يوم سعيد
سرٌّ في عبق الزهور
بقلم سعيد الضحكة
استقرت عينا ليلى على أزهار الياسمين البيضاء المتدلية من السياج الخشبي لمنزل جدتها، تتمايل بخفة مع نسمات الهواء العليلة التي تحمل معها عبق المدينة القديمة. كانت هذه الجلسات الصباحية في شرفة جدتها أمراً مقدساً بالنسبة لها، فرصة للتأمل والتناغم مع سكون المكان وهدوء الأرواح. اليوم، كان هدوءها مشوباً بقلق خفي، ظل يراودها منذ لقائها الأخير بالسيد أحمد. لم تكن قد أخبرت أحداً بما جرى، بل احتفظت بتلك الكلمات التي نسجها السيد أحمد في ذاكرتها، كخيوط متشابكة تحمل وعداً ومسؤولية.
"ماذا بك يا ابنتي؟ تبدين شاردة الذهن." صوت جدتها الهادئ، الذي لم يفقد دفءه مع مرور السنين، أعادها إلى الواقع. كانت الجدة فاطمة واقفة عند المدخل، تحمل صينية فضية لامعة عليها فنجانان من القهوة العربية الفوّاحة.
ابتسمت ليلى ابتسامة بهتانة. "لا شيء يا جدتي، مجرد أفكار تتطاير."
جلست الجدة بجوارها، ووضعت الفنجان أمامها. "الأفكار حين تتطاير كثيراً، قد تحمل معها رياحاً قوية. هل هناك ما يثقل قلبك؟"
تنهدت ليلى، شعرت برغبة عارمة في البوح، في تفريغ ما بداخلها من هموم. "السيد أحمد... تحدث معي أمس."
توقف إيقاع حركة الجدة وهي تلتقط فنجانها. "وماذا قال؟" سألت بحذر، رغم أن نظرة عينيها كانت تحمل قدراً من الفهم المسبق.
"لقد... طلب مني أن أكون شاهدة على عقده على ابنة عمه. قال إنها مسؤولية كبيرة، وأن حضوري سيكون دعماً له في هذا اليوم المصيري." ترددت ليلى في الكشف عن الجزء الآخر من حديثه، الجزء الذي لم يكن عن العقد بحد ذاته، بل عن مستقبله، وعن تلك الصفقة التي قد تغير مجرى حياته. "لكنه تحدث أيضاً عن... صفقة تجارية مهمة، وعن أمله أن تكلل بالنجاح."
نظرت الجدة فاطمة إلى الخارج، إلى الشارع الذي امتلأ تدريجياً بأصوات الباعة والمارة. "السيد أحمد رجل طيب، لكنه يحمل على عاتقه الكثير. هو يرى فيكِ نقاءً واستقامة، ولهذا يطلب منكِ الوقوف بجواره. هذه الأيام، الندرة في مثل هذه الشهادات، والأمانة في البشر. ربما يرى فيكِ ذلك الجزء المفقود من ثقته."
"لكني... لست متأكدة إن كنتُ أستطيع." اعترفت ليلى، وقد تسارعت نبضات قلبها. "رؤيته في مثل هذه المواقف... قد تفتح جروحاً قديمة."
"الجروح يا ابنتي، لا تلتئم إلا بالتعرض للشمس والهواء. الهروب منها لا يفعل شيئاً سوى إبقائها متعفنة تحت غطاء من الظلام." أمسكت الجدة بيد ليلى، وضغطت عليها برفق. "لقد مررتُ بأكثر من ذلك، وشاهدتُ ما هو أعظم. الحياة تأتينا بأحمالها، وعلينا أن نتعلم كيف نرفعها، لا أن ندعها تسحقنا. هل تشعرين أنكِ غير قادرة على حمل هذه المسؤولية؟"
"لا، ليس عدم قدرة. بل... شعور بالغربة. كأني أدخل عالماً لا أعرفه تماماً، عالماً تسيطر عليه الظلال."
"الظلال يا ليلى، هي مجرد غياب للنور. ومع قدوم الصباح، تتبدد. أنتِ لستِ مضطرة لأن تتقمصي دوراً لا يشبهكِ. كوني أنتِ، ليلى. بشفافيتكِ، بصدقكِ. أحياناً، يكون حضوركِ الهادئ هو القوة الأكبر."
تحدثت الجدة عن والدة السيد أحمد، السيدة عائشة، التي كانت صديقة مقربة منها في شبابها. استعادت ذكريات تجمع بينهما، ضحكات، أحاديث، ونصائح. كان ذلك حديثاً مريحاً، أزال بعضاً من ثقل الغموض عن السيد أحمد وعن عائلته.
في عصر ذلك اليوم، تلقت ليلى اتصالاً هاتفياً من السيدة خديجة، زوجة عم السيد أحمد. كانت مكالمة مفاجئة، تحمل في طياتها دعوة لزيارة المنزل للإطلاع على تفاصيل الترتيبات الخاصة بالحفل. ترددت ليلى قليلاً، لكنها تذكرت كلام جدتها.
"بالتأكيد يا سيدة خديجة، يسعدني أن أقدم المساعدة." قالت بصوت ثابت.
في منزل عم السيد أحمد، استقبلتها السيدة خديجة بابتسامة ودودة، وإن كانت تحمل في عينيها لمحة من التوتر. كان المنزل فخماً، تملؤه الزخارف الشرقية والأثاث الفاخر. كان الجو العام يوحي بالاستعدادات لمناسبة هامة.
"نحن سعداء جداً بحضوركِ يا ليلى. السيد أحمد أخبرنا أنكِ ستكونين عوناً لنا في بعض الأمور." قالت السيدة خديجة، وهي تقودها إلى غرفة واسعة تبدو كأنها مكتب.
"أنا هنا للمساعدة قدر استطاعتي." أجابت ليلى، وهي تتفحص المكان.
بدأت السيدة خديجة تشرح تفاصيل العقد، والمهر، وقائمة المدعوين، والترتيبات الخاصة بالحفل. كانت ليلى تستمع بانتباه، وتسجل بعض الملاحظات، لكن ذهنها كان مشتتاً. كانت تتساءل عن طبيعة العلاقة بين السيد أحمد وابنة عمه، وهل هناك حب حقيقي يربطهما، أم أنه مجرد زواج تقليدي مدفوع بالتقاليد والعائلة.
"بالنسبة لمهر ابنة عمه... اتفقوا على مبلغ بسيط، نظراً لأنها من العائلة. لكن السيد أحمد أصر على تقديم هدية قيمة جداً لها، شيء سيظل معها طوال حياتها." قالت السيدة خديجة، وهي تفتح درجاً خشبياً. "هذه هي القائمة المبدئية للهدايا."
أخرجت من الدرج ورقة مطبوعة، عليها قائمة بأسماء مجوهرات، وعطور نادرة، وقطعة قماش مطرزة بالذهب. نظرت ليلى إلى الأسماء، وشعرت بالدهشة. كانت هذه الهدايا تفوق بكثير ما يمكن أن تقدمه أسرة في ظروف عادية.
"هل... هل هذه الهدايا ضرورية؟" سألت ليلى بتردد، آملة ألا تبدو متعجرفة.
ضحكت السيدة خديجة ضحكة مكتومة. "يا ابنتي، السيد أحمد رجل كريم. وهو يعتقد أن الزواج يجب أن يبدأ بتقدير كبير. خصوصاً وأن ابنة عمه، سارة، لم تكن تتوقع هذا الأمر بهذه السرعة. هي لا تزال صغيرة."
"سارة؟" كررت ليلى الاسم، شعرت برهبة مفاجئة. هل هي الفتاة التي رأتها في المقهى مع السيد أحمد؟
"نعم، سارة. إنها فتاة جميلة، لكنها قليلة الخبرة. نحن نأمل أن يكون هذا الزواج مصدر سعادة لها." قالت السيدة خديجة، وهي تغلق الدرج. "لكن، هناك أمر آخر. السيد أحمد... يشعر ببعض القلق بشأن الصفقة التي سيبرمها بعد العقد مباشرة. الصفقة مع المستثمرين الأجانب. يقول إن الأمر معقد، وأن سمعة العائلة قد تتأثر إذا لم تتم بنجاح."
"هل يمكنني معرفة المزيد عنها؟" سألت ليلى، بدافع من فضول نبيل.
"ليس لدي الكثير من التفاصيل. الأمر معقد اقتصادياً. لكنه قال إن هناك بعض الشروط الغريبة التي يصر عليها الطرف الآخر. أشياء لا يفهمها." تنهدت السيدة خديجة. "أتمنى أن يوفقه الله. فوالده، رحمه الله، كان رجلاً حكيماً في التجارة، وكان دائماً يتنبأ بالصعوبات قبل وقوعها. السيد أحمد ورث الكثير من ذكائه، لكنه في بعض الأحيان يقع في فخ العناد."
شكرت ليلى السيدة خديجة، وغادرت منزلهم وهي تشعر بمزيد من الضغط. لم تكن مجرد شهادة على عقد زواج، بل كانت تشهد على مفترق طرق حاسم في حياة رجل. بدا لها أن السيد أحمد يواجه عاصفة متعددة الأوجه، وأنها، بطريقة ما، أصبحت جزءاً من هذه العاصفة.
في طريق عودتها، مرت بسيارة أجرة. جلست في المقعد الخلفي، تنظر إلى الشوارع المزدحمة، وتتساءل عن قدرتها على التعامل مع كل هذه التعقيدات. هل يمكن لشخص لم يختبر الكثير من مصاعب الحياة أن يقدم العون لشخص يغوص فيها؟ هل كانت كلماتها، أو مجرد وجودها، كافياً ليمنح السيد أحمد القوة التي يحتاجها؟
وصلت إلى منزل جدتها، ودخلت إلى غرفتها. جلست على حافة السرير، واحتضنت وسادة. شعرت بأن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التحديات، وأن يوم العقد سيكون أثقل مما ظنت. نظرت إلى عبق الياسمين الذي كان لا يزال عالقاً بملابسها، وتساءلت إن كان عبق الزهور هذا سيظل خالداً، أم سيذبل تحت وطأة الواقع.
أغلقت عينيها، وحاولت أن تتذكر نصيحة جدتها. "كوني أنتِ، ليلى." ربما كان هذا هو المفتاح. ربما لم يكن المطلوب منها أن تكون محاربة، بل أن تكون مرآة صادقة، تعكس نور الحقيقة في زمن تتكالب فيه الظلال. كانت تعلم أن غداً سيأتي، بكل ما يحمله من أسئلة، ومن إجابات، ومن مسؤوليات.