يوم مضحك الجزء الثاني
خيوط متنافرة وشك ينمو
بقلم سعيد الضحكة
مرت الأيام، وتزايدت وتيرة الاستعدادات لخطبة سارة. بدت فاطمة مشغولة باستمرار، بين إعداد قائمة المدعوين، والتنسيق مع محل الزهور، والتأكد من كل التفاصيل الصغيرة التي تضمن نجاح الحفل. ولكن في داخلها، كان هناك صراع خفي. لم تستطع أن تتخلص من الأفكار التي طرحها دفتر والدتها. ظل شبح السيد يوسف يراودها، ويجعلها تتأمل في عمق مشاعر سارة تجاه السيد هاشم.
"هل أنتِ حقاً سعيدة يا سارة؟" سألت فاطمة ذات يوم، وهي تشربان الشاي على شرفة المنزل المطلة على الحديقة.
رفعت سارة حاجبها بدهشة. "بالطبع يا فاطمة. لماذا تسألين؟"
"لا شيء. فقط... أنتِ تبدين سعيدة جداً، وهذا يسعدني. ولكن في بعض الأحيان، أتساءل ما إذا كانت هذه السعادة نابعة من قلبكِ حقاً، أم أنها مجرد سعادة متوقعة؟"
تنهدت سارة. "يا فاطمة، أنتِ دائماً تفكرين بعمق. بالطبع أنا سعيدة. السيد هاشم رجل طيب، محترم، ويُقدرني. ما الذي يمكن أن أطلبه أكثر من ذلك؟"
"ربما... ربما حب حقيقي؟" قالت فاطمة بتردد.
نظرت سارة إلى فاطمة بتعجب. "وهل تظنين أن ما بيننا ليس حباً؟ هو يتعامل معي بلطف، ويهتم بي، ويخاف عليّ. هذا حب يا فاطمة. حب هادئ، مبني على الاحترام. ليس كقصص الروايات الخيالية."
"ولكن... هل تشعرين بشيء مميز تجاهه؟ بشيء يجعلكِ تنتظرين لقاءه بشوق؟"
ترددت سارة قليلاً. "أنا أقدر وجوده في حياتي. هو سيصبح زوجي، وأتمنى أن نبني حياة سعيدة معاً. ولكن... هل يجب أن أشعر دائماً بشوق؟"
أحست فاطمة أن سارة تتجنب الإجابة بشكل مباشر. هذا التردد، وهذا البحث عن معنى للسعادة، أعادا إلى ذهنها كلمات والدتها: "قلبي لا يزال يذكر... يذكر ابتسامة أبي... هناك شيء ما يجذبني نحو... نحو السيد يوسف."
"ربما لا يجب أن تكون السعادة كلها متوقعة." قالت فاطمة لنفسها بصوت مسموع.
"ماذا تقولين؟" سألت سارة.
"لا شيء. فقط أفكر بصوت عالٍ."
في تلك الأثناء، كان السيد هاشم يبدو مشتتاً بعض الشيء. تلقى مكالمة هاتفية غير متوقعة من أحد شركائه القدامى، يخبره فيها عن بعض المشاكل المالية التي تواجه شركته، والتي قد تؤثر عليه بشكل مباشر. كان عليه أن يسافر لمكان بعيد لحل هذه المشكلة، مما قد يؤخر بعض أمور الزواج.
"هذا محبط جداً." قال هاشم لصديقه المقرب، علي، وهو يتناولان القهوة في أحد المقاهي. "كنت أتمنى أن أكون هنا مع سارة، وأن أُركز على الاستعدادات. ولكن يبدو أن القدر له رأي آخر."
"لا تقلق يا صديقي. سارة تفهم. كل هذه الأمور تحدث. فقط أرسل لها رسالة، وأخبرها بالأمر. هي فتاة ذكية، وستتفهم."
"أتمنى ذلك." قال هاشم. "ولكنني أشعر أن هناك شيئاً ما... شيئاً غريباً يحدث. منذ أن بدأت الأمور تسير جدياً مع سارة، وأنا أشعر ببعض التوتر. وكأن هناك شيئاً ما لا يزال عالقاً في الماضي."
"ماذا تقصد؟"
"لا أعرف بالضبط. ربما هي مجرد ضغوط الزواج. ولكنني أشعر أحياناً، عندما أتحدث معها، كأنها ليست بكامل تركيزها. كأنها تفكر في شيء آخر."
"ربما هي أيضاً تشعر بالضغط. أنت لا تعلم ما تمر به الفتاة قبل الزواج."
"ربما. ولكنني أريد أن أتأكد من كل شيء. أريد أن أتأكد أنني أُحبها، وأنها تحبني. وأنه لا توجد أشياء مخفية بيننا."
كان السيد هاشم، رغم مظهره الهادئ، يبحث عن عمق في علاقته مع سارة. كان يتذكر كلمات والده: "الزواج ميثاق غليظ، يجب أن يكون مبنياً على الصدق، والشفافية، والثقة الكاملة."
بعد أن عادت فاطمة إلى غرفتها، جلست أمام مكتبها. أخرجت قلماً وورقة، وبدأت تكتب. أرادت أن تُدون أفكارها، وأن تُنظم مشاعرها.
"إلى سارة،" بدأت. "أعلم أن هذا قد يبدو غريباً. ولكنني أشعر أن هناك شيئاً ما يجب أن نتحدث عنه. شيئاً قد يؤثر على سعادتنا، وعلى سعادتكِ. عندما كنتُ أرتب أغراض جدتي، وجدتُ صندوق ذكريات قديم. وبين أوراقه، وجدتُ دفتر مذكرات لوالدتي. لم أكن أعرف الكثير عن حياتها قبل زواجها من والدي. ولكن هذا الدفتر كشف لي عن قصة... قصة حب لم تكتمل. قصة كانت مليئة بالشوق، والألم، والخوف. أخشى أن تكون هناك ظلال من الماضي تؤثر على حاضرنا. أخشى أن تكون هناك أشياء لم تُحل، لم تُنتهِ. أرجو أن نلتقي قريباً، وأن نتحدث بصراحة. فالحياة، يا سارة، أحياناً تحتاج إلى شجاعة لمواجهة الحقائق."
بعد أن كتبت الرسالة، وضعتها في مظروف، وختمتها. نظرت إليها، وشعرت بأنها قد قامت بما يجب عليها. كان عليها أن تُشجع سارة على البحث عن السعادة الحقيقية، حتى لو كانت تعني مواجهة حقائق مؤلمة.
في صباح اليوم التالي، تلقى السيد هاشم رسالة من سارة. كانت الرسالة قصيرة، ولكنها عميقة.
"السيد هاشم، أعلم أن لديك أموراً مهمة يجب أن تُنجزها. أرجو أن تُسرع في عودتك. أخشى أن تكون هناك أمور كثيرة تتغير بينما أنت غائب. أرجو أن تتواصل معي عندما تستطيع. مع خالص التقدير، سارة."
شعر هاشم بقلق. هذه الرسالة لم تكن كالعادة. كان هناك شيء في نبرة سارة يوحي بالتوتر، وبالقلق. هل هناك شيء ما يحدث؟ هل هو على وشك أن يفقد كل شيء؟
"هناك شيء ما يحدث." قال هاشم لنفسه. "يجب أن أعود. الآن."
اتصل بصديقه علي، وأخبره بضرورة العودة فوراً، مهما كان الثمن. لم يعد الأمر مجرد مشاكل مالية، بل أصبح سباقاً مع الزمن، لمحاولة فهم ما يحدث، ولمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في تلك الأثناء، كانت فاطمة قد أرسلت رسالتها إلى سارة. لم يكن هناك أي رد. بدأت تشعر بالقلق. هل أخطأت؟ هل كان عليها أن تترك الأمر؟
"أتمنى أن تكون قد قرأتها." همست لنفسها. "وأن تجد الشجاعة لمواجهة ما فيها."
كانت الأجواء في منزل العوضي متوترة. الجدة أمينة كانت تشعر بقلق غير مبرر. سارة كانت منعزلة في غرفتها، تبدو شاردة الذهن. وفاطمة كانت تعيش في دوامة من الشك، والقلق، والأمل.
بدأت خيوط القصة تتنافر، وتتجمع في نقطة واحدة. هل ستنجح فاطمة في كشف الحقيقة؟ هل ستتمكن سارة من مواجهة ماضي والدتها، وأن يُنير ذلك مستقبلها؟ وهل سيجد السيد هاشم الإجابات التي يبحث عنها، قبل فوات الأوان؟
كانت الساعة تقترب من موعد حفل الخطبة. والوقت، كما يبدو، لم يكن في صالح أي منهم.