يوم مضحك الجزء الثاني
المواجهة في سراديب النسيان
بقلم سعيد الضحكة
اندفع الرجل الضخم نحو فؤاد، محاولاً انتزاع قطعة الزجاج الملونة. لكن فؤاد، رغم دهشته، استطاع أن يصد الهجمة، وأن يرفع قطعة الزجاج عالياً.
"ابتعد عني!" صرخ فؤاد.
"الحاجة صفية، اذهبي!" صاح فؤاد. "خذي القطعة، واذهبي إلى مكان آمن!"
لم تتردد الحاجة صفية. أمسكت بقطعة الزجاج، وبسرعة، انطلقت نحو بقايا جدار سميك، مختفية عن الأنظار.
أما فؤاد، فقد استعد للمواجهة. كان الرجل الضخم أقوى منه جسدياً، لكن فؤاد كان أسرع وأكثر رشاقة. بدأ يتفاداه، ويتحرك حوله، محاولاً إرباكه.
"أنت قوي،" قال فؤاد وهو يتفادى لكمة قوية. "ولكنك أعمى. لا ترى سوى القوة المادية."
"القوة هي كل شيء، أيها الغبي!" زمجر الرجل، ثم حاول الإمساك بفؤاد.
دار فؤاد بسرعة، مستخدماً بعض الأنقاض المتناثرة حوله. وببراعة، ألقى بحجر كبير، أصاب الرجل في قدمه. تأوه الرجل من الألم، ولكنه لم يستسلم.
"لن تفلت مني!"
في هذه الأثناء، كانت الحاجة صفية قد وصلت إلى جزء من الجدار يعتقد أنها المنطقة التي كانت فيها المكتبة قبل الحريق. كانت تحاول معرفة أين يمكن أن يكون المدخل السري الذي ظهر على الرسم. وبينما كانت تتفحص الحجر، رأت نقشاً غريباً، يشبه العين التي على قطعة الزجاج.
"هنا!" همست الحاجة صفية. "يجب أن يكون هنا."
بدأت الحاجة صفية تدفع الحجر بقوة. كان ثقيلاً، ولكنه بدأ يتحرك ببطء. سمعت الحاجة صفية صوت صراخ فؤاد.
"فؤاد!"
وفي ساحة المواجهة، كان فؤاد قد استنفد قوته. الرجل الضخم قد أمسك به، وبدأ يضغط عليه.
"الآن، أعطني القطعة!" قال الرجل، ووجهه قريب من وجه فؤاد.
"لن أعطيك إياها!" قال فؤاد بصعوبة.
وفجأة، سمعا صوت صرير حجر يتحرك. انتبه الرجل الضخم إلى الصوت، وترك فؤاد لبرهة.
"ما هذا؟"
كانت الحاجة صفية قد نجحت في تحريك الحجر، وكشف عن مدخل ضيق، يؤدي إلى درجات حجريّة تنزل إلى الأسفل.
"هذا هو المدخل!" نادت الحاجة صفية. "فؤاد، تعال!"
استغل فؤاد هذه الفرصة، وانطلق نحو المدخل. كان الرجل الضخم خلفه، ولكنه لم يستطع مواكبته في النزول السريع.
نزل فؤاد والحاجة صفية إلى أسفل، في سراديب مظلمة. كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان. كانت الشموع التي كانت معلقة على الجدران قد انطفأت، ولكن كان هناك بعض الضوء الخافت يتسلل من فتحات صغيرة في السقف.
"أين نحن؟" سأل فؤاد.
"في السراديب القديمة للمكتبة،" قالت الحاجة صفية. "يقال إنها تحتوي على أجزاء لم تصلها النيران."
وكلما تعمقوا، زادت الظلمة، وزاد الشعور بأنهم يدخلون إلى عالم آخر. سمعوا أصواتاً غريبة، وهمسات كأنها من الماضي.
"أتسمع ذلك؟" سأل فؤاد.
"إنها وشوشات الماضي، يا بني. إنها تحاول أن تخبرنا شيئاً."
وصلوا إلى غرفة صغيرة، في وسطها منصة حجرية. وعلى المنصة، كانت هناك قطعة أثرية، تشبه علبة خشبية قديمة، مزينة بنفس الرموز التي على الخريطة وعلى قطعة الزجاج.
"هذه هي القطعة الثانية!" قال فؤاد، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة. "لقد وجدنا شيئاً."
"ولكن... هل هذا كل شيء؟" تساءلت الحاجة صفية. "الخريطة تشير إلى أكثر من قطعة."
وبينما كان فؤاد يتفحص العلبة، سمعوا صوتاً قادماً من الأعلى. صوت خطوات.
"إنه هو! لقد تبعنا!" صاح فؤاد.
"لا تقلق،" قالت الحاجة صفية، وهي تنظر حولها. "هنا، في هذه السراديب، قد تكون هناك أسرار لم يعرفها حتى 'الظل'."
وفجأة، ظهر الرجل الضخم عند مدخل الغرفة. كان يحمل سيفاً لامعاً.
"لقد انتهى أمركما!" قال بتهديد. "أعطوني العلبة!"
"هذه العلبة ليست ملكك،" قال فؤاد، وهو يقف أمام العلبة، يحميها. "إنها جزء من تاريخنا، ومن روح مدينتنا."
"التاريخ لا ينقذكم الآن!"
بدأ الرجل الضخم بالهجوم. ولكن هذه المرة، لم يكن فؤاد وحده. كانت الحاجة صفية، بذكاءها وحكمتها، مستعدة.
"فؤاد، ارفع العلبة!" أمرت الحاجة صفية. "واجعل الضوء يسقط عليها!"
فعل فؤاد ما قالته الحاجة صفية. رفع العلبة، وجعل ضوء الشمعة يتسلط عليها. وفجأة، انبعث من العلبة نور خافت، ولكن قوي.
تراجع الرجل الضخم، وهو يصرخ. "ما هذا؟"
"هذه قوة النور، يا رجل الظلام!" قالت الحاجة صفية. "قوة العلم والمعرفة، التي لا يستطيع الشر أن يقهرها."
أصبح الضوء أقوى، وبدأ الرجل الضخم يتلاشى، وكأنه يذوب في الهواء. صرخ صرخة أخيرة، ثم اختفى تماماً.
ساد الصمت في الغرفة. شعر فؤاد والحاجة صفية بالارتياح، ولكن أيضاً بالرهبة.
"لقد انتصرنا،" قال فؤاد. "ولكن... ما هي هذه العلبة؟ وماذا يعني كل هذا؟"
"لا أعرف تماماً، يا بني. ولكن أعتقد أننا اكتشفنا جزءاً صغيراً من الحقيقة. وأن الرحلة لم تنتهِ بعد. لدينا الآن القطعة الثانية. ولكن هناك المزيد."
نظر فؤاد إلى العلبة، ثم إلى الخريطة. كان يعلم أن هذا مجرد بداية. ولكن مع وجود الحاجة صفية بجانبه، ومع اكتشاف قوة النور، شعر بأن لديه القوة الكافية لمواجهة أي تحدٍ قادم. لقد بدأ كبحث عن كنز، ولكنه تحول إلى رحلة اكتشاف الذات، واكتشاف قوة التاريخ، وقوة الحق.