يوم مضحك الجزء الثاني
لعبة الألغاز ووشوشات الماضي
بقلم سعيد الضحكة
عادت الحاجة صفية وفؤاد إلى بيت الحاجة صفية، وقلوبهم تخفق بمسؤولية أكبر. لم تعد المسألة مجرد بحث عن كنز مادي، بل أصبحت معركة للحفاظ على حقائق تاريخية وربما أرواح. لقد رأوا في عيون 'الظل' طمعاً لا حدود له، ورأوا في حديث الحاج جابر نذيراً بالخطر.
"لغز المرآة المكسورة،" قالت الحاجة صفية وهي تجلس في غرفة الاستقبال الواسعة، التي كانت تزدان بالنقوش العربية الإسلامية الأصيلة. "إنه لغز قديم يعود إلى عصر بناة المدينة الأوائل. تقول الأسطورة إنهم خبأوا في أحد المواقع الهامة بالمدينة شيئاً ثميناً، ولا يمكن الوصول إليه إلا لمن يحل لغز المرآة المكسورة."
"وما هو هذا اللغز؟" سأل فؤاد، وهو يحدق في الخريطة الممدودة أمامه.
"اللغز يكمن في وصف رمزي. يقول: 'حيث تتكسر الحقيقة، ويعكس الضوء ما لا يُرى، هناك تجد ما تُخفيه الأعين'."
فكر فؤاد ملياً. "حيث تتكسر الحقيقة... هل يعني ذلك شيئاً مكسوراً؟ مرآة مكسورة؟"
"هذا هو التفسير الأول، يا بني. ولكن 'يعكس الضوء ما لا يُرى'؟ هذا الجزء غامض."
"ربما ليست مرآة عادية،" قال فؤاد. "ربما تكون شيئاً يتفاعل مع الضوء بطريقة معينة. هل هناك أي أماكن في المدينة معروفة بهذا؟"
"لنفكر في تاريخ المدينة،" قالت الحاجة صفية. "كانت هناك دار للنشر قديمة، ثم تحولت إلى مكتبة ضخمة. كانت تحمل الكثير من المخطوطات النادرة. ولكنها احترقت في حادث غريب قبل عقود. ربما... ربما يكون 'الظل' قد وجد شيئاً من تلك المكتبة؟"
"المكتبة المحترقة؟" تساءل فؤاد. "هذا يتفق مع فكرة 'تكسر الحقيقة'."
"تماماً. والآن، كيف نفهم 'يعكس الضوء ما لا يُرى'؟"
تذكر فؤاد شيئاً قرأه في كتاب عن تاريخ الفن الإسلامي. "هناك تقنية قديمة، تُعرف بـ 'التصوير بالضوء العادي'، ولكنها تعتمد على استخدام مواد خاصة تعكس الضوء بطريقة معينة، فتظهر رسومات أو كتابات لا يمكن رؤيتها إلا بزاوية معينة أو بإضاءة خاصة. هل يمكن أن تكون المكتبة قد استخدمت هذه التقنية في بعض المخطوطات؟"
"هذا احتمال قوي، يا بني. ولكن المكتبة لم تعد موجودة. كل ما تبقى هو آثارها، وربما بعض الأنقاض."
"يجب أن نذهب إلى هناك،" قال فؤاد بحزم. "يجب أن نبحث في المكان. ربما ترك 'الظل' هناك دليلاً."
"ولكن الخطر لا يزال قائماً. 'الظل' قد يكون يراقبنا."
"لهذا السبب، علينا أن نذهب بحذر. وبدون لفت الانتباه. ربما نجد هناك شيئاً يفيدنا، شيئاً يقودنا إلى القطعة التالية من الكنز."
في اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، توجه فؤاد والحاجة صفية نحو منطقة المكتبة القديمة. كانت المنطقة الآن عبارة عن ساحة واسعة، فيها بقايا قليلة من المبنى الأصلي، تتناثر فيها بعض الحجارة المتفحمة، وشجيرات برية نمت وسط الأنقاض. رائحة الحنين إلى الماضي، ورائحة الحريق القديم، ما زالت تفوح في المكان.
بدأ فؤاد يتفحص بقايا الجدران، وهو يبحث عن أي شيء غير عادي. الحاجة صفية، رغم سنها، كانت تتحرك برشاقة، عيناها تبحثان في التفاصيل الدقيقة.
"أتذكر أن المكتبة كانت تحتوي على قاعة واسعة، مزينة بنقوش جدارية رائعة،" قالت الحاجة صفية. "وكان فيها نافذة زجاجية ملونة كبيرة، تصور مشهداً من الأساطير القديمة. ولكن بعد الحريق، لا أعرف ما الذي بقي."
وبينما كان فؤاد يتفحص إحدى الجدران، لمح شيئاً غريباً. كانت هناك قطعة من الزجاج الملون، ملقاة بين الأنقاض، تحمل لوناً داكناً. لم تكن مجرد قطعة زجاج مكسور، بل كان عليها رسم غريب.
"الحاجة صفية، انظري إلى هذا!" صاح فؤاد.
اقتربت الحاجة صفية، وانحنت لتتفحص القطعة. "هذه... هذه جزء من النافذة الزجاجية الملونة. ولكن... ما هذا الرسم؟"
كان الرسم يمثل شكل عين، وعليها دائرة متداخلة، شبيهة بالرمز الذي على الخريطة.
"هذا هو الرمز!" قال فؤاد. "ولكن... كيف يعكس الضوء ما لا يُرى؟"
بدأ فؤاد يحاول تعريض قطعة الزجاج لأشعة الشمس. لم يحدث شيء. ثم، أخذ قطعة الزجاج ووضعها في مكان كانت فيه إحدى الشموع القديمة في القبو. بدأ يحركها. وفجأة، عندما مررت قطعة الزجاج عبر ضوء الشمعة، ظهر على الحائط المجاور رسم خافت، ولكن واضح، لمدخل سري، يحمل نفس الرمز.
"رأيت ذلك؟" سأل فؤاد، والدهشة تعلو وجهه.
"رأيت. رائع! لقد وجدنا الدليل."
"ولكن هذا المدخل... أين هو؟"
"في أعمق أجزاء المكتبة القديمة، التي لم تصل إليها النيران. إذا كانت هناك أجزاء سليمة، فهي تحت الأرض، ربما تكون سراديب."
"وهذا يعني أن 'الظل' قد يكون يعلم بهذا المكان."
"نعم. وهذا يعني أننا يجب أن نسرع. لا أعرف لماذا، ولكنني أشعر أننا على وشك كشف شيء عظيم. شيء قد يغير مسار كل شيء."
وفجأة، سمعوا صوتاً قادماً من خلفهم. صوت خطوات ثقيلة، وصوت رجل يتنفس بصعوبة.
"من هناك؟" نادت الحاجة صفية، وقد أمسكت بيد فؤاد.
التفت فؤاد، ورأى رجلاً ضخماً، يرتدي ملابس داكنة، ويبدو عليه القوة. كان وجهه قاسي الملامح، وعيناه تلمعان بالجشع.
"لقد وجدتم شيئاً، أليس كذلك؟" قال الرجل بصوت عميق، يحمل تهديداً. "كنت أراقبكم منذ فترة. 'الظل' لا يترك شيئاً يفلت من قبضته."
شعر فؤاد بالخوف، ولكنه تذكر الأمانة التي وعد بها. "لا أعرف عما تتحدث."
"لا تكذب عليّ أيها الشاب. لقد رأيت قطعة الزجاج في يدك. إنها مفتاح. وأنا أريدها."
"هذه ليست لك،" قالت الحاجة صفية بشجاعة. "هذه جزء من تاريخنا."
"التاريخ لا يهم. ما يهم هو القوة. والقوة تأتي مع الكنز."
وفجأة، انطلق الرجل نحوهم، محاولاً انتزاع قطعة الزجاج من يد فؤاد.