الفصل 11 / 25

يوم سعيد

ظلال الماضي ورقص الأقدار

بقلم سعيد الضحكة

تسلل نور الفجر الخجول عبر نوافذ غرفة ليلى، ليرسم خطوطاً ذهبية على الأرضية الباردة. استيقظت ليلى قبل موعدها المعتاد، وشعرت بثقلٍ في صدرها، إرثٍ ثقيلٍ من القلق والترقب. يوم العقد. يومٌ كان يلوح في الأفق كشبحٍ غامض، يحمل معه مزيجاً من الفضول المهني والمسؤولية الأخلاقية، ومسحةً من ذكرياتٍ مؤلمةٍ كانت تحاول عبثاً دفنها.

جلست على طرف سريرها، وارتشفْت من فنجانٍ من الماء البارد، استشعرت فيه برودة الواقع الذي ينتظرها. لم تكن هذه مجرد ترتيباتٍ لعقدٍ تقليدي، بل كانت جزءاً من لعبةٍ أكبر، لعبةٍ تتشابك فيها مصائرٌ عائلية، وصفقاتٌ تجارية، وأسرارٌ دفينة.

نزلت إلى المطبخ، حيث كانت جدتها فاطمة تعدّ القهوة العربية، تفوح رائحتها العطرة في أرجاء المكان، كبلسمٍ يشفي جراح الروح. ابتسمت الجدة لها بحنانٍ، وقدمت لها كوباً دافئاً.

"هل أنتِ مستعدة يا ابنتي؟" سألت بصوتٍ فيه نبرةٌ تحمل ألف معنى.

أومأت ليلى برأسها. "أحاول يا جدتي. لكن الأمور تبدو أكثر تعقيداً مما كنتُ أتوقع."

"الحياة دائماً ما تفاجئنا بتعقيداتها، يا ليلى. لكنها أيضاً تكشف لنا عن قوتنا الحقيقية حين نتجاوزها. السيد أحمد يمرّ بيومٍ لا يقلّ تعقيداً عن يومكِ. هو يتزوج، وفي نفس الوقت، يواجه صفقةً قد تحدد مصيره المهني."

"هل تحدثتِ معه عن الصفقة؟" سألت ليلى، وعيناها تتوسلان الجواب.

"بعض الأقوال لا تحتاج إلى لسانٍ لتُقال. رأيتُ في عينيه قلقاً لا يتعلق فقط بالزواج. تحدثتُ معه عن الأمانة، عن الثقة، عن أهمية الاستخارة قبل اتخاذ القرارات المصيرية. ربما يكون هذا ما يحتاجه الآن."

تحدثت الجدة عن السيدة عائشة، والدة السيد أحمد، وكيف كانت تتعامل مع صعوبات الحياة برباطة جأشٍ ودعاءٍ صادق. كانت ذكريات الجدة بمثابة دروسٍ مستقاةٍ من تجارب الحياة، دروسٌ أرادت أن تغرسها في روح ليلى، لتقويها في مواجهة ما هو قادم.

"يا ابنتي، تذكري دائماً، أن لكلّ عقدٍ ظلاله، ولكلّ صفقةٍ أسرارها. لكن النور يأتي من الإيمان، ومن الصدق، ومن النوايا الحسنة."

في منتصف النهار، وبينما كانت ليلى تستعد للخروج، تلقت اتصالاً هاتفياً آخر. هذه المرة، كان المتحدث هو السيد أحمد بنفسه. كان صوته يحمل نبرةً متعبة، لكنه كان مصمماً.

"ليلى، أعتذر عن الإزعاج في هذا اليوم، لكنني أحتاج إلى مساعدتكِ في أمرٍ صغير." قال.

"بالتأكيد يا سيد أحمد. ما هو؟"

"السيدة سارة، خطيبتي... لم تكن على درايةٍ بتفاصيل الصفقة التي عقدتها. وأشعر أنني مدينٌ لها ببعض التوضيح. ربما تستطيعين أن تتحدثي معها، وتوضحي لها طبيعة العمل، وتطمئنيها. أنتِ أدرى مني بهذه الأمور، وأكثر قدرةً على إيصال الرسالة بلطفٍ وشفافية."

شعرت ليلى بصدمةٍ خفيفة. هل هو يطلب منها أن تكون وسيطةً بينه وبين خطيبته؟ هل كان يثق بها لهذه الدرجة، أم أنه كان يبحث عن أيّ يدٍ عونٍ في هذه اللحظة الحرجة؟

"بالطبع يا سيد أحمد. سأذهب إليها بعد قليل." أجابت، محاولةً أن تبدو متماسكة.

توجهت ليلى إلى منزل عم السيد أحمد، وقلبها يعتصرها. لم تكن تعرف ماذا تقول لسارة، كيف تصف لها مستقبلاً قد يكون محفوفاً بالمخاطر، وكيف تطمئنها بينما هي نفسها تشعر بالقلق؟

عندما دخلت إلى غرفة سارة، وجدت فتاةً شابة، ذات ملامح بريئة، وعينين واسعتين تحملان مزيجاً من الدهشة والخوف. كانت سارة تجلس على الأريكة، تحتضن وسادة، وتبدو ضائعة.

"مساء الخير يا سارة." قالت ليلى، محاولةً أن ترسم ابتسامةً هادئة على وجهها.

"مساء النور." أجابت سارة بصوتٍ خافت.

بدأت ليلى تتحدث، مستحضرةً كلّ ما سمعته من جدتها، وكلّ ما قرأته في كتبٍ عن ريادة الأعمال. شرحت لها طبيعة الصفقة، والفرص التي يمكن أن تنشأ عنها، والمخاطر التي قد تنجم عنها. تحدثت عن أهمية الدعم العائلي في مثل هذه المواقف، وعن ثقة السيد أحمد بها.

"السيد أحمد يحبكِ يا سارة، ويعرف أنكِ ستكونين سنداً له. هذه الصفقة مهمة جداً له، ليس فقط من أجل المال، بل من أجل سمعته، ومن أجل بناء مستقبلٍ أفضل لكم." قالت ليلى، وهي ترى الأمل يتسلل ببطءٍ إلى عيني سارة.

"لكنني... لا أفهم شيئاً في التجارة." قالت سارة، ودموعها تتجمع في عينيها.

"لا عليكِ. كلّ إنسانٍ يبدأ من نقطة الصفر. ما يهم هو أن تدعميه، وأن تؤمني به. وأن تستمعي إليه. هو يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك من يقف بجواره."

قضت ليلى وقتاً طويلاً مع سارة، تتحدث معها، تطمئنها، وتحاول أن تغرس فيها الثقة. شعرت بأنها تقوم بدورٍ لم تكن تتوقعه، دورٍ يتجاوز مجرد كونها شاهدةً على عقد. كانت تلعب دور المصلحة، ودور الصديقة، ودور المرشدة.

عندما غادرت ليلى منزل عم السيد أحمد، شعرت بالإرهاق، لكنها شعرت أيضاً بشيءٍ من الرضا. ربما لم تكن قادرةً على حلّ جميع المشاكل، لكنها استطاعت أن تخفف من عبءٍ ما، وأن تزرع بصيص أملٍ في قلبٍ خائف.

عادت إلى منزل جدتها، وجدت الجدة جالسةً تقرأ القرآن. جلست بجانبها، وسندت رأسها على كتفها.

"لقد فعلتِ ما بوسعكِ يا ابنتي." قالت الجدة، وهي تضع يدها على رأسها.

"شعرتُ بأنني... كنتُ أفعل شيئاً مهماً. لم يكن فقط شهادةً على عقد. بل كان... محاولةً لرأب صدعٍ قديم."

"كلّ محاولةٍ لرأب صدعٍ، مهما كانت صغيرة، هي خطوةٌ في طريق الإصلاح. السيد أحمد رجلٌ طيب، لكنه يغرق في تعقيداتٍ لم يخلق لها. ربما يكون هذا الزواج، وإن كان قسرياً، نقطة تحولٍ له. وربما تكونين أنتِ، بوجودكِ الهادئ، سبباً في استقرارٍ ما."

في تلك الليلة، نامت ليلى بعمقٍ أكبر، لكن أحلامها كانت مليئةً برقص الأقدار، وتداخل الظلال، ووجوهٍ تحمل في طياتها قصصاً لم تُروَ بعد. كان يوم العقد على وشك أن يبدأ، وكانت تعلم أن ما سيحدث فيه، سيغير مجرى حياتها، ومجرى حياة الكثيرين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%