يوم مضحك الجزء الثاني

الظل الذي لم يعد خفيًا

بقلم سعيد الضحكة

تحت سماءٍ تكتسي بلونٍ رماديٍ مشوبٍ بالحزن، كانت مدينة جدة تستيقظ على وقع خطواتٍ ثقيلة. لم تعد مجرد أخبارٍ متداولة، بل أصبحت حقيقةً شبه مؤكدة، حقيقةً بدأت تتغلغل في أعماق عائلة الحاج قاسم، مخلفةً وراءها ذعرًا وترقبًا. كان الحاج قاسم قد استدعى الحاج فوزي مرةً أخرى، بعد ساعاتٍ قليلة من لقائهما الأول. لم يعد الأمر يتعلق بالشك، بل باليقين الذي بدأ يرتسم على وجهيهما.

"لقد تحدثت مع عبد الرحمن مرةً أخرى." قال الحاج قاسم، وقد أحاط بصوته بحذرٍ شديد. "لقد حاول أن يتذكر أي شيءٍ عن الرجل الذي أعطاه الورقة. ووصفه بأنه شخصٌ كان يرتدي عمامةً سوداء، وكان وجهه شاحبًا. لكنه كان يتحدث بلكنةٍ غريبة، لكنةً لم يستطع عبد الرحمن تحديدها."

"لهجة غريبة؟" تساءل الحاج فوزي، وهو يقلب إحدى الأوراق التي كانت أمامه. "هذا قد يعني شيئًا. هل يمكن أن يكون من خارج المدينة؟"

"ربما." أجاب الحاج قاسم. "لكن الأهم من ذلك، هو ما وجدته في أرشيفي القديم. وثيقةٌ قديمة، تتعلق بشراكةٍ سابقة بين والدي وبين رجلٍ يدعى... 'الشيخ سالم'. كان لديهم خلافٌ كبيرٌ حول حصصٍ معينة في العقارات."

"الشيخ سالم؟" تردد الحاج فوزي. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل. متى كانت هذه الشراكة؟"

"منذ أكثر من ثلاثين عامًا. قبل أن تتأسس شركتنا الحالية. كانت تلك بداية والدي في عالم التجارة."

"وهل انتهت هذه الشراكة بشكلٍ جيد؟"

"لا. لقد انتهت بشكلٍ سيء جدًا. لقد تفرق الرجلان، وكاد والدي أن يخسر كل شيءٍ في تلك الفترة. وقد سمعتُ من والدي قبل وفاته أنه كان يخشى من انتقام الشيخ سالم."

"وهل لديك أي معلوماتٍ عن الشيخ سالم الآن؟ أين هو؟"

"لا. لقد اختفى عن الأنظار. وكأن الأرض قد ابتلعته."

كانت هذه المعلومات تشكل لبنةً جديدة في بناء الجريمة المعقدة. هل كان الشيخ سالم هو العقل المدبر لكل شيء؟ هل كان مدفوعًا برغبةٍ في الانتقام بعد كل هذه السنوات؟

في هذه الأثناء، كانت ليلى قد شعرت بالضياع. كلماتها لخالد كانت قوية، لكن ردّه كان غامضًا. "شبكةٌ معقدة"، "خيوط العنكبوت"، "تحذيرات". كل هذه الكلمات كانت تزيد من قلقها. عادت إلى والدتها، أمينة.

"أمي، هل تعرفين شيئًا عن شراكةٍ قديمة لوالدي مع شخصٍ اسمه الشيخ سالم؟"

نظرت أمينة إلى ابنتها، وقد اتسعت عيناها بدهشة. "الشيخ سالم؟ هذا الاسم... سمعته منذ زمنٍ بعيد. كان والدكِ يتحدث عنه بتوتر. كان يقول إنه رجلٌ مخيف، لا يعرف الرحمة."

"وماذا حدث بينهما؟"

"لقد كانا شريكين، لكنهما اختلفا بشدة. كاد والدكِ أن يخسر كل شيء. وقد هدده الشيخ سالم بالانتقام."

"لكن هذا حدث منذ زمنٍ طويل. هل يمكن أن يكون له علاقةٌ بسعيد؟"

"لا أعرف يا ليلى. أتمنى ألا يكون الأمر كذلك. لكن عالم المال والأعمال... عالمٌ قاسٍ."

بدأت الصورة تتضح تدريجيًا. سعيد، الشاب الطموح، ربما وجد شيئًا يتعلق بهذا الخلاف القديم. ربما اكتشف دليلًا على فسادٍ ما، أو على مؤامرةٍ ما، دفعت الشيخ سالم، أو من يمثله، للتخلص منه.

في حديقة المنزل، حيث كانت رائحة الياسمين تختلط بعبق المساء، كانت ليلى تشعر بأنها تقف على حافة بئرٍ عميقة. نظرت إلى السماء، وكأنها تبحث عن بصيص نورٍ يدلّها على الطريق. كانت تعلم أن خالد يحاول مساعدتها، لكنها كانت تشعر بالحاجة إلى فعل شيءٍ بنفسها.

"لا يمكنني الانتظار أكثر." تمتمت لنفسها.

وبينما كان الحاج قاسم والحاج فوزي يبحثان في الماضي، كان هناك شخصٌ آخر يراقب، ويتدخل بخفاء. كان المحامي قدري. كان يستمتع بهذا التوتر المتصاعد، فهو يعرف أن مسرحيته على وشك أن تبدأ.

"كل شيءٍ يسير وفق الخطة." قال لنفسه، وهو يرتشف كأسًا من الشراب الملون. "الحقيقة ستظهر، لكن بطريقتي. وبما يخدم مصالحي."

لقد كان قدري يعرف عن شراكة الحاج قاسم ووالده مع الشيخ سالم. بل، كان لديه معلوماتٌ أدق بكثير. لقد كان هو الوسيط بينهما حينها، وكان هو من سهّل عملية الاحتيال التي تعرض لها والد الحاج قاسم. لكن لم يكتشف الحاج قاسم ذلك قط.

والآن، بعد كل هذه السنوات، وبعد وفاة سعيد، رأى قدري فرصةً ذهبية. فرصةً للإيقاع بالجميع، واستعادة ما يعتبره حقه، بل وأكثر. لقد كان يتلاعب بخيوطٍ دقيقة، يوجه الأحداث نحو وجهته.

تذكر حادث سعيد. لقد كان هو من رتب ذلك. لم يقم بالقتل بنفسه، لكنه أدار العملية، وغيّر معالمها، وتأكد من أن كل شيءٍ يبدو كحادثٍ عادي. لقد فعل ذلك بالنيابة عن "جهاتٍ" معينة، كان يعلم أن لها مصلحةً في إقصاء سعيد.

"سعيد كان طموحًا جدًا،" فكر قدري بابتسامةٍ ساخرة. "لكنه لم يعرف أن لديه أعداءً أقوياء جدًا."

كانت هذه الجهات هي نفسها التي كان يتواصل معها الشيخ سالم، أو من خلفائه. كانت شبكةٌ مترابطة من المصالح والأحقاد.

في تلك الليلة، قررت ليلى أن تزور بيت جدتها الراحلة. كانت تعتقد أن في منزلها القديم، ربما تجد شيئًا. أخذت مفتاحًا احتياطيًا، وتسللت إليه. كان البيت موحشًا، لكنه كان مليئًا بالذكريات. بدأت تبحث في الأدراج والخزائن القديمة.

وفي أحد الصناديق الخشبية القديمة، وجدت مجموعةً من الرسائل القديمة. كانت مكتوبةً بخط والدها، وكانت موجهةً إلى جدتها. بدأت تقرأ. كانت الرسائل تتحدث عن مخاوف والدها من الشيخ سالم، عن تهديداته، وعن محاولاته لإفلاسه.

لكن في إحدى الرسائل، وجدت شيئًا صدمها. "لقد اكتشفت يا أمي، أن سالم ليس وحده. هناك من يساعده. رجلٌ يعمل في الظل، رجلٌ لا أعرف هويته، لكنه يعرف كل تحركاتي. لقد شعرت أنه يلاحقني."

"رجلٌ يعمل في الظل." كانت هذه العبارة تتردد في ذهن ليلى. هل كان هذا الرجل هو خالد؟ أم شخصٌ آخر؟

في هذه اللحظة، سمعت ليلى صوتًا. صوت خطواتٍ في الخارج. شعرت بالخوف. تظاهرت بأنها لم تسمع شيئًا، وأخفت الرسائل.

كان الرجل الذي يقف خارج المنزل هو المحامي قدري. لقد كان يراقب ليلى، ويعرف أنها قد تجد شيئًا. لقد كان يراقب كل تحركاتها، وكل تحركات عائلتها.

"حان الوقت لإنهاء اللعبة،" فكر قدري. "لكنني أحتاج إلى دليلٍ نهائي، دليلٍ يربط كل شيءٍ بي، وبمن يدفع لي."

كانت الظلال تشتد، وبدأت تخفي حقائق أكثر مما تكشف. الحاج قاسم والحاج فوزي يبحثان في الماضي، ليلى تبحث عن إجاباتٍ في أطلال الذكريات، وخالد يحاول كشف الحقيقة من وراء الستار. أما المحامي قدري، فكان هو الظل الذي لم يعد خفيًا، الظل الذي ينسج خططه الشريرة، منتظرًا اللحظة المناسبة لضربته القاضية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%