يوم مضحك الجزء الثاني
وشوشات في جنح الظلام
بقلم سعيد الضحكة
كانت سماء المدينة قد ارتدت ثوبها المخملي المزركش بالنجوم، لكن ليالي آل الحاج قاسم لم تعد تحمل تلك السكينة المعهودة. ظلال القلق والريبة بدأت تتسلل إلى أركان المنزل، متغلغلة في جدرانه العتيقة التي شهدت ضحكات الأمس وحكايات الجدات. وضعت أمينة يدها على صدرها، تشعر بتسارع نبضات قلبها كطبلٍ حربي يدق إيذانًا بمعركة وشيكة. لم تكن مجرد همومٍ عادية، بل كانت أشبه بشبحٍ يلوح في الأفق، يستحضر معه رياح التغيير العاتية.
في غرفة المجلس، حيث كانت رائحة العود والبخور تفوح معتادة، جلس الحاج قاسم يراقب أضواء السيارات المتلألئة من النافذة. في يده، كان يقلب ورقةً باهتة، تحمل بين طياتها ما يبدو أنه سرٌ قديم، قديمٌ جدًا لدرجة أنه بدأ يبتلع حاضرهم. كان عبد الرحمن، ابن أخيه، قد أتى إليه قبل ساعات، يحمل أخبارًا قلقة، أخبارًا جعلت الحاج قاسم يشعر بأن الأرض قد اهتزت من تحته.
"يقول إنها قصةٌ قديمة يا عمي، قصةٌ تناقلتها الأجيال في بعض العائلات، لكن هذه المرة، الأدلة تشير إلى... إلى أن ما حدث لابن عمنا سعيد لم يكن محض حادث." صوت عبد الرحمن كان مشوبًا بترددٍ وارتباك، كأنما يخاف أن يطلق الكلمات فتتحول إلى حقائق لا رجعة فيها.
الحاج قاسم لم يكن ليصدق بسهولة. سعيد، الشاب الطموح ذو الابتسامة الواسعة، كيف يمكن أن يكون مصيره غامضًا هكذا؟ كان حادث سيرٍ دامٍ، ذهب ضحيته في لحظةٍ غادرة. هكذا قيل لهم، وهكذا دفنوا حزنهم وطووا صفحة الألم. لكن هذه الورقة، وهذه الهمسات التي نقلها عبد الرحمن، فتحت جرحًا عميقًا في الذاكرة، جرحًا بدأ ينزف مجددًا.
"وأنت يا عبد الرحمن، ما الذي يدفعك لتصديق هذه الخرافات؟" سأل الحاج قاسم بصوتٍ حاول أن يبدو حازمًا، لكن رعشةً خفيفة كانت قد تسللت إليه.
"الورقة يا عمي. الرجل الذي أعطاني إياها... هو نفسه الذي قال إن سعيد لم يكن وحده في السيارة تلك الليلة. إنه يشير إلى تفاصيل دقيقة، تفاصيل لا يمكن لشخصٍ غريبٍ أن يعرفها إلا إذا كان... إلا إذا كان قريبًا من الحدث."
أغمض الحاج قاسم عينيه، يحاول استجماع شتات أفكاره. كان يعلم أن عالم المال والأعمال له وجهٌ مظلم، مليء بالمنافسات الشرسة والأحقاد الدفينة. لكن أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة؟ أن يُقاد شابٌ إلى الموت؟
في هذه الأثناء، كانت ليلى تجلس في غرفتها، شاردة الذهن. لم تكن قد رأت خالدًا منذ لقائهما الأخير قبل أيام، وكلماته الأخيرة لا تزال تدوي في أذنيها. "هناك أشياء لا تعرفينها يا ليلى، أشياء قد تغير نظرتك لكل شيء." ما هي تلك الأشياء؟ وما الذي كان يخفيه خالد؟ كانت تشعر بالغيرة تنخر قلبها، ليس من مجرد غيابٍ أو بعد، بل من سرٍ قد يكون حاجزًا بينهما، حاجزًا لا تستطيع أن تلمسه أو تفهمه.
تذكرت كلمات والدتها حينما كانت تخبرها عن تاريخ العائلة، عن أسرارٍ دفنت في بطون الأيام، حكاياتٌ كانت تبدو كقصصٍ خيالية، لكنها ربما تحمل في طياتها بذرة الحقيقة. هل كان لخالد علاقةٌ بذلك؟ هل كان يحاول حمايتها من شيءٍ ما، أم أنه كان جزءًا من لغزٍ أكبر؟
نهضت من مقعدها، وقفت أمام المرآة. انعكس عليها وجهٌ قلق، وعينان تبحثان عن إجاباتٍ لا تجدهما. كانت تشعر بأن العاصفة قادمة، وأنها يجب أن تكون مستعدة. لم تعد تريد أن تعيش في غياهب المجهول.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان المحامي قدري يرتشف قهوته السوداء ببطء، بينما تتنقل عيناه بين أوراقٍ مبعثرة على مكتبه. ابتسامةٌ خفيفة ارتسمت على شفتيه، ابتسامةٌ تحمل معها مزيجًا من الرضا والتحدي. كان يعلم جيدًا أن لعبته على وشك أن تصل إلى ذروتها.
"لقد حان الوقت يا سادة." تمتم لنفسه، كأنه يتحدث إلى خصومٍ غير مرئيين. لقد أمضى سنواتٍ وهو يجمع الخيوط، ينتظر اللحظة المناسبة لتكشف عن مخططه. كان يعتقد دائمًا أن المال والسلطة هما كل شيء، وأن الحب والوفاء مجرد أوهامٍ يبيعها الضعفاء.
عاد الحاج قاسم إلى غرفته، ووضع الورقة على طاولةٍ صغيرة بجوار سريره. لم يستطع النوم. كلما حاول، وجد نفسه يعود إلى تلك اللحظات، إلى وجه سعيد الشاب، إلى تلك الابتسامة التي لم تكتمل. هل كان هناك من تمنى له السوء؟ من سعى إلى إخفاء حقيقته؟
اتصل بالحاج فوزي، صديقه المقرب ونائبه في الشركة. "أبو أحمد، هل تسمح لي بمحادثتك في أمرٍ جلل؟ أمرٌ يتعلق بـ..." تردد الحاج قاسم. كان من الصعب عليه أن ينطق الكلمات. "...بماضينا. بأمورٍ قديمة."
"تفضل يا قاسم. أي وقتٍ يناسبك. لكنني أشعر من صوتك أن الأمر ليس بالهين." أجاب الحاج فوزي بصوته الهادئ المطمئن.
"غدًا صباحًا، في مكتبي. أحضر معك كل الأوراق المتعلقة بحادث سعيد. وكل ما يتعلق بتلك الفترة."
في تلك الليلة، لم يكن هناك نومٌ هانئ في بيت آل الحاج قاسم. كانت الأسرار القديمة قد بدأت تخرج من جحورها، مهددةً بإحداث شقوقٍ عميقة في بناء العائلة. كانت ليلى تشعر بثقلٍ لا تعرف مصدره، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يأتي الغد، لعل فيه تجد بعض الإجابات، لعل فيه تفهم تلك الوشوشات التي بدأت تملأ جنح الظلام.
لم يكن الأمر يتعلق بخالد فحسب، بل بشيءٍ أعمق، بشيءٍ يمس تاريخهم، وأخلاقهم، وقيمهم. كانت تشعر بأنها على حافة اكتشافٍ مدوٍ، اكتشافٍ قد يعيد تشكيل كل شيءٍ تعرفه.
في حديقة المنزل الهادئة، كانت أشجار الليمون تتراقص مع نسمات الليل. لكن الرياح لم تكن تحمل عبق الزهور، بل عبق الشك، وغموض المستقبل. بدأت خيوط المؤامرة تنسج نفسها، معلنةً عن بداية الفصل الأخير، فصلٌ ستتصارع فيه الحقيقة والخيال، وستتحدد فيه مصائر قلوبٍ مؤمنة، تبحث عن النور في عتمةٍ تحيط بها.
استيقظت ليلى قبل شروق الشمس. ارتدت ملابسها، وتوجهت نحو المطبخ. رأت والدتها، أمينة، واقفةً أمام النافذة، تنظر إلى الخارج بعينين زائغتين. اقتربت منها.
"صباح الخير يا أمي."
التفتت أمينة، حاولت أن ترسم ابتسامةً على وجهها، لكنها كانت باهتة. "صباح النور يا حبيبتي. هل استيقظتِ مبكرًا؟"
"لم أستطع النوم جيدًا." قالت ليلى، وجلست بجوارها. "هل كل شيءٍ على ما يرام؟ أشعر أن هناك شيئًا يزعجكم."
تنهدت أمينة. "الأمور ليست سهلة يا ليلى. والدكِ... يبدو أنه يمر بضائقةٍ كبيرة."
"هل بسبب العمل؟"
"بسبب... أمورٍ تتعلق بالماضي. أمورٌ قديمة."
توقفت ليلى. "الماضي؟ هل تقصدين... حادث سعيد؟"
تجمّدت أمينة. نظرت إلى ابنتها بعينين تحملان تعجبًا وخوفًا. "من أين لكِ بهذه المعلومة؟"
"والدي تحدث عن هذا الأمر الليلة الماضية. و... خالد أيضًا. كان يقول لي إن هناك أشياء لا أعرفها."
بدأت الدموع تتجمع في عيني أمينة. "هناك أشياء يا ليلى، أشياء لم نستطع أن نفهمها حتى الآن. أسرارٌ دفنت مع موت سعيد."
شعرت ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. كان كل شيءٍ يتجمع، كل قطعةٍ من اللغز تبدأ في إيجاد مكانها. لقد كانت على وشك الوصول إلى الحقيقة. حقيقةٌ قد تكون مؤلمة، لكنها حقيقةٌ كان يجب أن تعرفها.
"أمي، هل هناك شيءٌ تعرفينه ولم تخبريني به؟" سألت ليلى بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل إصرارًا لا يقبل المساومة.
لم تستطع أمينة إخفاء خوفها. "أخشى عليكِ يا ليلى. أخشى أن تكشف هذه الأسرار إلا المزيد من الألم."
"لكن الألم سيستمر طالما بقيت هذه الأسرار مدفونة. يجب أن نعرف، يجب أن نتصالح مع ماضينا."
في تلك اللحظة، دخل الحاج قاسم الغرفة. رأى زوجته وابنته جالستين، وتبدو عليهما علامات القلق.
"ماذا يحدث هنا؟" سأل.
نظرت أمينة إليه، ثم إلى ليلى. "ليلى... تعلم عن أمر سعيد. وعن ماضينا."
ارتسمت على وجه الحاج قاسم صدمةٌ ممزوجةٌ بالأسى. لقد وصل الأمر إلى نقطةٍ لم يكن يتوقعها. لم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة. لقد بدأت العاصفة بالفعل، وكانت ستحمل معها كل شيء.