يوم مضحك الجزء الثاني
سر في جوف الليل
بقلم سعيد الضحكة
استقرت ليلى في فراشها، ولكن النوم كان بعيد المنال. لم تكن مجرد أفكار عابرة تجول في خاطرها، بل كانت قنابل موقوتة تنفجر في صمت، مهددة بتدمير كل شيء بنته. الشكوك التي بدأت تراودها حول أحمد كانت تتضخم، وتتحول إلى حقائق مرعبة في مخيلتها. هل كان يخدعها؟ هل كان يتلاعب بمشاعرها؟ هذه الأفكار كانت أقسى من أي عتاب، وأكثر إيلامًا من أي خيانة.
في الصباح، قررت ليلى أن تبدأ بالبحث عن الحقيقة. لم تعد قادرة على الانتظار. لم تعد قادرة على تحمل هذا العبء وحدها. كان لابد من اكتشاف ما هو ذلك السر الذي يخفيه أحمد، والذي يجعله ينفر منها، ويبتعد عنها. لكن من أين تبدأ؟ إن كانت والدته متحفظة، فربما لا تستطيع الحصول على أي معلومة منها.
مرت أيام وليلى تعيش في قلق دائم. كانت تحاول أن تبدو طبيعية أمام أسرتها، ولكن داخلها كان يغلي. أحمد كان يتصل بها قليلاً، وكانت مكالماته لا تتجاوز بضع دقائق. كان صوته لا يزال مرهقًا، ولكنه الآن أصبح يحمل نبرة من الملل، أو ربما الاستسلام. لم تعد تشعر بذلك الاهتمام الذي كان يغمرها به سابقًا.
في إحدى الليالي، وبينما كانت تتصفح هاتفها، وقعت عيناها على صورة قديمة لأحمد مع مجموعة من أصدقائه. كانت صورة قبل أشهر، حيث كان يبتسم ابتسامة عريضة، وكان يحيط به أصدقاؤه وهم يضحكون. لم تكن تلك الابتسامة موجودة في صوره الحديثة. كان يبدو كشبح، ضائعًا في متاهة الحياة.
تذكرت ليلى نصيحة خالتها بالحديث مع والدة أحمد. كانت الخطوة تبدو صعبة، ولكنها ضرورية. في ظهيرة اليوم التالي، ذهبت ليلى لزيارة والدة أحمد، السيدة فاطمة. استقبلتها فاطمة بابتسامة مهذبة، ولكنها كانت تحمل في طياتها بعض التحفظ. "أهلاً وسهلاً يا ليلى. نورتِ." "شكرًا يا خالتي. كيف حالك؟" "الحمد لله. أنتِ كيف حالك؟ أرى أنكِ نحفتِ قليلاً." "ربما. أنا بخير." جلست ليلى، وبدأت تتحدث بعناية. "خالتي، أنا أعرف أن أحمد مشغول جدًا في الآونة الأخيرة. ولكنني قلقة عليه. أشعر بأنه يحمل همومًا كثيرة، وأنه قد أصبح بعيدًا عنا." نظرت فاطمة إلى ليلى ببعض الدهشة. "بعيدًا؟ أحمد؟ هو دائمًا ما يكون قريبًا." "ليس قريبًا جسديًا يا خالتي، بل روحيًا. اتصالاته قليلة، ورسائله مختصرة. حتى عندما نتحدث، يبدو وكأنه في عالم آخر." تنهدت فاطمة، وحاولت أن تخفي قلقها. "ربما لديه بعض الضغوط في العمل. تعرفين طبيعة عمله، فهو يتطلب الكثير من التركيز والجهد." "ولكنه لم يكن هكذا من قبل. كان دائمًا ما يشاركني كل شيء. الآن، أشعر بأنه يخفي عني شيئًا." شعرت ليلى بأن فاطمة تتردد في الإجابة، وأنها تحاول التهرب من الموضوع. "يا خالتي، نحن على وشك الزواج. من واجبي أن أكون بجانبه، وأن أساعده في أي مشكلة تواجهه. ولكن كيف أساعده إن كنت لا أعرف ما هي المشكلة؟" صمتت فاطمة لبرهة، ثم قالت بصوت خفيض: "ليلى، يا ابنتي، أحمد شاب طيب، ولكن قد يقع أحيانًا في بعض الأخطاء." "أخطاء؟ أي نوع من الأخطاء؟" "بعض الأصدقاء السيئين... قد يدخلونه في بعض الأمور التي تسبب له مشاكل." "مشاكل؟ أي مشاكل؟" "ليست مشاكلكِ أنتِ. إنها مشاكله الخاصة. حاولنا أن ننصحه، ولكن يبدو أنه لا يستمع. لديه بعض الالتزامات التي تثقل كاهله." "التزامات؟ مثل ماذا؟" "لا أستطيع أن أخبركِ بكل شيء. ولكن الأمر يتعلق ببعض الديون. لقد تراكمت عليه بعض الديون." ارتعش قلب ليلى. ديون؟ كم هي؟ ولماذا لم يخبرها؟ "ولكنه لم يخبرني أبدًا. كيف سمح لنفسه أن يصل إلى هذا الحد؟" "هو يعتقد أنه سيتمكن من حلها بمفرده. إنه عنيد بعض الشيء. ولكنه رجل مسؤول، وسيحاول أن يجد حلًا." "وهل هو متأكد أنه سيجد حلًا؟" "نحن ندعو له دائمًا. ولكن... لست متأكدة. الوضع معقد." خرجت ليلى من بيت فاطمة وهي تشعر بأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. لم تكن تتوقع هذا الأمر أبدًا. أحمد، الغارق في الديون؟ كيف حدث ذلك؟ ولماذا لم يكن صريحًا معها؟ عادت إلى منزلها، وأمينة تراقب وجه ابنتها بقلق. "ماذا قالت لكِ السيدة فاطمة؟" "قالت إن أحمد لديه بعض المشاكل المالية يا أمي. إنه غارق في الديون." شهقت أمينة. "ديون؟ كيف؟" "لا أعرف. ولكنها تقول إن الوضع معقد." "وهل حاول أن يخبركِ؟" "لا. لقد اختفى عني. وأنا أشعر بأنني لم أعد أعرف هذا الرجل." "يا ابنتي، لا تيأسي. قد يكون هذا ابتلاء، ليظهر لكِ حقيقة معدنه." "ولكنه كان يكذب عليّ يا أمي. لقد أخفى عني شيئًا كبيرًا." "الكذب ليس بالشيء الهين. ولكن ربما كان يعتقد أنه يحميكِ. أو ربما كان يخجل." "ولكننا سنتزوج. يجب أن يكون هناك صدق بيننا." "بالتأكيد. ولكن عليكِ الآن أن تقرري. هل ستواجهين هذه المشكلة معه؟ هل ستساعدينه؟ أم ستتركينه؟" نظرت ليلى إلى أمها، بعينين لامعتين بالدموع. "لا أعرف يا أمي. قلبي يؤلمني. أشعر بأنه قد خان ثقتي." "إن كان هذا الحب صادقًا، فستجدين طريقة. ولكن لا تضيعي نفسكِ في علاقة مؤذية."
في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تحاول أن تجمع شتات أفكارها، رن هاتفها. كان أحمد. "ليلى؟" "نعم يا أحمد." "أنا آسف. آسف جدًا. لم يكن يجب أن أبتعد عنكِ هكذا." "ولكن لماذا فعلت ذلك يا أحمد؟ لماذا لم تخبرني؟" "كان الأمر صعبًا. لم أكن أريد أن أقلقكِ. ولكن الأمور ساءت أكثر مما توقعت." "إلى أي حد ساءت؟" "لقد استدانوني. وطلبوا مني مبلغًا كبيرًا. وأنا لا أملك شيئًا." "ومن هم هؤلاء؟" "أصدقاء قدامى. لقد أوقعتني في ورطة كبيرة. وأنا الآن أبحث عن أي طريقة للخروج من هذا المأزق." "ولكنك لم تخبرني. كنت أظن أنك لا تهتم بي." "لا يا ليلى، أنا أحبكِ. ولم أرغب في أن تحملي همومي. ولكن الآن، لا يمكنني أن أخفي الأمر أكثر. أخشى أن يتدمر كل شيء." "وماذا ستفعل؟" "لا أعرف. أبحث عن حل. ولكنني أعتقد أنني قد أحتاج للمساعدة." "من؟" "لا أدري. قد أضطر لبيع بعض ممتلكاتي. ولكن المبلغ كبير جدًا. أخشى أن هذا لن يكفي." شعرت ليلى بنوع من الشفقة، ممزوجة بالغضب. كان أحمد في ورطة، ولكنه اختار أن يعيش في عزلة، بدلًا من أن يطلب المساعدة. "ولكنني لم أعد أثق بك يا أحمد. لقد كذبت عليّ." "أعرف. ولكن هذا ليس وقت اللوم. هذا وقت التعاون. إذا كنتِ ما زلتِ تحبينني، ساعديني. وإلا..." سكت أحمد. وبقيت ليلى صامتة، تحاول استيعاب حجم المصيبة. لقد كان هناك سر، سر مظلم، كان يختبئ في جوف علاقتها بأحمد. والآن، بعد أن انكشف، كان لابد لها أن تتخذ قرارًا مصيريًا.