يوم مضحك الجزء الثاني
خيوط العنكبوت المنسوجة
بقلم سعيد الضحكة
لم تكن الشمس قد انتصفت بعد، لكن حرارة الصيف العربي بدأت تلف المدينة بلهيبها اللاذع. داخل مكتب الحاج قاسم الفاخر، كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر، لا يكسر صمتها سوى صوت مكيف الهواء الخافت. جلس الحاج قاسم خلف مكتبه المهيب، وعلى وجهه آثار قلقٍ لم تعتده الأعين. إلى جانبه، جلس الحاج فوزي، صديق عمره ونائبه في شركة "الأمان للتجارة والاستثمار"، وعيناه تبحثان عن تفسيرٍ لتلك الجدية غير المعهودة في وجه صديقه.
"هل حدث أمرٌ جلل يا قاسم؟" سأل الحاج فوزي، وهو يضع أمامه ملفًا سميكًا. "أتيتُ بما طلبته. كل ما يتعلق بحادث سعيد."
أومأ الحاج قاسم ببطء. "أبو أحمد، ما سأقوله لك قد يبدو غريبًا، بل وحتى مؤلمًا. لكني بحاجةٍ إلى صدقك، وبحاجةٍ إلى حكمتك."
بدأ الحاج قاسم بسرد قصة الورقة التي وصلت إلى يد عبد الرحمن، ثم إلى يديه. سرد له تفاصيلها، والهمسات التي سمعها عن أن حادث سعيد لم يكن محض قضاءٍ وقدر. كانت عينا الحاج فوزي تتسعان تدريجيًا مع كل كلمة، وكان يقلب الورقة التي أخرجها الحاج قاسم من درج مكتبه، يتفحصها بنظرةٍ خبيرٍ اعتاد على كشف الحقائق.
"هذا... هذا خطيرٌ جدًا يا قاسم." قال الحاج فوزي بصوتٍ مكتوم. "إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإننا أمام جريمةٍ لا تغتفر."
"هذا ما أخشاه يا أبو أحمد. لقد مرّ على وفاة سعيد سنوات، لكن هذه الورقة... فتحت صندوقَ أسرارٍ دفنته."
"وهل تعرف من هو هذا الرجل الذي أعطى الورقة لعبد الرحمن؟"
"لم يتمكن عبد الرحمن من معرفته. قال إنه رجلٌ غامض، يرتدي ملابس عادية، لكن عينيه كانتا تحملان حكمةً عميقة. قال إنه ترك الورقة وذهب بسرعة."
نظر الحاج فوزي إلى الملف بين يديه. "سعيد كان شابًا واعدًا. لم يكن له أعداء. على الأقل، لم نكن نعرف عن وجودهم."
"كان لديه طموحاتٌ كبيرة، أليس كذلك؟ ربما أراد أن يتجاوز بعض الحدود؟" تساءل الحاج قاسم، وقد بدأت ظلال الشكوك تتجمع حول شخصياتٍ كانوا يثقون بها.
"لقد كان يعمل بجد، وحقق نجاحاتٍ ملحوظة. لكنه لم يكن ليؤذِ أحدًا."
"ولكن هل كان هناك من يؤذيه؟"
صمت الحاج فوزي، يتذكر تلك الفترة. "كانت هناك منافساتٌ في السوق، كالعادة. لكن لم يصل الأمر إلى هذا الحد. على حد علمي."
"هذا ما يقلقني. هل هناك شيءٌ خفيٌ لم نره؟"
فجأة، فتح الحاج فوزي الملف الذي أحضره. "دعنا نراجع كل شيء. الوثائق الرسمية للحادث، تقارير الشرطة، شهادات الشهود... كل شيء."
أمضيا ساعاتٍ يغوصان في تفاصيل الماضي. كل ورقةٍ كانت تقرأ، وكل سطرٍ كان يحفر في ذهنيهما. كانت هناك تفاصيل صغيرة، بدت عادية حينها، لكنها الآن اكتسبت معنىً جديدًا، معنىً مرعبًا.
"هنا، في تقرير الشرطة، يذكر أن السيارة كانت تسير بسرعةٍ جنونية. وأن سعيد كان وحده في السيارة." قال الحاج فوزي، مشيرًا إلى سطرٍ معين.
"لكن الرجل الذي أعطى الورقة يقول إن سعيد لم يكن وحده." تمتم الحاج قاسم، وشعر بأن كل شيءٍ بدأ يتفكك.
"والأكثر غرابة،" تابع الحاج فوزي، "هو أن تقارير الفحص الطبي لم تجد أي آثارٍ لموادٍ مخدرة أو كحولٍ في دم سعيد. وهذا يتناقض مع فكرة أنه كان يقود بسرعةٍ جنونية بسبب سُكرٍ مثلاً."
"إذًا، ما الذي كان يجعله يفقد السيطرة على السيارة؟"
"ربما... ربما لم يكن هو من يفقد السيطرة."
انتهى بهما المطاف إلى الشعور بأن هناك جريمةً منظمة، جريمةً تم التخطيط لها بعناية فائقة لإخفاء كل الآثار.
في هذه الأثناء، كانت ليلى قد قررت أن تواجه خالد. كانت تعلم أنه يعرف شيئًا، شيئًا يتعلق بهذا الماضي الغامض. ذهبت إلى مقهىً هادئ، وطلبت منه أن يلتقيا.
جلس خالد أمامها، بدا عليه بعض التعب. "ليلى، أنا سعيدٌ برؤيتك، لكنني أشعر أنكِ تبحثين عن إجاباتٍ أكثر مما يجب."
"خالد، لم أعد أحتمل. أبي يبدو متعبًا جدًا، وأمي قلقة. وهناك همساتٌ تدور حول حادث سعيد. وأنت... أنت تعرف شيئًا. أرجوك، أخبرني."
نظر خالد إليها مليًا، رأى في عينيها إصرارًا لا يتزعزع، ورأى أيضًا حبًا لوالدها، وهو أمرٌ كان يحترمه بشدة. لقد كان في مأزق. لقد وعد أحدهم بعدم كشف السر، لكنه أيضًا لم يكن ليترك ليلى تعيش في جهلٍ مؤلم.
"الأمر ليس بسيطًا يا ليلى." بدأ خالد، صوته منخفض. "بعض الأسرار، حينما تنكشف، تحمل معها ثمنًا باهظًا."
"وما هو الثمن؟ أن أعرف الحقيقة؟ هل الحقيقة أخطر من هذا العيش في الظلام؟"
"ربما." قال خالد، ثم تنهد. "هناك عائلةٌ قديمة، لها نفوذٌ كبير. كان لديهم خلافاتٌ قديمة مع عائلة والدك. خلافاتٌ تمتد إلى أجيال. سعيد، كان في طريقه ليكشف عن شيءٍ يتعلق بهذه العائلة، شيءٌ قد يدمر سمعتهم أو يكشف عن فسادهم."
"ماذا كان سيكشف؟"
"لا أعرف التفاصيل الدقيقة. لكنه كان يبحث عن وثائق، عن أدلة. والبعض يعتقد أن حادث السيارة لم يكن حادثًا، بل كان... تصفيةً له."
شعرت ليلى بالبرد يسري في عروقها، رغم حرارة الجو. "تصفية؟ يعني... قتلوه؟"
أومأ خالد برأسه ببطء. "هذا ما يُشاع، وهذا ما تلمح إليه بعض الدلائل التي تم إخفاؤها بعناية."
"ومن هي هذه العائلة؟" سألت ليلى، وعيناها تبرقان بالدموع والغضب.
"هذا ما لا أستطيع قوله لكِ. ليس الآن. ليس قبل أن نتأكد من كل شيء. هناك شبكةٌ معقدة من العلاقات، وخيوط العنكبوت المنسوجة بإحكام. أي حركةٍ خاطئة قد تكون مدمرة."
"لكن أبي... والدي يتعرض لضغوطٍ الآن. ربما بسبب هذا الأمر. يجب أن نساعده."
"أنا أحاول يا ليلى. أحاول أن أفهم كل شيء. والدكِ رجلٌ طيب، لا يستحق أن يكون ضحيةً لمؤامراتٍ قديمة."
"خالد، أرجوك. إذا كنت تحبني، ساعدني. ساعد أبي."
نظر خالد إلى ليلى، رأى فيها إيمانًا لا يتزعزع بالعدالة. شعر بالمسؤولية تجاهها، وتجاه والدها. "سأفعل كل ما بوسعي. لكن يجب أن تتحلي بالصبر، وأن تثقي بي. سأبحث عن الأدلة، وسأكشف الحقيقة. لكن ببطء، وبتخطيطٍ دقيق."
وفي تلك اللحظة، شعر الحاج قاسم في مكتبه، بعبءٍ يثقل صدره، لكنه شعر أيضًا بأن هناك بصيص أمل. فقد بدأت الحقيقة تتكشف، وإن كانت مؤلمة. كانت خيوط العنكبوت تنسج نفسها حولهم، لكنه كان مصممًا على عدم السماح لها بخنقهم. لقد حان الوقت لمواجهة هذا الماضي، مهما كان ثمنه.