في قلبها. والدتها كانت تحمل عبئاً ثقيلاً، ولكنها كانت تتحمل بصبر وقوة.

"لقاء في النادي. تحدثت مع صديقتي ليلى عن مشاعري. هي تخبرني أن الزواج سعادة، وأن مع الوقت، سأعتاد على السيد عادل. لكنني... لا أستطيع أن أنسى. هناك شيء ما يجذبني نحو... نحو السيد يوسف."

اسم "السيد يوسف" جعل فاطمة تتجمد. لم تكن تعرف أن والدتها كانت تعرف شخصاً آخر اسمه يوسف. من يكون هذا السيد يوسف؟ هل كان هناك قصة حب أخرى في حياة والدتها؟

"اليوم، خبراً مفرحاً! السيد عادل قرر السفر للعمل في الخارج لمدة عام. فرصة لي لأتنفس، لأفكر. ربما يكون الابتعاد مفيداً. وفي غيابه، أجد نفسي أبحث عن... عن السيد يوسف."

زاد فضول فاطمة. بدأت الصفحات تتوالى، وتتكشف عن قصة حب سرية، مليئة بالشوق، والتردد، والأمل. كانت والدتها تكتب عن لقاءات سرية مع السيد يوسف، عن أحاديثهم التي لم تنتهي، وعن أحلامهم التي كانوا يرسمونها معاً.

"اليوم، أخبار سيئة. السيد عادل سيعود قبل الموعد. عليّ أن أكون حذرة. لقاء آخر مع السيد يوسف. وعدني أنه سينتظرني، وأننا سنجد حلاً. قلبي يكاد ينفطر خوفاً وحباً."

ثم جاءت صفحة أخرى، صفحة مبللة بالدموع.

"اليوم، الأمر اكتشف. السيد عادل غاضب. أهلي خائفون. والسيد يوسف... لا أعرف أين هو. قالوا إنه سافر. لا أعرف ماذا سيفعلون بي. أدعو الله أن يرحمني. أرجوكم، إذا قرأتم هذا، اعلموا أني أحببتُ بصدق، ولكن الحياة كانت أقسى."

ثم لم تعد هناك أي كتابات لمدة أسابيع. كانت هناك صفحة فارغة، ثم صفحة كُتب عليها بحبر باهت: "اليوم، زواج من السيد عادل. القدر أقوى من الجميع."

اختنقت فاطمة. دمعة حارة سقطت على صفحة الدفتر. والدتها، التي عرفتها دائماً قوية، صابرة، كانت تحمل في قلبها قصة ألم وحرمان.

"ماذا حدث بعد ذلك يا جدتي؟" سألت بصوت مختنق.

تنهدت الجدة أمينة، وعيناها تلمعان بالدموع. "لم أكن أعرف كل التفاصيل يا ابنتي. سمعتُ أن السيد عادل طلقها بعد فترة قصيرة. وأنها عادت إلى منزلنا، ثم... ثم قابلت والدكِ. لقد أحبها بصدق، وقدرها، وجعلها تنسى كل شيء."

"وهل عرف السيد يوسف بما حدث؟"

"لا أعلم. لقد اختفى. ربما كان حباً من طرف واحد، أو ربما كانت هناك ظروف قاهرة. الحياة يا ابنتي مليئة بالأسرار، ومليئة بالأقدار الغريبة."

أغلقت فاطمة الدفتر ببطء. كان هذا الاكتشاف صادماً، ولكنه أيضاً جعلها تشعر برابط أقوى بوالدتها. لم تعد والدتها مجرد صورة، بل أصبحت إنسانة كاملة، عاشت تجارب، شعرت بالحب، بالألم، وبالأمل.

"والآن، سارة..." قالت فاطمة فجأة. "هل تعرف سارة عن هذا؟"

"لا يا ابنتي. لم أكن أرغب في إثقال قلبها قبل خطبتها. ولكن الآن... ربما يكون من المفيد أن تعرفي، وأن تعرف هي أيضاً، أن الحياة ليست دائماً كما تبدو."

نظرت فاطمة إلى صندوق الذكريات، وإلى الدفتر الذي بين يديها. أدركت أن هذا الصندوق لم يكن مجرد أوراق قديمة، بل كان بوابة إلى الماضي، وكاشفاً لأسرار لم تكن في الحسبان. وأن هذه الأسرار، قد يكون لها تأثير على مستقبل سارة، وعلى مستقبلها هي أيضاً.

"لا أعرف كيف سأتصرف بهذا الأمر." همست فاطمة.

"لا تستعجلي يا ابنتي. استخيري الله. واتركي الأمر يمضي بتدرج. ربما يكون هناك ما هو أفضل مما نتوقع."

في تلك اللحظة، دخلت سارة الغرفة، تبدو سعيدة. "ماذا تفعلان؟ هل وجدتِ شيئاً مثيراً يا فاطمة؟"

نظرت فاطمة إلى سارة، ثم إلى الدفتر. شعرت بثقل المسؤولية. هل تخبرها؟ هل تخفي؟ كيف ستؤثر هذه الحكاية القديمة على مستقبل خطبتها؟

"لا شيء مهم يا سارة. مجرد أغراض قديمة." قالت فاطمة، ثم ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها.

أومأت سارة برأسها، ثم قالت: "أردتُ أن أخبركما، أن السيد هاشم قد أرسل لي باقة ورد جميلة جداً. وكانت معها بطاقة تقول: 'أتمنى أن تجلب لكِ هذه الزهور البهجة التي في قلبكِ.'"

نظرت فاطمة إلى سارة، ورأت السعادة الحقيقية في عينيها. تساءلت في قرارة نفسها: هل السيد هاشم حقاً هو السعادة التي تتمناها سارة؟ أم أن هناك مفاجآت أخرى في انتظارها، تماماً كما كانت هناك مفاجآت في حياة والدتها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%