يوم سعيد
الستار الذي لا يُرى
بقلم سعيد الضحكة
ارتفعت أصوات الضحكات الشبابية من حديقة منزل السيد منصور، امتزجت مع رائحة الشواء المنبعثة من شرفة المطبخ. كانت دعوة مفاجئة، تلقتها عائلة الغانم من السيد منصور، رجل الأعمال الثري الذي لم يكن أحمد يعرفه إلا من خلال مجالسه المهنية. على الرغم من التردد الأولي، خاصة من السيدة فاطمة التي تفضل الهدوء والخصوصية، إلا أن السيد أحمد أصر على الحضور، مؤكدًا أنها فرصة لتعزيز العلاقات المهنية، ولإظهار روح الضيافة العربية.
كانت الفكرة تثير حيرة ليلى. منذ أن سمعت والدها يتحدث عن السيد منصور، وشعرت بشيء من القلق. كانت لا تزال تحتفظ ببعض الكلمات التي سمعتها لوالدها يتحدث بها إلى والدتها عن "مسؤوليات تجاه المستقبل"، و"الاستثمار في الأصول". ولكنها كانت تفضل تجاهل الأمر، متمنية أن تكون مجرد قلق زائد.
عند وصولهم، استقبلهم السيد منصور بحفاوة بالغة، ابتسامة عريضة لا تفارق وجهه، وصوته مفعم بالترحاب. "أهلًا وسهلًا بعائلة الغانم الكريمة! سعدت جدًا بهذه الزيارة. تفضلوا، تفضلوا."
رحب بهم في مجلسه الفخم، الذي يعكس بذخًا ورقيًا. كانت الجدران مزينة بلوحات فنية أصيلة، والأثاث يتميز بالبذخ والرفاهية. جلسوا في زاوية هادئة، بينما انشغل السيد منصور بتلبية طلباتهم.
"ما شاء الله، يا سيدي. بيت عامر بالخير والبركة." قالت السيدة فاطمة، تتفحص المكان بعين الاعتدال.
"هذا من فضل الله، ثم من كرم أهل الطيبين." أجاب منصور، وعيناه تركزان على السيد أحمد. "أحمد، يا صديقي، أعرف أنك رجل أعمال ناجح، لكنني أعتقد أننا سنعمل سويًا على مشاريع أكبر وأكثر إثارة للاهتمام قريبًا."
لم يستطع أحمد إخفاء دهشته. كيف علم السيد منصور بما يدور في رأسه؟ هل كان يتحدث إلى شخص ما؟ أم أن السيد منصور نفسه كان يملك رؤية ثاقبة للأمور؟
"نعم، بالتأكيد. أنا أتطلع إلى ذلك." أجاب أحمد، محاولًا الحفاظ على هدوئه.
"لدي فكرة عظيمة، يا أحمد." تابع منصور، مائلاً إلى الأمام قليلًا، ووقفت نظراته على أحمد. "فكرة تتطلب منك كل خبرتك، وكل ما تملكه من شبكة علاقات. نحن نتحدث عن مستقبل، عن بناء إمبراطورية، وليس مجرد عمل تجاري صغير."
تزامن حديث منصور مع دخول شقيقة، السيدة نادية، إحدى سيدات المجتمع المعروفات، والتي كانت تحمل في يديها طبقًا من الحلويات. ابتسمت ليلى، فعلى الرغم من شعورها بعدم الارتياح، إلا أنها لم تفقد روح الدعابة لديها، وبعض الحلويات كانت دائمًا موضع ترحيب.
"مساء الخير للجميع." قالت السيدة نادية، بصوت مفعم بالحيوية. "لم أكن أعلم أن أحمد أحضر معه كل هذه الزينة."
ضحك أحمد، ورد: "أنتِ دائمًا سباقة في إضفاء البهجة، يا نادية."
بينما كانت السيدة فاطمة والسيدة نادية تتحدثان عن تفاصيل صغيرة، كانت ليلى تستمع إلى حديث والدها والسيد منصور. كانت هناك كلمات تتكرر: "استثمار"، "مخاطرة"، "شراكة استراتيجية". وشيئًا فشيئًا، بدأت الصورة تتضح لها. كان والدها يفكر في مغامرة مهنية كبيرة، مغامرة قد تغير مسار حياتهم.
لكن ما لفت انتباه ليلى بشدة، هو طريقة نظر السيد منصور إلى والدها. كانت نظرة تحمل ما هو أعمق من مجرد الاحترام المهني. كانت هناك نظرة تقييم، بل وربما، شيء من السيطرة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
فجأة، تحول النقاش إلى موضوع آخر. بدأ السيد منصور يتحدث عن إحدى الجمعيات الخيرية التي يرأسها، وكيف أنها تسعى لمساعدة الأسر المحتاجة. "نحن نؤمن بأن المال يجب أن يعود بالنفع على المجتمع، يا أحمد. لا نريد أن نجمع الثروات من أجل الثروات فقط. هناك مسؤولية اجتماعية علينا جميعًا."
وافق أحمد على كلامه بحماس. كان دائمًا مؤمنًا بأهمية فعل الخير. لكن شيئًا ما في طريقة حديث منصور، جعله يشعر بأن وراء هذه الكلمات هدفًا آخر.
"نحن نفكر في تخصيص جزء كبير من أرباح المشروع الجديد لدعم هذه الجمعية." قال منصور، وعيناه تتلألآن. "بالطبع، هذا يعتمد على نجاح المشروع، وعلى قرار الشركاء. لكنني متفائل جدًا."
كانت ليلى تستمع، وشعرت بأن هناك ما هو أكثر من مجرد عمل خيري. هل كان هذا المشروع الكبير، الذي يتحدث عنه والدها والسيد منصور، ذا طبيعة لا تعرفها؟ هل كان يتعلق بشيء خطير؟
في هذه الأثناء، كانت السيدة فاطمة قد بدأت تشعر ببعض الإرهاق. نظرت إلى زوجها، ورأت علامات التعب على وجهه. "عزيزي، هل أنت بخير؟ لقد طال بنا الجلوس."
"أنا بخير يا حبيبتي، فقط بعض الأفكار التي تدور في رأسي." أجاب أحمد، وهو يشعر بأن الوقت قد حان للعودة.
"بالطبع، بالطبع." قال السيد منصور، وهو يرى نظرات السيدة فاطمة. "أعرف أن الضيافة تطول. لكنني أتمنى أن تكون هذه الزيارة بداية لعلاقة قوية ومثمرة. أحمد، أنت تعلم أنني أقدرك كثيرًا. وأعتقد أننا سنكون فريقًا لا يُقهر."
نهض الجميع، وشكروا السيد منصور على دعوته. بينما كان الجميع يتجهز للمغادرة، لاحظت ليلى أن السيد منصور أمسك بيد والدها لفترة أطول من المعتاد، وهمس في أذنه ببعض الكلمات. لم تستطع سماع ما قال، لكنها رأت تعابير وجه والدها تتغير. كان هناك شيء من القلق، ثم محاولة لإخفائه.
عند العودة إلى السيارة، ساد الصمت. لم يتحدث أحد. كانت ليلى تنظر من النافذة، تفكر في ما حدث. شعرت بأنها تقف على حافة جرف، وأن هناك شيئًا كبيرًا على وشك أن يحدث. كانت هناك أبواب تُفتح، وأبواب أخرى تُغلق. وكان والدها، بكل طيبته وبساطته، قد دخل عالمًا لم يكن يتوقعه.
"هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" سأل أحمد، وهو يرى وجه ابنته الشاحب.
"نعم يا أبي." أجابت ليلى، وحاولت أن تبتسم. "فقط بعض الأفكار التي تدور في رأسي."
لم تكن متأكدة مما إذا كان والدها يصدقها. لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا: الستار الذي يبدو غير مرئي، قد يكون أقوى وأكثر خطورة من أي ستارة ظاهرة. وأن والدها، بكل بساطة، قد بدأ يرفع هذا الستار.