الفصل 14 / 25

يوم سعيد

رياح التغيير في بيت الغانم

بقلم سعيد الضحكة

كانت نسمات الفجر الأولى قد توغلت في أرجاء بيت الغانم، تحمل معها عبق الياسمين ورطوبة الندى، لكنها لم تستطع أن تلطف من حدة الانقباض الذي اعتصر قلب السيدة فاطمة. لم يكن النوم قد زارها طويلاً، فقد استقر القلق في عينيها كحجر ثقيل. جلست في مصلاها، تردد آيات من القرآن الكريم بقلب حاضر، راجيةً أن تجد فيها السكينة التي تشتد الحاجة إليها.

لقد تركت لها رسالة زوجها، السيد أحمد، أثرًا بالغًا. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت كاشفة لوجه آخر لم تعتده منه. كان حديثه عن "تغيرات ضرورية" و"مستقبل يتطلب قرارات جريئة" يشي بالكثير. شعرت كأن أرضًا تحت قدميها تهتز، فمنذ سنوات طويلة، كان بيت الغانم واحة من الاستقرار والأمان، تحكمه عادات وتقاليد راسخة، يشكل فيها السيد أحمد الركيزة الصلبة.

فكرت في ابنتها، ليلى. كانت دائمًا مصدر بهجتها وقرة عينها. كانت حياتها تسير على درب مرسوم بعناية، يتخلله التزامها بدراستها وعلاقتها الطيبة بعائلتها. لم تكن أبدًا تشكو ضيقًا أو تعاني من أي اضطراب، لكن هذه الرسالة، وهذا الحديث المفاجئ عن "مسار جديد"، أثارا لديها موجة من القلق على مستقبل ابنتها. هل يتعلق الأمر بشيء يمس حياتها الشخصية؟ هل هناك خطط لا تعلم عنها شيئًا؟

نزلت الدرج بخطوات هادئة، لكن كل خطوة كانت تحمل ثقل السؤال. وجدت عبد الله، الابن الأكبر، جالسًا في الصالة، يقلب صفحات صحيفة الصباح بتركيز، أمامه كوب قهوة قد برد. كان عبد الله، رغم صغر سنه نسبيًا عن والده، يحمل مسحة من الجدية والرصانة.

"صباح الخير يا أمي." قال عبد الله بابتسامة خفيفة، حين لمحها.

"صباح النور يا بني. هل استيقظ أبوك؟" سألت السيدة فاطمة، محاولةً إخفاء قلقها خلف نبرة هادئة.

تردد عبد الله قليلاً قبل أن يجيب: "لم أره منذ استيقظت. كان يتحدث في الهاتف بصوت خفيض لفترة طويلة، ثم خرج."

زاد القلق في قلب السيدة فاطمة. "خرج؟ متى؟"

"منذ حوالي ساعة، تقريبًا. لم يترك لي رسالة."

شعرت السيدة فاطمة بالبرد يتسرب إلى أطرافها. هذا التصرف لم يكن من طبع والدهم. اعتادوا أن يكونوا جميعًا على دراية بخططه، وأن يشاركهم أخباره. كان هناك دائمًا شفافية واحترام متبادل في التعامل، لم يتزعزع يومًا.

"هل حدث شيء؟" تساءلت بصوت يكاد يكون مسموعًا.

اقترب منها عبد الله، ورأى الشحوب على وجهها. "هل أنتِ بخير يا أمي؟ تبدين متعبة."

"لا شيء يا بني، فقط بعض الأرق." كذبت لكي لا تقلقه. "لكنني قلقة بعض الشيء. والدك لم يعد مألوفًا في تصرفاته هذه الأيام."

نظر عبد الله نحو الباب، وكأن شيئًا ما قد تيقن لديه. "لقد لاحظت ذلك أيضًا يا أمي. هناك ما يشغل باله، لكنه لا يبوح به."

في تلك الأثناء، كانت ليلى قد استيقظت على صوت خافت في الخارج. فتحت عينيها ببطء، متسائلة عن سبب اليقظة المبكرة. نظرت إلى ساعتها، فرأت أن الوقت لا يزال باكرًا جدًا. سمعت صوت والدتها ثم صوت أخيها، فأزاحت الغطاء واتجهت نحو الصالة.

"صباح الخير جميعًا." قالت بصوت ناعس، متجهة نحو والدتها لتقبلها.

"صباح النور يا حبيبتي. هل نمتِ جيدًا؟" سألتها السيدة فاطمة، محاولةً أن تبدو طبيعية.

"نعم، الحمد لله. لكنني استيقظت على صوتكما." نظرت حولها، كأنها تبحث عن شخص ما. "أين أبي؟"

"لا نعلم بالضبط يا ابنتي. خرج مبكرًا." أجاب عبد الله.

نظرت ليلى إلى والديها، شعرت بوجود شيء غريب يلف المكان. لم يكن مجرد غياب الأب، بل كان هناك توتر خفي، شيء لم تستطع تفسيره. كانت هي الأخرى قد لاحظت تغيرًا في سلوك والدها مؤخرًا. أصبح كثير الشرود، يتحدث في الهاتف كثيرًا، ويبدو عليه الإرهاق.

"هل هناك أمر ما؟" سألت ليلى، مدركة أن صمت والديها ليس مجرد صمت اعتيادي.

تنهدت السيدة فاطمة. "لا شيء مهم يا ابنتي. ربما بعض مشاغل العمل."

لم تقتنع ليلى. كانت تعرف كيف تبدو علامات الانشغال على والدها، وهذا كان مختلفًا. كان هناك إحساس بخبئ، بوجود سر.

"لكن والدي لم يتحدث عن أي مشاكل في العمل." قالت، ناظرة إلى عبد الله. "هل تعرف شيئًا؟"

نظر عبد الله إلى أخته، ثم إلى أمه. شعر بمسؤولية تجاههما. كان يعلم أن والده كان يجري محادثات هاتفية طويلة مع رجل الأعمال المعروف، السيد منصور. كان يسمع أجزاء من أحاديثهم، تتضمن كلمات مثل "شراكة"، "استثمار"، "مخاطرة". كان يشعر أن الأمر كبير، وأنه يتجاوز مجرد تجديد في العمل.

"والدي يبدو أنه يخوض مشروعًا جديدًا، يا ليلى." قال عبد الله، واختار كلماته بعناية. "مشروع كبير يتطلب بعض التخطيط. هو يريد أن يفاجئنا بنتيجته."

"مشروع جديد؟" كررت ليلى، بدأت ملامح القلق تظهر عليها. "ولماذا كل هذا السر؟"

"ربما لأنه لا يريد أن يقلقنا إذا لم ينجح، أو لأنه يريد أن يفرحنا كثيرًا إذا نجح." قالت السيدة فاطمة، متأملة أن تكون كلماتها كافية لتهدئة ابنتها.

جلست ليلى، تفكر فيما قيل. هل كانت تلك هي الحقيقة كلها؟ كانت تشعر بأن هناك شيئًا أكبر، شيئًا يخفيه والدها. كان اسمها قد ذكر في بعض الأحاديث الهاتفية لوالدها، حين كان يتحدث إلى والدتها. كلمات مثل "مستقبل ليلى"، "ضمان لعيش كريم"، "مسؤولية". كانت هذه الكلمات تتردد في ذهنها، وتزيد من حيرتها.

انتهى فصل الصباح المبكر، وتسللت الشمس بجرأة إلى الغرفة، لكن دفئها لم يجد طريقه إلى قلوبهم. استمرت الحيرة والقلق، وكأن رياح التغيير قد بدأت تهب بالفعل في بيت الغانم، حاملة معها أسئلة أكثر مما تحمل إجابات. كان الجميع ينتظر عودة السيد أحمد، لعلها تكشف بعضًا من الغموض الذي أحاط بهم. لكنهم كانوا يعلمون، في أعماقهم، أن الأمور قد لا تعود كما كانت أبدًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%