يوم مضحك الجزء الثاني
اللغز في المرآة المكسورة
بقلم سعيد الضحكة
هبطت الحاجة صفية وفؤاد إلى القبو. كان المكان بارداً ورطباً، ورائحة التراب القديم والفطريات تملأ الأجواء. لا تزال شموع قديمة معلقة على الجدران، توفر إضاءة خافتة تلقي بظلال متراقصة على الأغراض المتناثرة. أكوام من الصناديق الخشبية المتهالكة، وأثاث قديم مغطى بالأقمشة الباهتة، وقطع معدنية صدئة، كل ذلك يشهد على حقبة من الزمن مرت ولم يعد لها أثر إلا في هذه الزوايا المنسية.
"هنا، يا ستي،" قال فؤاد بصوت منخفض، وهو يشير إلى زاوية مظلمة. "في هذه الجهة."
تقدمت الحاجة صفية، مستندة إلى جدار حجري بارد. "أتذكر... أتذكر أننا وجدنا صندوقاً خشبياً ثقيلاً. مغلقاً بإحكام. كان به نقوش غريبة."
بدأ فؤاد يتلمس الأغراض حوله، يحرك الصناديق الكبيرة بحذر، محاولاً تذكر شكل الصندوق الذي تحدثت عنه جدته. لقد كانت تفاصيل كثيرة قد غطت عليها السنوات، لكن إصراره كان أقوى من النسيان.
"أعتقد أنني رأيته... هنا!" صرخ فؤاد فجأة، وهو يشير إلى كومة من السجاد القديم. بدأ يسحب السجاد بحماس، وكأن ناراً قد اشتعلت في داخله. تحت السجاد، وجد صندوقاً خشبياً داكناً، مغطى بالغبار، لكن النقوش التي تحدثت عنها الحاجة صفية كانت واضحة عليه. كانت دوائر متداخلة وأشكال هندسية غير مألوفة.
"هذا هو! هذا هو الصندوق!" هتف فؤاد.
"الحمد لله،" قالت الحاجة صفية، وقد ارتسمت على وجهها علامات الارتياح. "والآن، كيف سنفتحه؟ هل لديك مفتاح؟"
أخرج فؤاد من جيبه قلادة فضية قديمة، ذات شكل غريب. "وجدتها مع بقية مقتنيات جدتي. قالت إنها مفتاح لكل شيء."
وضع فؤاد القلادة في ثقب القفل، ودار بها ببطء. سمع صوت طقطقة خفيفة، ثم انفتح الصندوق. تنهد فؤاد بارتياح.
فتح الصندوق بحذر، ليجد بداخله مجموعة من الأوراق الصفراء، وبعض الأقمشة البالية، وبعض الأدوات المعدنية القديمة. كان يحدوه الأمل في العثور على الخريطة. بدأ يتصفح الأوراق، واحدة تلو الأخرى. كانت هناك رسائل مكتوبة بخط قديم، ورسومات غريبة، وقصائد منسية.
"أين هي الخريطة؟" سأل فؤاد نفسه بصوت يائس.
"اصبر يا بني،" قالت الحاجة صفية، وهي تتفحص إحدى الأوراق. "هذه الأوراق تبدو مهمة. قد تحمل أدلة."
وبينما كان فؤاد يقلب بين الأوراق، لمح شيئاً يختلف عن البقية. كانت ورقة مطوية بعناية، مختلفة في ملمسها عن باقي الأوراق. فتحها ببطء، ليجد خريطة قديمة، مرسومة على جلد ناعم. كانت هناك رموز غريبة، وخطوط متعرجة، ونقاط تشير إلى أماكن غير معروفة.
"وجدتها!" صاح فؤاد بفرح. "هذه هي الخريطة!"
ابتسمت الحاجة صفية، وقد شعرت بفرحة غامرة. "الحمد لله. يبدو أن أجدادك كانوا أصحاب مغامرات. ولكن... إلى أين تقود هذه الخريطة؟"
نظر فؤاد إلى الخريطة بتفحص. كان هناك رمز يشبه هلالاً، تحته نجمة، وبجانبه رسم لعين. "لا أعرف تماماً، يا ستي. لكن يبدو أنها تشير إلى أماكن قديمة، مخبأة في المدينة. هناك علامات تدل على أن هذا الكنز ليس مجرد ذهب وفضة، بل قد يكون شيئاً أقدم وأثمن."
"شيء أقدم وأثمن؟" تساءلت الحاجة صفية، وقد ازداد فضولها. "ماذا يمكن أن يكون؟"
"قالت جدتي إنها حكاية عن 'جوهر النور'، شيء يمنح الحكمة والازدهار لمن يجده. ولكنها كانت حكاية غامضة، لم أفهمها تماماً."
"جوهر النور..." رددت الحاجة صفية، وقد تذكرت قصصاً قديمة سمعتها من جدتها عن أساطير المدينة. "يقولون إن بعض الأماكن في مدينتنا القديمة تخفي أسراراً عميقة. كنوزاً ليست مادية، بل روحية."
"ولكن هناك من يطاردني، يا ستي. 'الظل' كما سمعت."
"الظل؟"
"نعم. رجل غامض، يبدو أنه يسعى وراء نفس الكنز. سمعت همسات عنه في السوق. يقولون إنه لا يرحم، ولا يتورع عن فعل أي شيء لتحقيق هدفه."
"إذن، الأمر خطير يا بني. هذه الخريطة ليست مجرد لعبة. إنها مفتاح لمواجهة قوى قد تكون خفية. هل أنت مستعد لهذه المواجهة؟"
نظر فؤاد إلى الخريطة، ثم إلى الحاجة صفية. شعر بقوة غريبة تسري فيه. لقد بدأ كبحث عن شيء مفقود، ولكنه تطور إلى مغامرة حقيقية.
"أنا مستعد، يا ستي. أنا مستعد لكل شيء."
"جيد. ولكن كن حذراً. هذه المدينة تحتفظ بأسرارها جيداً. وهناك من يعرف كيف يستخرجها، حتى لو كان ذلك يعني إشعال النيران."
وبينما كانا يتحدثان، سمعا صوتاً غريباً قادماً من الأعلى. صوت خطوات خفيفة، ثم صرير باب.
"من هناك؟" نادت الحاجة صفية.
لم يأتِ رد.
"ربما... ربما يكون 'الظل' قد وجد طريقاً؟" همس فؤاد.
"لا تقلق،" قالت الحاجة صفية بهدوء. "هذا البيت يعرف كيف يحمي أسراره. ولن أسمح لأحد بأن يمس أياً من أفراده. دعنا نخرج من هنا، ونرى ما يجري."
أخذ فؤاد الخريطة، ووضعها في جيبه بعناية. شعرا بخطر محدق، وبأن مغامرتهما قد بدأت للتو. لم تكن مجرد قصة كنز، بل صراع بين النور والظلام، بين البحث عن الحكمة والسعي وراء السلطة.