يوم مضحك الجزء الثاني

وحشة الليل ولهيب الشوق

بقلم سعيد الضحكة

استيقظت ليلى وقد غشيت عينيها ظلمة لم تعهدها من قبل، لم تكن ظلمة الغرفة المعتادة، بل ظلمة داخلية امتدت لتلتهم كل ما حولها. زفرت زفرة عميقة، تبعث على الأسى، كأنما أخرجت معها روحًا مسلوبة. الأرق هو رفيقها الأبدي هذه الليالي، ينسج حولها شبكة من الهموم، وتتخبط في خيوطها دون جدوى. لا النوم يزورها، ولا الراحة تمنحها السلام. جسدها ممدد على الفراش، لكن روحها تتيه في صحراء واسعة من التفكير، تبحث عن واحة تنسيها ما أصابها، عن نسمة عليلة تطفئ لهيب الشوق الذي استقر في أعماق صدرها.

تذكرت كلمات أمها، نبرتها الحانية وهي تحذرها من الانجراف وراء الأوهام، من إعطاء القلب لمن لا يستحقه. "الحب يا ابنتي ليس مجرد كلمات معسولة، إنه أفعال، أمانة، مسؤولية. ولا تجعلي حياتك أسيرة شخص لم يثبت لك الوفاء." كم كانت كلماتها كالنار التي لسعت جلدها، وكم كانت الآن كالحطب الذي أشعل نارًا أشد. لقد أثبت لها أحمد وفاءه، بل أكثر مما تتخيل. لقد أحبته حبًا نقيًا، حبًا انبثق من صميم روحها، حبًا استوطن القلب ولم يترك له موضعًا لسواه.

تستيقظت والدتها، أمينة، على صوت أنين خافت. اقتربت منها بحنان، تحسست جبينها بيدها الدافئة. "ما بالك يا ليلى؟ ألم تنامي؟" ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، حاولت أن ترسم عليها بعض العافية. "مجرد أفكار يا أمي، لا أكثر." جلست أمينة بجانبها، ومدت يدها لتضم ابنتها إلى صدرها. "الأفكار هي نفسها، لكنها إذا طالت أصبحت همومًا، والهموم إذا استقرت في القلب أصبحت مرضًا. ما الذي يشغل بالك إلى هذا الحد؟ هل هو أمر متعلق بأحمد؟" ترددت ليلى، ثم قالت بصوت مكتوم: "لقد تغير يا أمي. أشعر بأنه قد تغير." ارتعش صوت أمينة وهي تقول: "وكيف ذلك؟ هل حدث شيء؟" "لا شيء محدد، ولكنه أصبح بعيدًا، مشتتًا. اتصالاته أصبحت قليلة، ورسائله مختصرة. حتى عندما نلتقي، يبدو وكأنه يحمل هموم الدنيا على كتفيه. أخشى أن يكون قد وجد ما يلهيه عني، أو أن يكون قد بدأ يشعر بالملل." عانقتها أمينة بقوة، وقالت: "يا صغيرتي، الرجال في هذه الدنيا لديهم مسؤوليات ومشاغل كثيرة. قد يكون لديه ضغوط في عمله، أو ربما أمر يشغله. لا تستعجلي الحكم عليه. تحدثي معه، اسأليه عما يشغل باله." "ولكن ماذا لو كان السبب هو أنا؟ ماذا لو اكتشف أنني لست الفتاة التي كان يتمناها؟" "هذا تفكير خاطئ يا ليلى. الحب الحقيقي لا يشترط الكمال، بل القبول. أحمد يحبك، وأنت تحبينه. الأيام الجميلة لا تدوم دائمًا بدون تحديات. المهم هو كيف تواجهون هذه التحديات معًا. لا تستسلمي لليأس قبل أن تعرفي حقيقة الأمر."

تنهدت ليلى، حاولت أن تستجمع قوتها. "سأتحدث معه اليوم. سأطلب منه أن نتقابل، وأن نتحدث بصراحة." "هذا أفضل ما يمكن فعله. ولكن تذكري، لست وحدك. الله معك، وقلبي معك."

في المساء، اتصلت ليلى بأحمد. كان صوته غريبًا، منهكًا. "مرحبًا يا ليلى." "مرحباً أحمد. هل أنت بخير؟" "نعم، بخير. لماذا تسألين؟" "أشعر أنك بعيد يا أحمد. اتصالاتك قليلة، وحتى عندما نتحدث، تبدو وكأنك لست هنا." صمت أحمد لبرهة، ثم قال: "آه، هل هذا ما تشعرين به؟ المعذرة يا ليلى. لدي بعض الأمور التي تشغلني كثيرًا في الآونة الأخيرة." "ما هي هذه الأمور؟ هل يمكنني المساعدة؟" "أخشى أن الأمر معقد يا ليلى. ليس شيئًا يمكن لشخص آخر أن يتدخل فيه." تزايد قلق ليلى. "ولكننا سنتزوج يا أحمد. كل ما يؤثر عليك يؤثر عليّ أيضًا. أريد أن أشاركك همومك." "أعرف ذلك يا ليلى، وأنا أقدر ذلك. ولكن هذا الأمر شخصي جدًا. أرجوكِ، دعينا نتحدث عنه لاحقًا. الآن، أشعر بالإرهاق الشديد، وأحتاج للراحة." "ولكن..." "ارجوكِ يا ليلى. سأتصل بكِ عندما تتحسن الأمور." أغلق الخط قبل أن تكمل ليلى جملتها. شعرت بانقباض في صدرها، وكأن سكينًا قد غرزت فيه. كلماته كانت باردة، ومنفصلة. لم تكن هذه هي نبرة أحمد الذي عرفته. لقد اختفى ذلك الشغف في صوته، وذلك الاهتمام الذي كان يطمئنها.

في الغد، قررت ليلى أن تزور بيت خالتها، عمتها زينب. كانت زينب امرأة حكيمة، ذات خبرة واسعة في الحياة. ربما تستطيع أن تنصحها. استقبلتها زينب بحرارة. "يا هلا بليلى الغالية. نورتِ البيت." جلست ليلى، وبدأت تحكي لخالتها كل ما حدث. زينب تستمع إليها بصبر، وعيناها تتابع كل تعابير وجهها. عندما انتهت ليلى، قالت زينب: "يا ابنتي، أحمد شاب طيب، ولكن قد تكون لديه بعض الطباع التي لا تعرفينها تمامًا. ولكن إن كان قد تغير بهذه السرعة، فلا بد أن هناك سببًا وجيهًا." "ولكنه لا يريد أن يخبرني بشيء يا خالة." "هذا هو الخطأ. لا يمكن أن تبني علاقة قوية على السرية. يجب أن تكون هناك شفافية. ربما لديه مشكلة مالية؟ ربما ديون؟ أو ربما هناك شيء يتعلق بعائلته؟" "لا أعلم يا خالة. كل ما أعرفه أنني أشعر بأنني أخسر شيئًا ثمينًا." "لا تخسري شيئًا قبل أن تتأكدي. احمدي الله أنكِ لم تدخلي القفص الذهبي بعد. لا زال أمامك فرصة لتعرفي كل شيء. لكن كيف ستفعلين ذلك؟" "لا أعرف." "يمكنكِ أن تسألي والدته. إن كانت سيدة طيبة، فقد تعرف ما يشغل باله، وقد تساعدك في فتح هذا الموضوع معه." "والدته؟ إنها امرأة متحفظة." "ولكنكِ ابنة عمها، وهي تحبك. حاولي، لعل الله يفتح لكِ بابًا." "سأحاول يا خالة. أشكركِ على نصيحتك." خرجت ليلى من بيت خالتها وقلبها مثقل. كانت تشعر بأنها على وشك أن تكتشف سرًا مؤلمًا، وأن هذا السر قد يغير كل شيء. كانت وحشة الليل قد بدأت تتسرب إلى نهارها، ولهيب الشوق يتحول إلى لهيب خوف.

في تلك الليلة، بينما كانت ليلى تتأمل النجوم من شرفتها، رأت سيارة أحمد تتوقف أمام منزل أحد أصدقائه. ولم تكن تلك الزيارة مفاجئة. لقد اعتاد أحمد على زيارة هذا الصديق بشكل متكرر، وكان دائمًا ما يتهرب من ذكر التفاصيل. بدأت الشكوك تساور ليلى. لم تكن تدري ما الذي يحدث، ولكنها كانت تعلم أن هناك شيئًا ما يخفيه عنها أحمد. شعرت بأن قلبها يرتجف، وأن الألم يشتد. تساءلت، هل كان كل هذا الحب، كل هذه الوعود، مجرد سراب؟ ارتسم على وجهها تعبير من الحزن العميق، مع لمحة من العزم. ستقف عند حد هذا التعتيم، وستبحث عن الحقيقة بنفسها. لم يعد لديها خيار آخر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%