يوم سعيد
كشف الأقنعة وانهيار الوعود
بقلم سعيد الضحكة
تزايدت وتيرة اللقاءات بين السيد أحمد والسيد منصور، بلغت حدًا جعلت السيد أحمد يقضي معظم وقته خارج المنزل، متذرعًا بـ"مشاغل العمل الملحة". كانت السيدة فاطمة تشعر بتزايد القلق، وتراقب بعينيها علامات التغيير على زوجها، الذي أصبح أكثر انطوائية، وأقل حديثًا عن مشاعره. أما ليلى، فقد تعمقت حيرتها وتزايد قلقها. لم تكن واثقة من طبيعة المشروع، لكنها كانت متأكدة من أن هناك شيئًا خاطئًا.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت السيدة فاطمة تعد العشاء، طرق الباب بقوة. فتحت لترى مجموعة من الرجال بملابس رسمية، يرتدون شارات لا تعرفها. تقدم أحدهم، وتكلم بلهجة قاطعة: "نحن من هيئة مكافحة الفساد. هل السيد أحمد الغانم موجود؟"
شعرت السيدة فاطمة بالبرودة تسري في عروقها. "نعم، تفضلوا." قالت بصوت مرتجف. "لكن... ما الأمر؟"
لم يجيبها الرجال. دخلوا المنزل، وبدأوا يتحدثون فيما بينهم، وكأنهم في مهمة رسمية. شعرت السيدة فاطمة بالدوار. نظرت إلى ليلى التي كانت تقف بجانبها، عيناها مليئة بالذعر.
"أبي!" نادت ليلى بصوت عالٍ، ثم ركضت نحو مكتب والدها.
وجدوا السيد أحمد في مكتبه، يبدو عليه الذهول التام. "ما الذي يحدث هنا؟" سأل، وهو ينظر إلى الرجال.
"السيد أحمد الغانم،" قال الرجل الذي بدا أنه قائد المجموعة، "نحن نحقق في قضية فساد تتعلق بمشروع استثماري كبير، ونعتقد أن لك يدًا فيه."
"فساد؟ مشروع استثماري؟" قال أحمد، وبدا كأنه لا يستوعب ما يسمع. "أنا... أنا لم أفعل شيئًا خاطئًا."
"هذا ما سنكتشفه." أجاب الرجل. "لقد تلقينا بلاغًا يفيد بأنك قمت بتلقي رشاوى لتسهيل الموافقات اللازمة لمشروع عقاري ضخم، وأن هذا المشروع تم تنفيذه بطرق غير قانونية."
"رشاوى؟" صرخ أحمد، وقد بدا عليه الغضب الممزوج بالخوف. "هذا غير صحيح! أنا لم أقبل أي رشوة!"
"هل أنت متأكد؟" سأل الرجل، وعيناه تلمعان بنوع من الشك. "لقد تلقينا وثائق، ورسائل، وشاهدًا يحدد تورطك."
شعر أحمد وكأن الأرض تميد به. "شاهد؟ من؟"
"هذا سر التحقيق." أجاب الرجل. "لكننا نملك أدلة كافية للقبض عليك."
حاول أحمد أن يدافع عن نفسه، لكن كلماته كانت تضيع في زحمة الأسئلة والاتهامات. شعرت ليلى بأن كل ما كانت تخشاه قد تحقق. والدها، الذي اعتقدت أنه عالق في مأزق، أصبح متهمًا.
"يا أبي،" قالت ليلى، وقد تحاملت على نفسها، "هل تذكر ما قلته لك؟ هل تذكر قلقي؟"
نظر إليها أحمد، ورأى في عينيها صدى كل تحذيراتها. لقد كان السيد منصور هو من ورطه. لقد وعده بالشراكة، بالثروة، بالنجاح، لكنه في الواقع، كان يمهد له الطريق إلى السجن.
"لقد خدعني." قال أحمد، بصوت بالكاد مسموع. "لقد وعدني بالكثير، وأنا... صدقته."
"هل تقصد السيد منصور؟" سأل أحد المحققين.
"نعم." أجاب أحمد، وقد استجمع بعض قوته. "لقد استخدم اسمي، وشبكة علاقاتي، ليقوم بأعمال غير قانونية. وقال لي إن الأمر يتطلب بعض... التسهيلات. لكنه لم يخبرني أن الأمر يصل إلى هذا الحد."
"هل لديك دليل على ذلك؟" سأل قائد المجموعة.
"كانت هناك رسائل، وبعض الأحاديث الهاتفية... لكنني لم أحتفظ بها." قال أحمد، وهو يشعر بالندم يعتصر قلبه.
"علينا أن نأخذك معنا." قال المحقق. "سنحتاج إلى مزيد من التحقيق."
شعرت السيدة فاطمة بالانهيار. جلست على كرسي، تبكي بصمت. ليلى احتضنت والدتها، محاولةً أن تواسيها، لكنها كانت تشعر بأنها هي الأخرى على وشك الانهيار.
بينما كان المحققون يجرون السيد أحمد خارج المنزل، سمعت ليلى شيئًا أدهشها. رأت السيد منصور يقف على الرصيف المقابل، يتحدث بهاتفه، ويبتسم ابتسامة ماكرة. عندما لمح ليلى، أشار إليها بإصبعه، وكأنه يهددها، ثم اختفى بسرعة.
في تلك اللحظة، فهمت ليلى كل شيء. لقد كان السيد منصور هو العقل المدبر. لقد استخدم طيبة والدها، وحسن نيته، لكي ينجز مخططاته الإجرامية، ثم تخلص منه. لقد كان يقف وراء هذا البلاغ، وربما كان هو الشاهد.
"لقد كان هو! كان السيد منصور!" صرخت ليلى، في محاولة يائسة لجذب انتباه أحد. "هو من فعل كل هذا! هو من خدع أبي!"
لكن المحققين كانوا قد غادروا، حاملين معهم والدها.
وقفت ليلى والسيدة فاطمة في وسط الغرفة، صامتين، والدموع تنهمر من عينيهما. لقد انهار الحلم الذي كان يرسمه السيد أحمد لعائلته، وتحول إلى كابوس مرعب. لقد كشفت الأقنعة، وانهارت الوعود، وبدأت رحلة جديدة، رحلة مليئة بالتحديات، رحلة يجب عليهم فيها أن يواجهوا الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
===END_OF_CHAPTERS===